إنه المخرج المسرحي السوري فواز الساجر الذي ضاقت عليه البلاد فغادرها فجأةً عن عمر ناهز الأربعين، أحد أبرز الوجوه المؤسسة للمسرح السوري المعاصر، وأحد رواد التجريب المسرحي، وصاحب الإنجازات التي شكلت علامة فارقة في مسيرة الحركة المسرحية السورية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات. اعتمد المغامرة والإبهار، وحقق نجاحات نوعية كبيرة، يمكن مقارنته – كما ذكر بعض النقاد- بمبدعين عاشوا حياة قصيرة وتركوا بصمات إبداعية خالدة في مجالات الأدب والفن.
سعى في أعماله المسرحية إلى تحويل الخشبة من فضاء للفرجة إلى فضاء للوعي والتنوير، مؤمنًا بأن المسرح ليس ترفًا بل ضرورة، والتجريب ليس خيارًا شكليًا بل منهجًا لتحرير الإنسان من القهر والاغتراب والانتقال إلى عالم أفضل: “إن المسرح مدرسة تعطيني الفكر والعلم. وهنا تكمن أهميته في عملية التغيير والبناء شرط أن يقوم على أسس واعية ومتفهمة لروحه اجتماعيًا وتاريخيًا. والمسرح المطلوب هو الذي يتقدم الجمهور كاشفًا لهم أعماق عظمة الإنسان، داعيًا لبناء مجتمع أفضل”. وكان يدعو للمسرح الذي يجسد قيمًا اجتماعية وأفكارًا جديدة، ويطرح قضايا الناس وآلامهم بأساليب فنية متطورة مواكبة لتطور المسرح العالمي.
ولد في مدينة منبج شمال شرق حلب عام 1948، تلك المدينة التي اشتهرت بشعرائها الكبار: البحتري، أبو فراس الحمداني، وعمر أبو ريشة. درس في معهد (غيتس) الروسي للفنون المسرحية، وتخرج منه عام 1972، ثم عاد إليه لنيل شهادة الدكتوراه عام 1982، تحت إشراف أحد الممثلين والمخرجين البارزين السوفيات (يوري زافادسكي).
أسس المسرح الجامعي بحلب، وأعد عام 1973 مسرحية “جيفارا” للشاعر الفلسطيني معين بسيسو، وقدمها تحت عنوان: “الضيوف لا يحبون الإقامة في هذا البلد”، وهي أول مسرحية في الأدب العربي تتناول الأب الروحي للثورات (تشي جيفارا)، وتعرض يوميات الفلاحين وحياة البؤس والاستبداد في بوليفيا، وفيها استخدم بسيسو “كسر الحائط الرابع” أي المسافة بين الجمهور والممثلين، ودعا من خلالها للثورة ضد الطغيان. وفي العام نفسه قدم مسرحية “حليب الضيوف” للكاتب المغربي أحمد الطيب العلج لصالح مسرح الشعب في حلب.
عمل مع المسرح الجامعي عام 1975، وأخذ ثلاثة نصوص مسرحية من الكاتب الأرجنتيني أوزوالد دراكون وممدوح عدوان ورياض عصمت، وقدمها على هيئة ثلاثية بعنوان “نكون أو لا نكون” وشارك بها في مهرجان دمشق السادس للفنون المسرحية، وكانت من أبرز الأعمال التجريبية له. ثم أنجز مسرحية “رسول من قرية تميرة” للكاتب المصري محمود دياب التي كتبها في أعقاب حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وطرحت تساؤلات عميقة حول الحرب والسلام، والعلاقة بين القرية والمدينة بتأثير مؤلم من المباحثات التي جرت بين مصر وإسرائيل، وانتهت بانسحاب القوات المصرية من الضفة الشرقية لقناة السويس، بعد عبورها الكاسح عام 1973.
أسس مع الكاتب المسرحي سعد الله ونوس المسرح التجريبي الأول في سورية عام 1977، لتقديم رؤى مسرحية جديدة بعيدة عن القوالب التقليدية. وقدم مسرحيات عديدة منها: “يوميات مجنون” عن نص لنيكولاي غوغول، إعداد سعد الله ونوس، وكان عرضها الأول في مهرجان دمشق السابع للفنون المسرحية، وهي عمل أدبي ساخر يغوص في معاناة الإنسان المقهور وتدهور قواه العقلية، والعزلة التي تسيطر عليه، وقد كتبها الكاتب الروسي غوغول كقصة قصيرة. ثم “رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة” التي اقتبسها ونوس عن مسرحية “كيف تخلص السيد موكينبوت من آلامه” للكاتب والروائي الألماني بيتر فايس، الذي عرف بأسلوبه المميز في المسرح التسجيلي والوثائقي وتناوله لقضايا الثورة والسياسة والتغيير، وعرضت في الكويت وألمانيا، وقدم مسرحية “ثلاث حكايا” عن ثلاثية الكاتب الأرجنتيني أوزوالد دراكون، وهي: “ضربة شمس- حكاية صديقنا بانشو- الرجل الذي صار كلبًا”، واعتمد في عروضه هذه على توظيف الإضاءة والفراغ المسرحي للتأثير في المتلقي بعيدًا عن التقليد الكلاسيكي.
كان المخرج الراحل أحد مؤسسي المعهد العالي للفنون المسرحية بسورية عام 1977، وأول الأساتذة الذين درسوا مادة التمثيل فيه، وفق قواعد علمية ومنهجية حديثة، وقد قدم عرض تخرج الدفعة الأولى من قسم التمثيل عام 1981 بعنوان: “سهرة مع أبي خليل القباني” لسعد الله ونوس، مجسدًا صراع النهضة والتقليد في احتفالية ذات طابع تسييسي، تنوعت بين الرقص والغناء والشعر والتمسرح الدرامي والحكي الذي يقدمه المنادي في الاستهلال: “سهرتنا هذه الليلة مليئة وغنية بالحكايات. خيالية وواقعية. فيها غناء ورقص وتشخيص”.
إضافة إلى تنويع مستويات التواصل بين العربية الفصحى التراثية والعربية المعاصرة واللهجة الشامية الدمشقية واللغة التركية. والمسرحية ترصد كفاح رائد المسرح السوري (أبو خليل القباني) في إرساء دعائم المسرح في مدينة دمشق أواخر القرن التاسع عشر، وقد استعان ونوس فيها بإحدى مسرحيات القباني الشهيرة وهي: “هارون الرشيد مع غانم بن أيوب وقوت القلوب” لدمجها كعرض فني يقام ضمن أحداث هذه الاحتفالية، التي ضمت إسقاطًا على واقع المجتمعات العربية التي ما زالت تقاوم قوى التخلف والانغلاق الفكري، واعتمد الساجر في إخراجها على أسلوب “المسرح الملحمي” أي مسرح داخل مسرح، وتقسيم فضاء الخشبة واستخدام الإضاءة البقعية لتسليط الضوء على الأحداث المتفرقة والشخصيات وتوظيف الراوي في هذا العمل المسرحي، لخلق حالة من التفاعل المباشر مع المتلقي، وتقديم العرض كوثيقة تاريخية لصراع الفن مع القوى المحافظة. كما اعتمد على المزج بين التمثيل والفرجة، وتنويع الأزياء، وقد حظيت بإشادة نقدية واسعة، وتعرضت لجدل فكري وسياسي لجرأتها في نقد الموروث الاجتماعي واصطدامها مع قوى حاربت الفن والمسرح.
تعرض فواز الساجر وسعد الله ونوس إلى قيود رقابية وسياسية صارمة، فرضها النظام الأسدي آنذاك عليهم وعلى المسرح الجاد، مما أدى لانتهاء الحلم بمسرح تغييري. وكانت مسرحية “سكان الكهف” هي آخر أعمال الراحل، وهي تجربته الوحيدة مع المسرح القومي عام 1988، تأليف الكاتب والروائي الأميركي وليام سارويان، الذي عرف بأسلوبه المفعم بالحياة واحتفاله بالإنسان العادي وقصص المهاجرين، ويتمحور موضوعها حول قوة الحب والكرامة الإنسانية في مواجهة قسوة الحياة والوحدة. وقد ركز الساجر في إخراجه لها على البعد الشاعري والإنساني، محولًا النص العادي إلى سيمفونية من المشاعر النبيلة تدعو للتمسك بالإنسانية وحقوق الإنسان.
عرف عن المخرج الراحل تمكنه من الإمساك بتفاصيل العرض المسرحي، وقدرته على التشكيل المسرحي بإيقاع سريع ومتواتر، واختياره للموسيقى بعناية فائقة، ليجعلها جزءًا هامًا من بنية العمل وتكوين العرض.
ركز على الحرفية والتقنيات، وكان الإنسان هدفه الدائم ومنطلق إنتاجه: “منذ بداية نشاطي المسرحي، رغم قصر التجربة، كان هاجسي الأساسي هو الوصول إلى المتفرج مستفيدًا من طبيعة تكوينه وخصوصيته الشرقية. ولذلك بدأت أختبر معلوماتي وقناعاتي المسرحية وقد اضطررت للتخلي عن الكثير من هذه القناعات بسبب بعدها عن متفرجنا رغم أكاديميتها وثبات صحتها”.
تبنى مذهب المسرحي والشاعر الألماني برتولد بريخت القائم على إزالة جميع الحواجز بين المسرح والجمهور، وذلك لتحويل الخشبة وما يعرض عليها، إلى أداة للتغيير والتعبير عن الطبقات المسحوقة في المجتمع. وفيما بعد اعتمد في إخراجه على منهج المخرج الروسي قسطنطين ستانيسلافسكي القائم على ضرورة أن يفهم الممثل واقع وظروف وخيالات وذاكرة الشخصية التي يؤديها، وأن تظهر انعكاساتها عليه خلال العرض نفسيًا وجسديًا. لكن المرحلة الأكثر أهمية في فنه المسرحي، هي تجربته بتشكيل ثنائي مسرحي مع الراحل سعد الله ونوس، حين بدأ كلاهما بما يمكن تسميته “التجريب من أجل الحداثة” وتخليا عن الخطابات والشعارات المكررة باعتبارها أسلوبًا مضللًا للناس، وصنعا معًا بهجة ونضجًا مسرحيًا لا يتكرر، وهذا ما جعل ونوس يقول في رثائه للساجر في حفل تأبينه: “أنا قد يسعفني الحظ ويندمل جرحي. أما المسرح فقد يطول به الانتظار حتى يسترد الألق الذي انطفأ حين توقف قلب فواز الساجر”.
كان الراحل كما قال عنه طلابه والنقاد والمقربون منه صعب الإرضاء، دؤوبًا، شغوفًا بالمعرفة منذ صغره، همه الدائم القراءة والعمل، كان تقدميًا ومتحررًا ومفكرًا جماليًا ومخرجًا أكاديميًا ومنظرًا في الفنون الأدائية. سعى لتأسيس مسرح عربي حداثي، عبر النقد والتجريب والتعليم، واستلهم أعماله من يوميات المواطن العربي المثقلة بالفقر والاستبداد، وكشف بنية وحقيقة الأنظمة القمعية الديكتاتورية.
ربط بين الاتجاهين الكلاسيكي والحديث في المسرح، واهتم بالجانب السيكولوجي للشخصية، وربى أجيالًا من المسرحيين السوريين في فترة حياته القصيرة، غالبيتهم أصبحوا نجومًا في المسرح والتلفزيون والسينما.
كان متواضعًا وزاهدًا وأخلاقيًا إلى أبعد الحدود، ومرجعًا في المسرح السوري والعربي، رسخ مفهوم المخرج المثقف لا المخرج التقني فقط. لم يحتمل الضيق والظلام الذي خيم على سورية لعقود طويلة، فغافل محبيه وخشبة المسرح ورحل كما ترحل الطيور الجميلة مسرعة قبل الأوان. غير أن اسمه بقي يتردد حتى اليوم كلما حضر الحنين إلى الفن والمسرح الجاد الذي يحترم عقل المتلقي ووجدانه وروحه.
مراجع مختارة:
مداخل إلى المسرح السوري الحديث.
مجلة “الحياة المسرحية”.
مواقع إلكترونية.