ملخص
لكن ليسينغ لم يكمل المشروع، ولم يقل أبداً سبب ذلك، ويقيناً أن السبب لم يكن ذا علاقة بضيق الوقت. فكاتب كصاحب “لاؤوكون” و”ناثان الحكيم” وعشرات الكتب التي تطاول شتى صنوف الأدب والفكر، من المؤكد أنه كان سيجد من الوقت ما يكفيه لإنجاز مسرحية فاوستية. ولكن المرجح أن الكاتب في اشتغاله على العمل وجد نفسه أمام طريق مسدود وأسئلة شائكة دفعته إلى أن يؤجل ويؤجل حتى اختفى “فاوست” الخاص به وسط الأوراق والأفكار المزدحمة.
هو مشروع لم يكن كثر يعرفون كثيراً عنه، ولو أن ورثة الكاتب الألماني غوتهولد إفرايم ليسينغ سوف يعثرون بين ألوف الصفحات ومئات الدراسات والملفات التي تركها عند موته عام 1781 ما يشي بأن الكاتب كان يحضر لإنجاز نسخة خاصة به من مسرحية عن “فاوست” يشتغل على كتابتها، وهي النسخة التي ربما سيقول غوته عنها بعدما انكشف أمرها وقرأ ما تيسر له منها، إنه بالتأكيد ما كان من شأنه أن يكتب “فاوسته” الخاص لو أنه وجد يوماً أن ليسينغ قد أكمل مشروعه حقاً.
ويقيناً أنه لو لم يختف لكان في إمكاننا أن نجد تنويعة أخرى تنضاف إلى التنويعات العديدة التي نملكها عن “فاوست”، بصرف النظر عما نعرفه من أن غوته، الذي ذات حين كان يعتبر نفسه تلميذاً نجيباً لليسينغ، أتى بما يمكن اعتباره، تاريخياً، الرد الحاسم والجواب الشافي على المعضلة الفاوستية التاريخية. أما بالنسبة إلى ليسينغ فإن أقل ما يمكن قوله هو أن “فاوست” لديه كان سيكون شيئاً آخر مختلفاً عن كل ما نعرفه كما سوف نرى.
حوارات خلاقة بين الأفكار
صحيح أن كم الأوراق والصفحات والنصوص الفاوستية التي عثر عليها بين ما تركه ليسينغ من أوراق يمكنه أن يضعنا في قلب المشروع ولكن من دون أن يعطينا استنتاجات تتعلق بما كان يمكن لفاوست على طريقة ليسينغ أن يكون. لكننا، وباستنادنا إلى أفكار واضحة نتلمسها في أعمال أخرى للكاتب تبدت دائماً أكثر اكتمالاً، يمكننا أن نجد أن ذلك المفكر الذي كان مسعاه الأكبر، في “ناثان الحكيم” على سبيل المثال، أن يعبر عن حوار بناء وتصالح بين الأديان السماوية الثلاثة، وفي “لاؤوكون” أن يعبر عن السمو المطلق لمفاهيم الجمال في الإبداعات الانسانية ولا سيما في اللقاء بين الشعر والنحت والرسم، بالتماشي مع النزعة التنويرية التي تقوم على الإبداع نفسه، ما كان من شأنه إلا أن يجعل من “فاوست” ناطقاً باسمه في مسرحية من الواضح، ومن خلال تحليل أوراقه، أنه كان ينحو فيها إلى نزع أية صفات غيبية أو لا إنسانية عن تلك الشخصية، ولكن كذلك عن شخصية مفيستوفيليس الذي يأخذ على عاتقه إيقاع البطل في التهلكة.
بالنسبة إلى هذه النسخة من فاوست، وهي كما يمكننا أن نفترض كانت نسخة علمانية تماماً، وتتأثر بالتنويريين الفرنسيين، بل حتى وإلى حد ما بالمسرح “البورجوازي” الفرنسي وربما المولييري بأكثر مما بالراسيني على أية حال، ولكن من دون التخلي عن نزعة شكسبيرية لم يكن ليسينغ ليتردد في الاشتغال على مسرحتها، وأيضاً من منطلق علماني. إن هذا كله قد يبدو هنا بالغ التعقيد، لكن ما يدعمه إنما هو التعمق في الأوراق وبعض الفصول التي تركها ليسينغ عند رحيله.
بحثاً عن علمانية ما
بيد أن المشكلة الأساسية هنا تكمن في أن تلك الأوراق لم تكن، حين تم العثور عليها في ملفات ليسينغ، أوراقاً جديدة كتبت حديثاً، ما يفترض أن موت الكاتب قد حال دون مواصلة كتابته لها، بل بدت أوراقاً قديمة وضعها الكاتب جانباً على أمل أن تتضح لديه الأفكار التي تمكنه من متابعة عمله ما إن يتوصل إلى حلول مسرحية وفكرية يبدو أنه كان يجد صعوبة في التوصل إليها. ثم إن ما هو مكتوب لا يشي على أية حال بأن المهمة سهلة، بل بأن الكاتب غير قادر على تخطي صعوبات تعبيرية معينة ولا سيما في رسم المشاهد الأساسية التي تدور بين فاوست ومفيستوفيليس، وقد بات عليه أن يعري الحوارات من تلك الأبعاد الفانتازية والغيبية التي كان يمكنها أن تسهل عليه التعبير، كما ستكون الحال عند غوته لاحقاً. هنا كان ليسينغ يريد أن يكون واقعياً في رسم الشخصيات، وفي كتابة الحوارات، وفي رسم المواقف، وكأنه يكتب مسرحية بورجوازية فرنسية تنتمي إلى عالم إميل زولا، حتى قبل أن يوجد زولا على الإطلاق. فهل كمنت العقبة الكأداء ها هنا بالتحديد؟ بل لربما كانت تكمن في استحالة ما لأن يكون فاوست واقعياً، ومفيستو مجرد شخص شرير يريد أن يفسد ذلك البطل الإنساني، مجرد شخص حتى وإن جعله ليسينغ في لحظة ما يتقمص شخصية أرسطو طاليس نفسه بشكل بالغ الغموض.
في النهاية، ومهما يكن من أمر تلك الشخصية الجهنمية، ربما كانت الصعوبة الأساسية التي واجهت ليسينغ قد كمنت في وسم شخصية الشرير بعلمانية تبديه عاجزاً عن أن يكون شريراً إلى درجة إحداثه ذلك التبدل في شخصية محادثه. ولا سيما أن ليسينغ يبدو وكأنه لم يتمكن من العثور على ما يكفيه من الدوافع لإنجاز مهمته “التاريخية”.
عمل كبير ضائع
في الحقيقة إننا لم نعرف أبداً ما الذي انتهى إليه أمر هذا المشروع المجهض، حتى وإن كانت تثار بين الحين والآخر بعض الأفكار والتخمينات من جانب مسرحي من هنا، أو كاتب من هناك، عن رغبة ما في استعادة المشروع نفسه بالاشتغال عليه. وهو أمر مشروع بالتأكيد، وربما سيوجد حقاً مثل هذا الشخص يوماً ويعيد إلى الفكرة الليسينغية رونقها ووجودها. ولكن السؤال يبقى. حتى وإن كان في وسعنا أن نفترض أن ثمة بالفعل مبدعين سعوا إلى تجسيد هذا المشروع من دون أن نتمكن من متابعة إنجازاتهم، يبقى السؤال متعلقاً بما إذا كانت أية محاولة في هذا المجال ستبدو مرتبطة بالفعل بما أراد غوتهولد ليسينغ (1729 – 1781) أن يقوله حقاً في سياق عمل إبداعي يبدو لنا دائماً وكأنه ينتمي إلى منظومة فكرية تنويرية واحدة جعلت من هذا الكاتب المسرحي والروائي والناقد وعالم الجمال، واحداً من الأركان الأساسية في النزعة التنويرية الألمانية التي عرفت كيف تعبر عن المقابل الأوروبي للتنويرية الفرنسية، علماً بأن ما كان يمكنه أن يقوله ولم يكتمل سيبقى دائماً وبعدم اكتماله أكثر فصاحة من معظم ما قيل من حول “فاوست” أو من خلال “فاوست”، تلك الشخصية المحورية في تاريخ الإنسان.
