تكتسي انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس الأميركيّ أهميّة بالغة هذه المرّة، نظراً لما يمكن أن يترتّب عليها من انعكاسات على الداخل والخارج. يتابع القادة الأوروبيّون عن كثب هذا الاستحقاق من دون أوهام، لأنّ نهج الرئيس دونالد ترامب لن يتأثّر بشكل حاسم، خاصّة في العلاقات الخارجيّة وقرار الحرب. لكنّ السنتين الباقيتين من ولايته يمكن أن تكونا عاصفتين وحافلتين بمفاجآت لم تكن في حسبان الجانب الأوروبيّ، الذي يخشى مزيداً من تفكّك العولمة والتحالف الغربيّ.
يسود الاعتقاد أنّ غالبيّة القادة الأوروبيّين تأمل هزيمة دونالد ترامب في هذه الانتخابات، وإضعاف سياسته التي تسعى إلى تقويض القانون الدوليّ والنهج التعدّديّ. مع ذلك يبدو الرهان مبالغاً به تماماً كما حصل في حقبة الرئيس السابق جو بايدن، لأنّ آليّات اتّخاذ القرار في العاصمة الفدراليّة لا ترتبط حصراً بشخص سيّد البيت الأبيض.
الاضطرابات بين ضفّتَي الأطلسيّ
تبدو الفجوة كبيرة بين ضفتّي الأطلسيّ في ضوء مواقف سيّد البيت الأبيض الحاليّ بإزاء أوروبا ومسألة أوكرانيا وغرينلاند والرسوم الجمركيّة. وهناك توافق على استنتاج التراجع المذهل للديمقراطيّة في الولايات المتّحدة خلال هذه الحقبة، وذلك بسرعة تجاوزت ما يمكن أن يرتكبه أيّ نظام غير ليبراليّ.
لا تعكس التوتّرات المتزايدة بين الضفّتين خلافات عابرة فحسب، بل تشير إلى فوارق في المقاربات وتحوّلات بنيويّة في أولويّات الطرفين. وبينما كانت الخطابات الرسميّة تتحدّث عن “قيم مشتركة”، يكشف التسلسل التاريخيّ عن تناقضات لها جذورها، وتُبرز انعكاسات حربَي أوكرانيا وإيران تبايناً متصاعداً في المصالح.
تستند مقاربة واشنطن أيّاً كانت الادارة إلى الحاجة الأوروبيّة للمظلّة الأميركيّة التي لم تكن فقط لمواجهة الخصم الشرقيّ، سواء الاتّحاد السوفيتيّ أو روسيا، بل للعب الولايات المتّحدة دور الناظم الاستراتيجيّ نظراً لتاريخ مؤلم حافل بالتنافس والصراع بين القوى الأوروبيّة نفسها حيال أيّ إخلال بالتوازن الحاليّ.
يستحوذ مصير أوكرانيا على الاهتمام الأوروبيّ تبعاً للخشية من صفقة بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين على حساب كييف وأوروبا. وبرز الشرخ الأميركيّ – الأوروبيّ بشكل علنيّ مع مشاركة وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف، بشكل مفاجئ في اجتماع مجموعة العشرين، في الثلاثين من تشرين الأوّل، في أتلانتا، ورفض الجانب الأوروبيّ أخذ الصورة الجماعيّة معه في إشارة إلى التأفّف من الانفتاح الأميركيّ على روسيا.
تعوّل مصادر أوروبيّة على تقدّم الحزب الديمقراطيّ في انتخابات التجديد للكونغرس، لأنّه يمكن أن يلجم اندفاعة ترامب لترتيب صفقة مع روسيا من دون أخذ مصالح أوكرانيا بعين الاعتبار. وعلى الأرجح ستكون الفترة الفاصلة بين قمّة منتدى التعاون الاقتصاديّ لدول آسيا والمحيط الهادئ (18-19 تشرين الثاني 2026) في مدينة شينزين بالصين، وبين قمّة العشرين في ميامي (14 – 15 كانون الأوّل 2026) فرصة لنسج أسس التسوية الأوكرانيّة. وحتّى لا يتمّ الترتيب على حساب المصالح الأوروبيّة، لا تخفي المفوضيّة الأوروبيّة في بروكسل اتّصالاتها بمؤسّسات “الدولة العميقة” في الولايات المتّحدة وحلف شماليّ الأطلسيّ للحدّ من الأضرار.
على صعيد أشمل، يخشى الجانب الأوروبيّ، مهما كانت سيناريوهات ما بعد الثالث من تشرين الثاني، أن يبقى حلف شماليّ الأطلسيّ على المحكّ في ظلّ توجّهات دونالد ترامب، خاصّة أنّ الخلافات القائمة تهدّد جوهر التضامن داخل الناتو، وتضع مبدأ الدفاع الجماعيّ أمام اختبار حقيقيّ قد يعيد رسم مستقبل “الناتو”، وربّما يفتح الباب أمام احتمالات تفكّكه إذا استمرّ تآكل الثقة بين ضفّتي الأطلسيّ.
بالرغم من الهزّات المتعدّدة، يراهن الأوروبيّون على بقاء “الناتو” حاجة لواشنطن وامتدادها العالميّ، وحاجة ماسّة لأوروبا التي تفتقر إلى قطب جيوسياسيّ ودفاعيّ.
مقاربات ما بعد الانتخابات النّصفيّة
بينما يحتدم الوضع في أكثر من بلد أوروبيّ على وقع الاحتجاجات الاجتماعيّة والشرخ بين الأجيال، تلاحظ الأوساط الأوروبيّة أنّ الحزب الديمقراطيّ ركّز حملته على الكلفة العالية للمعيشة، متناسياً أولويّاته السابقة في الدفاع عن حقوق مجتمع “الميم”، ومكافحة التفاوتات العرقية أو الجندرية. وهذا يعني أنّ “الثورة المحافظة” التي قادها ترامب تركت أثرها، وبالرغم من ذلك يواصل الجمهوريّون استغلال هذه المواضيع ضدّ الديمقراطيّين.
في تفاصيل السيناريوهات، يتوافق الخبراء الأوروبيّون في الشؤون الأميركيّة على أنّ ترامب سيعتبر “عودة أحد مجلسَي الكونغرس أو كليهما إلى سيطرة الديمقراطيّين بمنزلة إعلان حرب سياسيّة عليه”.
في حال فوز الديمقراطيّين، سيعمل ترامب على تقويض الثقة بالنظام الديمقراطيّ الأميركيّ بشكل أكبر. ومن المتوقّع عدم تجنّب الشلل الحكوميّ وستكون فرص التوصّل إلى اتّفاق بين الحزبين حول الركائز الأساسيّة للحكم خلال العامين الباقيين لترامب في البيت الأبيض شبه معدومة. ولن يكون مستبعداً في حال فوز الديمقراطيّين بالمجلسين أن تتمّ المطالبة بإقالة ترامب. ولذا نهاية الولاية قد تكون صعبة للغاية.
الأدهى من منظور أوروبيّ، قد يقود تقلّص هامش مناورة ترامب في الداخل لمزيد من النهج الهجوميّ في الخارج.
في الثالث من تشرين الثاني، سيحدّد الأميركيّون جزءاً كبيراً من الأجندة السياسية لواشنطن. يدلّ التاريخ على أنّ الناخبين غالباً ما يعاقبون حزب الرئيس في انتخابات منتصف الولاية. وفي هذا العام، يُرجَّح بشكل كبير فوز الديمقراطيّين بمجلس النوّاب، في حين تظلّ المنافسة محتدمة على مقاعد مجلس الشيوخ… وستخضع السلطة التنفيذيّة لرقابة مؤسّسيّة أكثر تواتراً وصرامة، كما سيصبح اتّخاذ قرارات تتعلّق بالسياسة الخارجيّة أمراً أكثر صعوبة بالنسبة لها.
فوضى دوليّة
حسب الباحثة الفرنسيّة نيكول باشاران، سيسعى ترامب لإقناع ملايين الأميركيين بأنّ الانتخابات سُرقت منه، والعمل على نزع الشرعيّة عن الأغلبيّة الديمقراطيّة طوال العامين المقبلين. وهذا يعني مواصلة تقويض الشرعيّة الانتخابيّة، وصولاً إلى جعل انتخابات عام 2028 بمنزلة معركة للانتقام.
يتحدّث الخبير الاقتصاديّ السابق في البنك الدوليّ إستفان دوبوزي عن مستقبل أكثر فوضويّة، ويرى أنّ “هزيمة الجمهوريّين قد تؤدّي إلى كارثة على الصعيد الدوليّ”. ولا يستبعد المراقبون أنّه في أعقاب الثالث من تشرين الثاني، قد تستيقظ الولايات المتّحدة والعالم على واقع وجود رئيسٍ ضعيفٍ داخليّاً، ومدفوعٍ برغبةٍ عارمة في ترك بصمة تاريخيّة في مجال السياسة الخارجيّة. وهو احتمالٌ ينطوي على خطورة بالغة، لا سيما إذا ما أخذنا في الاعتبار الملفّات الساخنة وأبرزها الملفّ الإيرانيّ.
بعيداً عن الحسابات السياسيّة الفئويّة، ستراقب أوروبا بقلق وضع الولايات المتّحدة في السنتين الأخيرتين من ولاية ترامب، خاصّة أنّها ستواجه مجموعة استثنائيّة من التحدّيات، بينها ثورة الذكاء الاصطناعيّ وتصاعد آثار التغيّر المناخيّ، وتدهور العلاقات مع الحلفاء.
