أصبحت كلمة “سردية” اليوم من أكثر الكلمات تداولا في النقد والفلسفة والإعلام والسياسة، لكنها في الوقت نفسه من أكثرها التباسا. هي ترجمة للمصطلح الإنكليزي Narrative ، غير أن استعمالها المعاصر لا يقتصر على المعاني الأدبية من “سرد” أو “حكاية”.
يمكن التمييز بين ثلاثة حقول لاستعمال الكلمة: ففي النقد الأدبي، “السردية” هي ما يتعلق بالسرد من تقنيات الحكي، وترتيب الأحداث، الراوي، الزمن، وجهة النظر… وقد ظهر هذا الاستعمال مع ازدهار علم السرد Narratology في ستينات القرن العشرين وسبعيناته، خاصة مع أعمال باختين، وجيرار جينيت، وتزفيتان تودوروف ورولان بارت. في هذا السياق، نتحدث عن “البنية السردية”، و”الزمن السردي”، وكل ما يخص بناء الحكاية.
منظومة تفسير العالم
ابتداء من سبعينات القرن الماضي، وخاصة بعد ظهور كتاب “الوضع ما بعد الحداثي” لجان فرنسوا ليوتار، أخذت كلمة “سردية” معنى جديدا. فلم تعد تشير إلى مجرد حكاية، بل إلى الإطار الذي يمنح الوقائع معناها. ولهذا تحدث ليوتار عن “السرديات الكبرى” (grands récits)، مثل سردية التقدم، وسردية التحرر، وسردية الثورة، وسردية العقل… أي تلك الحكايات الكبرى التي تفسر التاريخ وتمنحه اتجاها ومعنى، من هنا أصبحت السردية منظومة تفسير للعالم.
في العقود الأخيرة، خصوصا بعد التسعينات، انتقل المصطلح إلى الإعلام والسياسة، فعندما يقال اليوم: “السردية الغربية” أو”السردية الرسمية” يكون المقصود ليس مجرد رواية الأحداث، بل الطريقة التي يعاد بها تنظيم الوقائع لإنتاج معنى معين يخدم رؤية أو هوية أو مصلحة.
قد تكون الوقائع نفسها صحيحة، لكن ترتيبها، وما يبرز منها وما يهمل، وما يعد بداية الحكاية أو نهايتها، هو الذي يصنع السردية. ولهذا أصبحت “السردية” تدل على إطار التأويل وبناء الحكاية. ومن هنا يمكن القول إن السردية ليست مرادفا للرواية والحكاية، بل هي الشكل الذي تنتظم داخله الوقائع لتصبح ذات دلالة وتكتسب قوة إقناع.
هذا المعنى يقرب “السردية” من مفهوم “الإطار المرجعي”، مع فارق جوهري: الإطار المرجعي ينظم التفكير العلمي، أما السردية فتنظم الذاكرة والتاريخ والهوية، وتمنح الأحداث اتجاها ومعنى. ولذلك أصبحت من المفهومات المركزية في الفلسفة المعاصرة والعلوم الإنسانية، بعدما تجاوزت مجالها الأصلي، أي “علم السرد الأدبي”.
يمكن أن نقول إن السردية تحتل موقعا وسطا بين ثلاثة مفاهيم: الأسطورة والأيديولوجيا وفلسفة التاريخ، لكنها ليست أيا منها. فهي ليست أسطورة. الأسطورة تروي أصل العالم أو أصل الجماعة. إنها تؤسس الشرعية بالعودة إلى البدايات والأصول، أما “السردية الكبرى” فلا تحتاج إلى الحديث عن “أساطير مؤسسة”. فسردية التقدم، على سبيل المثل، لا تأبه بأصل العالم، وإنما تقول إن التاريخ يسير نحو الأفضل. هذه ليست أسطورة بالمعنى التقليدي، لكنها تؤدي وظيفة مشابهة، وتمنح التاريخ معنى واتجاها.
كما أن السردية ليست هي الأيديولوجيا. إنها الطريقة التي يكتسب بها خطاب ما حقه في أن يصدق. ولذا قد يكون العلم ذاته سردية عندما يقدم نفسه باعتباره الطريق الوحيد إلى الخلاص. إذن السردية أوسع من الأيديولوجيا، لأنها تشمل حتى الخطابات التي تدعي أنها ليست أيديولوجية.
السردية وفلسفة التاريخ
إذا لم تعن السردية الأسطورة أو الايديولوجيا، فهل جاءت لتحل محل مفهوم هيمن منذ القرن التاسع عشر، هو “فلسفة التاريخ”؟
إذا أولينا اهتمامنا إلى بعض الأمثلة التي يوردها صاحب “الوضع ما بعد الحداثي”، والتي تدل على “عناوين” بعض السرديات، مثل “العقل يحرر الإنسانية”، “العلم يقود إلى التقدم”، “الثورة تحقق العدالة”، نجد أنها ليست شعارات أيديولوجية، وإنما هي “حكايات” عن التاريخ، كل واحدة منها تروي من أين بدأ التاريخ؟ وإلى أين يتجه؟ ومن هو بطله؟ وما هي نهايته؟ أي أنها تمتلك بنية روائية كاملة، ولهذا اختار ليوتار كلمة récit. بهذا المعنى قلنا إن السردية ليست أقل من الأسطورة، بل هي وارثتها الحديثة، فبينما تمنح الأسطورة معنى للكون، فإن السردية تمنح معنى للتاريخ.
ولهذا يتحدث ليوتار عن “السرديات الكبرى” لأن الحداثة، في نظره، كانت تحتاج إلى حكايات كبرى تمنح الشرعية للعلم والسياسة والأخلاق. فالعلم لا يكتفي بإنتاج المعرفة، إنه يحتاج إلى سردية تحكي لماذا ينبغي للمعرفة أن تكون القيمة العليا، والديمقراطية تحتاج إلى حكاية تقول إن التاريخ يتجه نحو الحرية، والاشتراكية تحتاج إلى سردية تقول إن التاريخ ينتهي بالمصالحة.
من هنا فالسردية ليست شيئا “أكبر من الأيديولوجيا وأقل من الأسطورة” فحسب، بل هي شيء يقطع مع هذا التصنيف كله. إنها ليست درجة وسطى بينهما، وإنما الشكل الحديث الذي حلت به وظيفة الأسطورة داخل المجتمعات الحديثة، مع احتفاظها بقدرتها على إنتاج الشرعية.
السردية والحقيقة
يطرح هذا سؤالا بالغ الأهمية، ربما يتجاوز كتاب “الوضع ما بعد الحداثي”: ألا يكون استعمال “السردية” سوى محاولة للابتعاد عن استعمال كلمة “حقيقة”، وتقديم الخطابات على أنها سرد، ونسج حبكات، وحكي روايات، مع إفساح المجال لحكايات مغايرة؟ أي أن الحداثة، بعدما يئست من يقين “الحقيقة المطلقة”، استعاضت عن “الحقيقة”، بـ”السرديات”. إذا صح ذلك، فإن انتشار المصطلح اليوم في السياسة والإعلام لن يكون بريئا، لأنه سيشير إلى انتقالنا من عالم يتنازع حول “الحقيقة”، إلى عالم يتنازع حول من يملك السردية الأكثر قدرة على حبك الأحداث ونسج المعنى.
فكأن الفرق هنا بين “السردية” وفلسفة التاريخ هو أن الأولى تنسج حبكة تربط بين أجزاء مبعثرة، بينما الثانية تحاول أن تستخرج المنطق المتحكم في الصيرورة التاريخية. السردية لا تدعي أنها تكتشف قانون التاريخ، وإنما تكتفي بأن تبني “حبكة” تجعل ما وقع قابلا للفهم، تجعله ذا معنى. وهذا بالضبط ما يقوله بول ريكور عن السرد. فهو يرى أنه “لا يجمع الأحداث فحسب، بل يؤلف بينها داخل حبكة تجعلها تبدو مترابطة”. فالأحداث قد تكون في ذاتها متناثرة، والحبكة هي التي تمنحها ضرورة بعدية. ويمكن لراو آخر أن يعيد ترتيب الوقائع، فيحصل على سردية أخرى، دون أن تتغير الوقائع نفسها. فالحبكة ليست جمعا للأحداث، لكنها الفعل الذي يمنحها قابلية لأن تفهم بوصفها عالما ذا معنى. ولهذا، حين يتحدث صاحب “الوضع ما بعد الحداثي” عن “نهاية السرديات الكبرى”، فهو لا يقصد أن البشر توقفوا عن الحكي، وإنما أنهم لم يعودوا يصدقون أن هناك “حبكة واحدة” تستوعب التاريخ كله.
في الحداثة الكلاسيكية كان السؤال هو ما معنى التاريخ؟ وكان الجواب يفترض أن لهذا المعنى وجودا موضوعيا يمكن اكتشافه. أما مع ليوتار، فيتحول السؤال إلى: من ينتج معنى التاريخ؟ السردية “تنسج” علاقة بين الوقائع، أما فلسفة التاريخ فـ”تكتشف” العلاقة التي تحكم الوقائع. وهنا تظهر السردية بوصفها عملية إنتاج للمعنى، لا اكتشافا له، وبذلك ينتقل الفكر من “أنطولوجيا المعنى” إلى “هرمنيوطيقا المعنى”.
هذا هو التحول الذي يخفيه لفظ “السردية”. فهي ليست مجرد حكاية، وليست مجرد تأويل، بل إعلان على أن التاريخ لم يعد يقرأ باعتباره نصا له معنى واحد، بل باعتباره مادة خاما يمكن أن تنسج منها حبكات متعددة، لكل منها منطقه الداخلي ومشروعيته وحدوده.
بعد انهيار “السردية الكبرى” إذن، لا يتبقى إلا تكاثر “السرديات الصغرى”، أي المحاولات المتعددة التي يصوغ بها الأفراد والجماعات أحوالهم في حكايات تمنحها معنى، دون أن تدعي أنها تمثل المعنى الوحيد أو النهائي.
هنا ينبغي أن نستعيد المعنى الأصلي لكلمة “سرد”، أقصد المعنى الأدبي. فنحن نقبل أن تختلف السرديات من راو الى آخر، لأننا نسلم، منذ البدء، أن هناك أكثر من كيفية يروى بها التاريخ، ويحبك نسيجه.