بين التلويح بضربة نووية والحديث عن خطط “مجنونة”، تتحرك واشنطن في اتجاه معاكس: نائب الرئيس جي دي فانس يمدّ يده إلى طهران عبر رسالة قطرية إلى الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي، “رجل المرحلة” الإيراني. تلتقي مصلحتان شخصيتان: فانس يبحث عن إنجاز يُنهي حرباً تمقتها قاعدة “أميركا أولاً” ويعبّد طريقه إلى الرئاسة، ورضائي، قائد الحرس السابق، يسعى إلى محو خيباته وإعادة صياغة إرثه. فهل هي فرصة أخيرة قبل الحرب، أم مناورة لشرعنتها؟
تحدث الإعلامي الأميركي تاكر كرلسون عن ضربة نووية ضد “الجمهورية الإسلامية” وقبله كشف السيناتور الديمقراطي كريس مورفي عن اطلاعه على خطة “مجنونة” ضد إيران. لكن واشنطن كانت أظهرت أعراض نقيضة. تقدم فانس ليضع يده على ملف التسوية مع طهران. بدا أن واشنطن تقوم من خلاله بمناورة قد تنهي الحرب أو تبدأها.
فانس يطرق باب رضائي
بعث فانس رسالة إلى “رجل المرحلة” في إيران محسن رضائي عبر وساطة قطرية، ودعا فيها إلى لقاء مباشر يبدأ بمناقشة البرنامج النووي منذ اللحظة الأولى. أكد في الرسالة أن المصلحة الأميركية الجوهرية تكمن في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وأن مصلحة إيران تكمن في إعادة بناء اقتصادها المنهك وحفظ سيادتها. بدأ نائب الرئيس الأميركي من آخر العقد لأنها أساساً كانت أولها.
سبق لفانس الإفتاء مراراً بأن واشنطن “ليست في حرب مع إيران بل مع برنامجها النووي”، وأن رئيسه دونالد ترامب لن يسمح بتحويل الصراع إلى حرب أبدية. كان “النائب” الشاب فضّل دائماً تجنّب الحرب اتّساقاً مع مزاج جماعة الـ “MAGA” الترامبية، وشدد على أن شعار “أميركا أولاً” يتطلّب إيفاء الوعد بوقف حروب أميركا وعدم التورّط في أخرى. أيد الضربات بعد وقوعها، لكنه ظل مبشّراً باتفاق يقوم على تخفيف تخصيب اليورانيوم، وهو أمر يبتعد عن “التصفير” الذي يريده صقور الإدارة وإسرائيل.
يردد ترامب متهكماً بأن إيران فقدت قياداتها وأن لا أحد يريد أن يكون قائداً بانتظار “ظهور” المرشد مجتبى خامنئي المتواري. والأرجح أن ترامب وإدارته وجدوا في رضائي المرشح لأن يكون “رجل المرحلة” في إيران.
يشغل الأخير بقرار من المرشد منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، كما عيّنه ممثلاً له في المجلس، بعد أن اختاره مستشاراً عسكرياً له. يمتلك “بركة” المرشد ليجزم في أمور لم يقوَ عليها آخرون. قاد الرجل الحرس الثوري لنحو 16 عاماً، بمعنى أن “الحرس” يعتبره من ضلعه الأصيل. يمنح الموقع والخلفية وثقة “قائد الثورة” رضائي القدرة على جمع تيارات التشدد والاعتدال إذا ما صدقنا أساساً وجودها في ظل هيمنة “الحرس” الحصرية .
رجل المرحلة… بالتبادل
تلاحق رضائي هزائم الحرب وخيبات السياسة. قاد عملية “كربلاء الرابعة” في كانون الثاني 1986 خلال الحرب مع العراق. توقف الهجوم سريعاً بعد انكشاف الاستعدادات العراقية، وتكبّد القوات الإيرانية خسائر قاربت 16 ألفاً بين قتيل وجريح ومفقود. تقول الروايات إنه كان من أنصار مواصلة تلك الحرب التي استنتج القائد الراحل الخميني سوءها ما اضطره إلى “تجرع كأس السم” لوقفها. وتلاحق رضائي انكسارات سياسية حالت دون نجاحه في عدة انتخابات رئاسية أظهرت ظروفها ونتائجها هزال شعبيته داخل الكتلة الناخبة.
قد لا يكون التحوّل عائداً إلى لحظة فانس – رضائي بل إلى لحظة أدركت فيها واشنطن وطهران المتاح والمستحيل. ساهم الوسطاء بترتيب تلك اللحظة، وساهم تواصل واشنطن -بكين – موسكو بتوابلها، وساهمت زيارة وفد “تحالف مكة” إلى طهران بإنضاجها. ومع ذلك فإن لفانس ربما مواويل تطرب لها إيران.
يتميز فانس بمقاربة تركز على المصالح. يعوّل على لقاء شخصي مع رضائي. ويبعث بأجواء تفهّم تؤكد سيادة إيران وحقها في إعادة بناء اقتصادها. والأرجح أن فانس بالنسبة لإيران هو بدوره “رجل المرحلة”، وترى فيه قائد تيار التسوية داخل الإدارة، لكن أيضاً يمكن الاستثمار به بصفته المرشح الطبيعي المحتمل لخلافة ترامب بعد عامين ولمدة 4 وربما 8 سنوات مقبلة. هو استثمار من 10 سنوات يجوز المخاطرة به لعائدات أكثر إغراءً من حرب لا قاع لها.
الحصار يفاوض قبل فانس
قد تستقوي حوافز إيران المحتملة بفانس و”لطافته”، لكن حقيقتها ترتبط بأوجاع مدمرة لبلد يرزح تحت وطأة الحصار البحري، والضغوط العسكرية، وكثافة التلويح بحرب قصيرة مكثفة بعد الانتخابات النصفية، وتقلّص احتمالات التسوية حسب تقييمات البيت الأبيض. أدركت طهران أن استمرار رفض الحوار قد يُفضي إلى ضربات تستهدف البنية التحتية النفطية والعسكرية قبل نهاية العام، فدفعت الحاجة الاقتصادية والسياسية نحو فتح قناة مباشرة مع فانس.
هل يستطيع رضائي تمرير ما رُفض سابقاً مع زعيم البرلمان الإيراني المبتسم دوماً محمد باقر قاليباف؟ قد لا تكون صدفة أن صحافة العالم تساءلت قبل أيام “أين قاليباف”؟ غاب عن اجتماع طهران مع الوفد السعودي ـ التركي ـ الباكستاني العالي المستوى لتحالف مكة، فيما حضر رضائي حضوراً طاغياً عن الجانب الإيراني إلى جانب الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي. ورغم عودة قاليباف إلى الظهور ليسكت المتسائلين، فإن ذلك لا ينفي تراجع دوره في المسار الأمني-التفاوضي لصالح رضائي ابن “الحرس” ومن طينته. وما يتم تداوله هو أن رضائي قادر على بناء توافق مع الحرس وطمأنة قادته بأن التنازلات لن تُضعف البلد وقدراته على الدفاع والردع.
فرصة أخيرة أم ذريعة؟
لفانس مصلحة رئاسية في عقد صفقة تُظهره قادراً على إنهاء حرب تمقتها قاعدة “أميركا أولاً”، وتمنحه أوراق قوة لإزاحة منافسين مثل وزير الخارجية الصقوري ماركو روبيو. وإذا ما كان ترامب صاحب الكلمة الأولى في تسمية مرشح لخلافته، فلفانس مصلحة في نجاح مسعى من شأنه أن يحقق أهداف رئيسه من دون تكلفة أميركية كبيرة.
لرضائي مصلحة شخصية في إنجاز الصفقة، لعلها تمحو خيبات الحرب والسياسة السابقة، وتعزز مكانته بصفته الرجل الذي أنقذ النظام من مواجهة أوسع، ليتحول من رجل الحرب السابق إلى مهندس التسوية الحالي، ويُعيد صياغة إرثه أمام الرأي العام الإيراني.
تبقى الهمّة معلّقة على مدى تبنّي ترامب لهمّة نائبه. حين شاعت الأنباء عن رسالة فانس، شوّش ترامب على أهدافها ليعلن بسخف أن غرضها تقديم مساعدات طبية لإيران مستمراً في الوعيد بالضربة القاضية. بدا أن فانس يخاطب العالم فيما ترامب يخاطب ناخبيه ويستحث فيهم همم الاقتراع. ومع ذلك فإن خطوة فانس قد تكون فرصة أخيرة قبل الحرب الموعودة، أو مناورة لاستدراج شرعية لها إذا رُفضت.
قد لا يكون مستغرباً، أن يشجّع ترامب الصفقة متى حققت أهدافه، لكنه يظل حذراً من منح فانس إنجازاً يعزز طموحه الرئاسي مبكراً، أو يتيح له الاستئثار بالأضواء على حساب انتصارات ترامب التي يحرص على إبقائها في الواجهة.
يجدر هنا التوقف عند التحوّل في مزاج طهران وحساباتها. فقد أبدت، على نحو لافت وربما مبالغ فيه، إشارات إيجابية واهتماماً بما اعتبرته تبدّلاً في نبرة فانس، وهي النبرة التي أشاد بها رضائي. ولعل ذلك يعكس استجابة واشنطن للحظة نضجت ملامحها في طهران، والتقطت واشنطن إشاراتها. وقد يوحي تصاعد “نبرة” مجتبى خامنئي بأن الأمر ليس سوى جزء من عدّة “السمّ” الذي جرى ابتلاعه، وأن الصفقة المحتملة لا تعدو كونها إخراجاً لسيناريو قديم، أُعيدت إليه الحياة بعد أن غطّاه غبار الراهن.
