من روايته الأولى “إكميل” وعبر مسار روائي غنيّ وصولًا إلى روايته الصادرة حديثًا “اسمي فوزي وعمري أربعةَ عشرَ عامًا”، انشغل الروائي اللبناني فوزي ذبيان بتفقّد ما تختزنه الأمكنة من أصوات وكلمات، وبتقصّي الواقع بوصفه مادته الأولى. ويتبدى هذا الاشتغال في كشف ما يتوارى تحت الطبقات المهمّشة من المجتمع، وفي السخرية مما يتصدّر طبقات السلطة والثقافة، لتؤكد أعماله في داخلها أن لا قيمة لشيء في هذا العالم. وليست رواية “بيروت من تحت” وحدها التي أنساق فيها إلى فكرة “التاريخ من تحت” كما بثّها الفيلسوف الفرنسي جاك لوغوف، بل إن كل عمل من أعماله يشكّل تصويرًا لجانب ما من تاريخنا ومن مجتمعنا اللبناني من تحت.
أصدر فوزي ذبيان ثماني روايات: “إكميل” (2005)، “الإرهابي الأخير” (2010)، “مراتب الموتى” (2014)، “أورويل في الضاحية الجنوبية” (2017)، “خيبة يوسف” (2018)، “بيروت من تحت” (2021)، “مذكرات شرطي لبناني” (2024)، و”اسمي فوزي وعمري أربعةَ عشرَ عامًا” (2025). هنا حوار معه عن أعماله.
***
(*) تكتب أعمالك بنفس سير-ذاتي، كل عمل مستمد من الواقع الذي يدور حولك بطريقة أو بأخرى، “مذكرات شرطي لبناني”، “بيروت من تحت”، “أورويل في الضاحية الجنوبية”، “خيبة يوسف” وغيرها من أعمالك؛ هل هو تأريخ لخيبات جيل كامل أو مساءلة للواقع، أكثر من أن يكون رغبة بكتابة تجارب شخصية؟
لطالما طرحتُ على نفسي هذا السؤال. لستُ أدري لماذا أنساقُ بعينٍ محدِّقة إلى كل ما يجري حولي كسلطعونٍ يبغي الخلاص من شرٍّ متربِّص. ربما في الأمر محاولةُ فرارٍ من الواقع عبر سرده بالكلمات، أو محاولةٌ للتخلُّص من التعب الذي يرميه فوق رؤوسنا وداخل قلوبنا هذا العالم، الذي أشعر أنّي واحدٌ من كائناته المنقرضة أو المهدَّدة بالانقراض… لستُ أدري. ثَمّة من تكلَّم عن التعب الذي يستريح عبر التمسُّك بخيوط الكلمات، التعب الذي يستريح بين دفَّتي كتاب. قد يكون هذا التوجُّه الكتابي محاولةَ شفاءٍ ذاتي أو تأريخًا للخيبات كما ورد في السؤال، لكنه في كل الأحوال هو محاولةٌ لاستقصاء الواقع عبر دفق الكلمات. الواقع ليس بذلك الوضوح الذي نظن. وربما، كشرطيٍّ سابق، انغماسٌ في الشوارع وزواريبها المعتمة بشكلٍ خاص هو ما أودى بي إلى هذا المستقرّ الكتابي، وهو ما ساقني في الوقت نفسه لنبش الواقع من حولي عبر الكلمات، عبر سردٍ يجحظ، يسترقّ السمع، يلمس لمسَ اليد ويستنشق كلَّ أنماط الروائح من الغاردينيا إلى الحشيش. إنّ الكلمات في هذا الصدد هي بمثابة المتحرّي الشاطر، المتحرّي الحربوق الذي لا يستجدي ظاهر الأمور من أجل الوصول إلى الحقيقة، إنما يستجدي السرد ومراكمة الكلمات علّه، عبر هذه المراكمة، يُلقي القبض على ما يجب أن يُلقى القبض عليه. فالكلمات تراها تسوّق الخفيَّ للظهور على غفلةٍ من هذا الخفي.
(*) صدر لك منذ وقت قريب عمل جديد بعنوان “اسمي فوزي وعمري أربعة عشر عامًا”، ما الذي دفعك للعودة إلى ذلك العمر، وهل هي نفسها الأسباب التي دفعتك لكتابة أعمالك السابقة؟
“اسمي فوزي وعمري أربعة عشر عامًا”، أكثر ما علَّمني الانكباب على هذا الكتاب هو أن الحاضر، الحاضر الذي نعيشه الآن، هو أقرب إلى تطفُّلٍ وقحٍ على ماضينا، تطفُّل على الذكريات وعلى ما نظنّ أنه يقع في غياهب النسيان. وقد أمدَّني السرد الذي أسَّس هذا العمل بفكرةٍ مفادها أن تأمُّل المرء في ذكرياته هو، في بعض وجوهه، محاولةٌ لرتق الصورة العامة عن الذات. يبدو أننا في العمق شتات، مجرَّد شتات وربما حطام. أنا أحسد أولئك الذين يتحلَّون بوعيٍ ذاتي إلى حدّ المفاخرة والانتصاب الدائم للقامات. كلا، أنا محلّ غيبٍ شديد حيال هذه النقطة بالذات، وربما رجوعي إلى فوزي الأربعةَ عشرَ عامًا هو محاولة أو تجربة أو مغامرة أتت في أوانها أو ربما أتت متأخرةً جدًا. يبدو أن الماضي هو ساقية شديدة الانحدار تراها تغمر على الدوام تربة أيامنا التالية. قد تكون الذكريات جميلة وقد تكون مرهقة (كحال ذكريات “اسمي فوزي”…) إنما هذا لا يمنعني على الإطلاق من القول: من المرهق أن يكتشف المرء، وقد بلغ الخمسين، أنه ما زال هناك عند ابن الرابعة عشرة.
السخرية معادل للرفض
(*) تستخدم السخرية في كتبك، وهذا بارز من “بيروت من تحت” و”مذكرات شرطي لبناني” و”أورويل في الضاحية الجنوبية”، هل السخرية في أعمالك أداة لتخفيف قسوة الواقع، أم وسيلة معرفية لكشف تناقضاته؟
قبل جوابي المباشر على هذا السؤال لا بدّ من الإشارة التالية: إنّ السرد السخرويّ الطابع في اللعبة الروائية لا يعني على الإطلاق ذلك المعنى المتداول عاميًّا لكلمة سخرية. إنّ النص السخرويّ كما تقاربه المدارس النقدية هو بجوهره ذلك النص الذي يأبى الخضوع للإجماع الثقافي السائد في هذه البيئة الثقافية أو تلك. إنّ السخرية في هذا الصدد هي المعادل التقريبي للرفض أو لعدم أخذ هذا السائد على محمل الجد. بالنسبة لي، وكما تتجسّد السخرية في بعض أعمالي الروائية – وبالعودة إلى سؤالك – ليست السخرية في هذه الأعمال أداةً لتخفيف قسوة الواقع، فالواقع كما علّمتني التجارب والطلعات والنزلات لن يكفّ عن أن يكون قاسيًا، ونحن عندما نتلمّس لطف هذه اللحظة الواقعية أو تلك نكون في مأمنٍ مؤقّت. إنّ العالم لا يكون لطيفًا إلا عن طريق الصدفة. بالتالي، ربما هذا الأسلوب في مقاربة الوقائع أو الأحداث كما أبثّها في أعمالي هو، كما جاء في سؤالك، أداةً لكشف تناقضات الواقع وما يرزح تحته هذا الواقع من “تفنيص” و”أفلام” و”دواوين” و”فبركات” هي، كما يبدو، جزءٌ أصلي من الحياة. وقد يجد المرء نفسه منقادًا إلى هذه الأساليب إلا إذا كان نبيًّا، ولا وقت في أيامنا للأنبياء. إنها الحياة. إنّ السخرية في عالم السرد الأدبي ليست بالواقعة الفجّة على الإطلاق، بل هي في بعض تجسيداتها النصية بمثابة نفورٍ مما هو سائد، محاولة تأمّل هذا السائد بنظرات اللامبالاة والخفّة ونفض اليدين وصولًا إلى رفع الوسطى ومدّ اللسان. وبكل الأحوال، إنّ العالم، كلّ العالم، مثيرٌ للسخرية إلى حدٍّ لا يُطاق، إلى حدّ القرف والاشمئزاز. بالتالي، فأن أُجاري هذا العالم عبر نصوصٍ ساخرة الطابع هو أمرٌ يبدو أنّه لا مفرّ منه، وهو أمرٌ تارةً يؤسفني وتارةً يسعدني… وبنهاية الأمر أنا أكتب لأكتب سواء أكنت ساخرًا أو حزينًا أو جدّيًا أو كلّ هؤلاء.
(*) في مقال له عن سيرتك الذاتية “مذكّرات شرطي لبناني” يصفك عباس بيضون بـ”الروائي المحترف” ويقول إنه “يمكن لمذكّرات فوزي ذبيان أن تكون تاريخًا جانبيًا ووثيقة تاريخية”؛ كيف تنظر إلى هذا الوصف وأنت تكتب تجربتك الشخصية، إلى أي مدى كنتَ مدركًا بأن الذاكرة الفردية يمكن أن تتحوّل إلى شهادة تاريخية تتقاطع أو تتعارض مع ما يمكن عدّه سردًا رسميًا؟
أسعدتني جدًا إشارة الصديق عباس بيضون هذه عن كتاب “مذكرات شرطي لبناني”، ولا أخفيكِ أنّي مع البدايات الأولى لتأليفي هذا الكتاب كنتُ مستحوذًا بفكرة أن لا تكون هذه المذكّرات مجرّد سيرة ذاتية لشرطيٍّ سابق، إنما أيضًا أن تكون تاريخًا للبنان، وأقول هذا الأمر بلا تحفّظ أو مواربة. من غير قصدي رأيتني منساقًا إلى فكرة “التاريخ من تحت” كما بثّها الفيلسوف الفرنسي جاك لوغوف في رائعته “التاريخ والذاكرة”، الذي نقله للعربية جمال شحيّد ونشره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. فأنتِ وأنا وكلّ مواطن لبناني وصولًا لسائق الفان رقم أربعة يدرك أن لكلّ جماعة في هذا البلد تاريخها الخاص وبطلها الخاص وانتصاراتها الخاصة، وهو غالبًا ما يكون تاريخًا وبطلًا وانتصاراتٍ مقدّسة، حسب المقاسات لدى كلّ جماعة من جماعات لبنان. بالتالي، ارتأيتُ أن تكون مذكّراتي الدركية و”اللبنانية جدًّا” كما قال لي أحد القرّاء الأعزّاء بمثابة الوثيقة التاريخية، إنما الدنيوية جدًّا، الدنيوية إلى حدود الدناسة والغوص في أعمق الأحشاء. واسمحي لي عزيزتي دارين بهذه المناسبة أن أشكر الصحافي طارق أبي سمرا الذي ارتأى في مقالٍ له عن “مذكرات شرطي لبناني” أن تدخل هذه المذكّرات في كلّ المناهج الدراسية في مدارس وجامعات لبنان كي يعرف كلّ لبناني في أي بلد نعيش. إنّ معايشتي للبنان “من جوّا” عبر سلك الدرك وامتدادات هذا السلك في أسلاك أخرى كالبلديات والشؤون الاجتماعية والقضاء بشكلٍ خاص بيّنتْ لي جملةً من الأمور الجوهرية، والتي على أساسها تشكّلتْ هذه الجغرافيا التي تُدعى لبنان – والتي بالمناسبة أعشقها وأرفض العيش خارجها مهما كانت الظروف – فنحن نعيش في بلد “من قريبو” كما جاء في هذا الكتاب، بلد “خرّق ولزّق” أستطيع أن أقول. إنما وبصراحة القول، إنّ الجانب الشخصي في مذكّراتي بالدرك هو محلّ حميمية هائلة بالنسبة لي، وتراني كنتُ في بعض الفصول صريحًا جدًّا أو زيادةً عن اللزوم، ويسعدني جدًّا أن يرى عباس بيضون والكثير جدًّا ممّن قرأوا هذه المذكّرات تاريخًا آخر للبنان، إذ ليس من يسير الأمور أن تتحوّل التجربة الشخصية إلى واقعة يمكن على ضوئها قراءة تاريخ بلدٍ من البلدان مثل لبنان. وسأهمس لكِ يا دارين بسرّ: الكثير جدًّا من المقاطع الشخصية في “مذكرات شرطي لبناني” قد واكبها البكاء…
(*) تكتب في “مذكرات شرطي لبناني”: “في أرجاء ثكنة صور تعلمت الدرس الأول في اللاعدالة في هذه الحياة”، هل شكّلت تلك المرحلة البوصلة الأخلاقية التي حكمت نظرتك لاحقًا إلى السلطة والدولة وثورة تشرين؟
انتسبتُ لمؤسسة قوى الأمن الداخلي (الدرك) لما كنتُ في الثامنة عشرة من العمر أو أكثر بقليل، وكان قلبي مفعمًا آنذاك بتلك التصوّرات السوبّر مثالية عن الوطن والانتماء وكلمات النشيد الوطني اللبناني. إنما، ومع كرّ الأيام ودكربتها فوق رأسي وقلبي وروحي، رحتُ أعي أن هذه المثالية هي ضربٌ من السذاجة بل والهبل، وهي ليست في محلّها على الإطلاق؛ ذلك أن الروحية التي تحكم مؤسسة قوى الأمن فاقت تصوّراتي، وأتكلّم تحديدًا عن “الوسايط” و”زبّطلي لزبّطلك” وغيرها من المفردات التي يعجّ بها معجم المواطن اللبناني في يومياته الهشّة. ومن النافل أن العلّة ليست في هذه المؤسسة بحدّ ذاتها، فهذه المؤسسة شأن كلّ المؤسسات في لبنان تخضع أقله منذ بداية التسعينيات لمجموعة من السياسيين هم بغالبيتهم العظمى مجموعة من البلطجية والمصلحجية والسفلة ورجال الميليشيات، ولا بدّ من ثمّ أن تنعكس عقلية هؤلاء على سير مؤسسة الدرك وكلّ مؤسسات الدولة في لبنان.
أمّا فيما يتعلّق بثورة 17 تشرين، فأنا كنتُ من المياومين في ساحاتها بدفعٍ من صديقي الأقرب باسل صالح، الذي في التالي من أيام الثورة صرتُ أزايد عليه في الصراخ والتصدّي للقنابل المسيلة للدموع التي يرميها علينا زملائي السابقون (الدرك)… وطبعًا كنتُ لدى اندلاعها قد تقاعدتُ من سلك الدرك. إنما صدّقيني، ولا مرّة ساقتني الظنون إلى فكرة أننا سنتخلّص من المجموعات الحاكمة في لبنان. كانت تجربتي في 17 تشرين محض تجربة شخصية، وهي من أمتع التجارب التي خضتها في حياتي، لكن كلّ التصوّرات المثالية عن إمكان الوطن والعدالة والرخاء في لبنان لطالما كانت محلّ تساؤل دائم في ذهني، والأمر بجوهره – كما أتمثّله أنا على الأقل – يعود إلى فكرة مفادها أن المواطن اللبناني، وفضلًا عن جيناته البيولوجية، تراه أيضًا مؤسَّسًا جينيًا على الارتباط بزعيم طائفته. وهي جينات سيكولوجية حبّذا لو كان منها فكاك.
وبالعودة إلى 17 تشرين وإلى الشعار الرئيسي في هذه الثورة، “كلّن يعني كلّن”، فأنا أعتقد، بل أنا على يقين، أن هذا الشعار كان يستبطن لدى الكثيرين ممّن كانوا يردّدونه في الساحات التكملة التالية: “إلا زعيمي”… “كلّن يعني كلّن، إلا زعيمي”!!! حسنًا، هذا لبنان. وشخصيًا، كلّ ما أقوم به هو لتزجية الوقت إلى أن أموت بـ17 تشرين أو بلاها، وأشكر القدر أنه قد هيّأني لعشق القراءة والكتابة. فهذا الأمر مسلّ إلى أقصى الحدود.
(*) تتحدث في “بيروت من تحت” عن شاعر “الخسة” وعن الشاعر “الذي يريد أن يكون شاعرًا في كل مكان، ونحن السمّيعة المساكين علينا أن نتحمل هذا الأمر”، والشاعرة التي نصحتها “أن تنتحر”، إلى أيّ حدّ ترى أن هذا السيلان الشعري الذي نعيش فيه ويعيش حولنا، حيث الصوت أعلى من المعنى، يولّد مشاعر عدائية أو إحباطية داخل الوسط الثقافي، ويفرز بالضرورة هذا القدر من النفور؟
لا أخفي أن اللعبة السردية في رواية “بيروت من تحت” تحكمها الفظاظة إلى حدٍّ كبير. نعم، إن الشارع يفور بكمٍّ هائل من الشعراء، ولا بأس في ذلك، فلكلّ امرئٍ في هذا العالم ملءُ الحرية في أن يعبّر عن نفسه بالطريقة التي يشاء. إنما كمتلقٍّ لهذه الأعمال لي أيضًا ملءُ الحرية في مقاربتي لها كما أشاء، وهو ما ينطبق على مقاربة الآخرين لكتاباتي. أمّا بخصوص تلك الشاعرة التي نصحتها بكلّ فظاظة في “بيروت من تحت” بالانتحار، فإنّ الأمر بعد نشر الكتاب أثار فيّ مشاعر السخط على الذات وقضم أظافري من آنٍ لآخر، إلى أن قرأتُ عبارة للهائل خورخي لويس بورخيس عن لوركا يشيد فيها بأن لوركا قد قُتل، إذ فعل قتل الشعراء يزيد من قيمة قصائدهم وصولًا لدعوتهم إلى الانتحار. وكم كان بورخيس – وهو أيضًا شاعر – رائعًا في هذا القول لأنه خفّف من وقع دعوتي لتلك الشاعرة إلى الانتحار، وتراني صرتُ أحبه كثيرًا.
ربما النفور بجوهره لا يكمن في أن يكون الشارع محلّ ازدحامٍ بالشعراء، إنما هذا النفور يكمن في ذلك السعي المضني للمكانة والفوز بكمٍّ هائل من التصفيق واللايكات (سحقًا لوسائل التواصل الاجتماعي، بالمناسبة). للأميركية جوديت بتلر نصٌّ رائع حول فجاجة السعي إلى المكانة من قبل الكتّاب والفنانين، وما يستبطنه هذا السعي من إهانة للذات. ولن أتوسّع في ما قالته بتلر أكثر، فالنص موجود في كتابها “الذات تصف نفسها” الصادر عن دار التنوير بترجمة فلاح رحيم. أنا لا أستوعب ولا أستسيغ أن يكون الفنان محلّ استقتالٍ هائل للمكانة، آخذًا بعين الاعتبار أن الوظيفة الأولى للفن (الكتابة ضمنًا) هي الأخذ بالثأر من كلّ ما هو سائد بصرف النظر عن طريقة التعبير، سواء أكانت هذه الطريقة فجّة أو مواربة، ضاجّة أو مهسهسة، تقوم على العضّ أو الربت فوق الأكتاف. فالمكانة إمّا أن تفرض نفسها أو “بلا ما تكون”. على كلّ حال ربما، ومن باب الرأفة بالبعض، يجب الوقوف مليًّا عند السرديات الشخصية – على طريقة بول ريكور – للكتّاب والشعراء والفنانين وتأرجحهم بالتالي بين الضيعة والمدينة… بين ساحة القرية وشارع الحمرا…. بين الأنا والآخرين… شخصيًا، الكتابة ساقتني إلى جمالية العبارة التالية: “سحقًا للآخرين”.
من أين للراوي أن يكبح جماح خياله؟
(*) تحمل “بيروت من تحت” نقدًا عميقًا بأسلوب ساخر؛ يكتب الشاعر سلمان زين الدين عنها: “انزلاق ‘أهل القمة‘ من المثقفين إلى درك القاع لا يبرره سوى رداءة الزمن، وانقلاب سلم القيم وتغير الأحوال، ما يجعل بيروت من فوق هي نفسها بيروت من تحت”. هل حاولت في هذا العمل تشخيص حالة مثقفي بيروت؟
لم يكن في نيتي الحط من شأن أحد أثناء انكبابي على رواية “بيروت من تحت”. أصلًا الرواية لا تتضمن الحد الأدنى من هذه الثيمة التي أرفضها بالمطلق، الحط من شأن الآخرين. إلا أن ثمة ما يداخل اللعبة السردية في الكثير من الأحيان على غفلة من المؤلف وذلك عطفًا على تصورات ربما هي في غير محلها أو هي أخبار متداولة عن هذا الكاتب المكرّس أو ذاك، وبنهاية الأمر فإن “بيروت من تحت” هي رواية؛ فمن أين للراوي أن يكبح جماح خياله حيث ذلك التداخل والانصهار بين الواقعي والخيالي، بين الحقيقة ورموزها المغيبة وأيضًا بين الكلمات ومسكوتاتها؟!!
من الممتع في هذا الصدد – وهي متعة لم تكن محل توقع بالمرة – أني كنت محل مقاطعة من قبل البعض بعد نشر “بيروت من تحت” على الرغم من أن مقاطعتهم كانت تنمّ عن الكثير من الغباء. الرواية بعمقها هي نوع من “التنقير” على شعراء شارع الحمرا منذ “مجلة شعر” إلى اليوم (ما الشعرا كمان بنقرو ع بعض). ومع هذا ثمة شاعر من أركان هذا الشارع لم يتوان عن كتابة مقالة رائعة عن هذا الكتاب، بل إنه قال لي أن هذا العمل هو شعري بامتياز، أتكلم عن الشاعر العزيز عباس بيضون الذي عبر مقالته أضاف للرواية الكثير. إن خلفية هذا العمل لا علاقة لها البتة بانزلاق هؤلاء أو أولئك فالأمر لا يعنيني البتة. أكثر ما يعنيني في “بيروت من تحت” هو ذلك الروائي العجوز، ذلك السارد الحزين. وبالمناسبة، حبذا لو يقرأ من انتقد ما جاء في “بيروت من تحت” مذكرات بابلو نيرودا وكلامه عن تلك الأجواء السائدة في البيئة الثقافية في بلاده حيث لم يترك نيرودا في هذه المذكرات “ستر مغطّى” لجهة “التنفيعيات والعربشة واللتلتة” وإلى آخر ما يشكّل الأجواء السرية في كل مجتمعات الثقافة في العالم أجمع… نحن بشر بالآخر!!
(*) تُنهي “بيروت من تحت” بعبارة “بصلافة وازدراء وكل يوم كان العالم من حولي يعمد إلى طردي لست أدري إلى أين. آمل عندما أقرر الرحيل أن يستقبلني العالم الآخر بالكثير من الطمأنينة والحنان والهدوء والحب”، هل هو موقف وجودي ونوع من الشعور بالقطيعة مع العالم، يأخذك إلى نظرة مختلفة نحو الموت؟
نعم، أنا على يقين تام أن العالم يعمل على طردي وأنا طبعًا من يتحمّل مسؤولية هذا الأمر. لطالما حسبت نفسي كائنًا في طور الانقراض والأمر يتعزّز أكثر وأكثر في ذهني بالأخص مع الذكاء الاصطناعي حيث المسافة بين الحقيقة والوهم آخذة بالذوبان، وهو بصراحة ما لا أستطيع مجاراته على الإطلاق. العالم يتحول إلى واقعة شيزوفرانية بامتياز والبشر يَخْوَتون. كان الأمر منذ سنوات يشغلني أما الآن فأنا لا أبالي البتة، ربما هو نوع من الاستسلام. لقد ولّف ذهني لي أن الموت هو أمر بغاية الروعة، هو الصياغة الأمثل للحياة. فالحياة هبطتْ عن أن تكون واقعة التباسية بالمعنى الجميل لكلمة “التباس”.
لقد كفّ هذا العالم عن أن يثير السؤال أو الحيرة أو التفكير. إن العالم هو في حدّه الأعلى ضرب مقزز من الملل والحياة مجرد واقعة لهاثية على الدوام. كل ما في العالم يعمل لحشري في أفق من المعنى خالي الوفاض وربما هي حال الملايين في هذا الكوكب المروكب عن بكرة أبيه. ليس من يسر الأمور أن تتلبس المرء فكرة أن لا قيمة لشيء في هذا العالم على الإطلاق. كل ما نقوم به هو بداعي الملل أو الحاجة وليس بداعي الرغبة الرائعة، أي تلك الرغبة المنزّهة عن الغرض إلا غرض المتعة الذاتية فقط كرغبة القط في أن يلعب بذنبه على سبيل المثال… نحن بحاجة إلى طفرة بيولوجية هائلة لنرتقي إلى عالم القطط على كل حال.
لست أدري إذا ما كانت فكرتي واضحة إنما دعيني أوضّح الصورة عبر المجاز التالي: نحن البشر مجرد أوشام فوق جسد حياة انتهت وتلك الحياة المقبلة لم تتهيّأ ظروفها بعد… نحن أوشام فوق جثة الحياة وآمل عندما أقرر الرحيل أن يستقبلني العالم الآخر بالكثير من الطمأنينة والهدوء والرواق. ولن أعتذر بسبب ما يعتور هذا الكلام من تشاؤم إذ لا علاقة للتشاؤم بهذا الكلام. إنه واقع الحال… إنها ما يسمى بالحياة في عالم اليوم. ربما كل ما نقوم به من لهاث وركض وكتابة ونشر وقراءة هو مجرد استذكار رمزي للخلاص، لخلاص ما. لكن، ما هو الخلاص بحق؟!! لا أحد يدري. ربما الجواب يكمن هناك في تلك الضفة الأخرى التي أترقّب انتقالي إليها بما أمكنني من خفة وسكون.
(*) من إصدارك الأول “إكميل” (2005)، الذي يمتزج فيه التأمل الفلسفي بسوء التفاهم بين الكاتب والعالم، وحتى اليوم، هل تغيّرت كتابتك أم أن سوء التفاهم مع العالم هو المحرّك الأساسي فيما يتبدّل الأسلوب فقط؟
فيما يتعلّق بالأسلوب تحديدًا، أنا من جماعة رولان بارت حيث الأسلوب بحدّ ذاته – فضلًا عن كونه طريقة معينة في إنشاء النص وتركيبه- هو أيضًا طريقة خاصة في إدراك العالم من قبل هذا الكاتب أو ذاك. تكلمنا منذ قليل عن النص السخروي الذي يميّز رواية “بيروت من تحت”، إن الأسلوب الذي صاغ بيروت هذه هو عينه أداة إدراكية لهذه البيروت في تلك الفترة من حياتي. أما في “القبلة الأبدية” مثلًا أو في “خيبة يوسف” فأسلوبي كما أخبرني الكثير من القراء يستجلب الكثير من الدمع والحزن. فالأسلوب الذي يصاغ به العمل الكتابي هو أداة إدراك العالم إبان الانكباب على هذا العمل وهو ما عايشته حسيًا كروائي.
أما فيما يتعلق بالجزء الأول من سؤالك فأنا أرى أن سوء التفاهم بين الكاتب والعالم، بدءًا من المحيط القريب وصولًا إلى آخر أصقاع الأرض، هو ما يجب أن يشكّل المحفّز الأول للسرد. إن النصوص الروائية (والنصوص بالإجمال) التي تلبي شرط الحاضر أو شرط تشكّل العالم أو البلدان في لحظة من اللحظات هي في طابعها الأعم أقرب إلى المانيفستو الأيديولوجي، أقرب إلى إبرام اتفاق نصّي مع هذه العقيدة السياسية أو الاجتماعية والقوى المسيطرة، قوى السلطة نستطيع أن نقول. وهي، كما أرى أنا إلى الأمور، رفاهية في غير مكانها أو نوع من البرج عاجية التي تقوم على غوغائية متشاوفة وهو ما لمست بعضه لدى بعض أكاديميي ثورة 17 تشرين من الذين كانوا يحرصون على عدم التعرض للغاز المسيّل للدموع مثلًا، ولكنهم لم يكفوا عن التنظير الأخرق إنما اللمّاع!!
إن شرط الكتابة الأول عندي هو التوتّر، هو أن لا أكون في حالة انسجام لا مع العالم ولا مع الذات في الكثير من الأحيان وربما “الأخير” في رواية “الإرهابي الأخير” هو أبرز تجسيد لهذه الحال. أما “إكميل”، حبيبي إكميل، فهو رفيقي المخترع عندما كنتُ بين الحادية عشرة والسادسة عشرة من العمر. اخترتُ أن أطلق اسمه على أول أعمالي الروائية تكريمًا له من قبلي. أراه الآن ما زال بين الحادية عشرة والسادسة عشرة، بينما أنا تجاوزت الخمسين بقليل، ومع ذلك لا يكفّ عن التلويح لي من آنٍ لآخر.
(*) معرفتي بك تعود إلى ما قبل إصدارك الأول، يومها أخبرتني عن رواية تكتبها بعنوان “فاطمة الخضراء”، ما الذي يؤخّر كاتب ما عن نشر عمل له، هل التطور الأدبي الذي يعيشه الروائي؟ أم أنها تصبح حية بشكل أو بآخر في أعماله التي تصدر لاحقًا؟
أولًا، من دواعي سروري أن صداقتنا تعود إلى سنوات وسنوات.
لكل كاتب أسبابه حيال تلك العلاقة المركبة بين إكمال هذا العمل أو ذاك أو عدم إكماله. لا أظنّ أن ثمة قاعدة عامة تحكم هذا الأمر. بالواقع، إن رواية “عن فاطمة الخضراء” أُنجزتْ في عام 2007 ووقّعتُ عقد نشرها مع دار الساقي آنذاك إنما الأحباء في الساقي عادوا وقرروا عدم النشر وتم إلغاء العقد. طبعًا ألمّت بي نوبة من الغضب على دار الساقي إنما مع توالي الأيام والسنين ولدى عودتي إلى “عن فاطمة الخضراء” شكرت حسن الحظ الذي ساق الأمور لأن لا تُنشر “عن فاطمة الخضراء” في نسختها تلك، ذلك أن نقاط الضعف التي داخلت الرواية كانت كثيرة. إنما ومنذ ما يقارب العام عدت إلى “عن فاطمة الخضراء” لأكون أمام رواية أخرى بعد جمّ التعديلات التي قد أجريتها عليها وهي الآن جاهزة للنشر وأغلب الظن أني سأنشرها في دار الجمل. اقتصر موضوع الرواية على فتاة تدعى فاطمة تسرد مذكراتها في مدرسة البتول التابعة لحزب الله في الحقبة الممتدة من منتصف الثمانينيات حتى البدايات الأولى للتسعينيات. ربما تجاربي الكتابية اللاحقة أسعفتني في هذا السياق فضلًا عن جمّ القراءات في الرواية وفي النقد الأدبي. كلها أمور ساقتني إلى الاعتراف لنفسي بالدرجة الأولى أن دار الساقي كانت على حق عندما ألغت عقد نشر “عن فاطمة الخضراء” بنسخة عام 2007. لست أدري كيف سيكون وقع هذا العمل على القراء وبشكل خاص على صديقات فاطمة المذكورات بكثرة في الرواية وأنت منهم يا دارين بطبيعة الحال. هو عمل بمنتهى الجرأة أستطيع القول ويبيّن بشدة تلك الكارثة التي ابتلى فيها المجتمع الشيعي في لبنان منذ الثمانينيات والتي تسمى حزب الله.
(*) في مقال لك في “المدن” بعنوان “اللا مُنتمي: حين جالسَنا كولن ولسون في مقاهي الحمرا” تقول “ليس من الضرورة بمكان، كما أشار علينا “اللامنتمي” أن نتبنى بإطلاق هذه العبارة أو تلك، أو أن ننبذ بإطلاق هذا القول أو ذاك، أو أن نتأدلج كالمساطيل بهذه العقيدة أو تلك. ما من داع للتشّبث بشيء، ما من سبب يدعونا لأن نكون رهن مزاج هذا الكاتب – مهما عظم شأنه – أو ذاك”، وتضيف أن هذا هو الشرط الأول والأخير للانتماء. هذا الفهم للانتماء هل هو ردّ على زمن الأدلجة والاستقطاب، أم موقف وجودي ثابت لا يتغيّر بتغيّر السياقات؟
يقول مارسيل غوشيه، في واحد من كتبه، إن الانتماء فخ، وهو قول مصيب إلى حدّ كبير. إن الانتماء في حدّه الأول والأخير هو عبارة عن استغراق مضن في شبكة من الولاءات والعلاقات والآراء والمواقف التي تراها تلزم الإنسان بما يشبه التماهي مع الحائط. إن الإفراط في الانتماء هو بمثابة الجدار وذلك بصرف النظر عما يخالط هذا الجدار من عبارات وسرديات وبطولات وصور وأشكال وألوان.
الإفراط في الانتماء، فضلًا عن كونه فخًّا، هو أيضًا جدار. أصلًا، إن الاستقطاب في فكرة بعينها أو في عقيدة بعينها هو بالعنوان العريض اعتراف موارب بالمحدودية الذهنية لدى أهل الاستقطاب هؤلاء بصرف النظر عن مسوغات هذا الاستقطاب أو مآلاته. إن الخروج من كل انتماء هو – واسمحي لي بهذا السياق أن أستعير أمبرتو إيكو – هو بمثابة التعضيد النصي Textual cooperative لما نختزن نحن كأفراد من أفكار ومفاهيم خاصة بنا إلى أقصى الحدود… لا للحشود الباهتة في هذا المحل. إن الخضوع إلى الشيفرات الثقافية أو الأيديولوجية أو الدينية أو الاجتماعية المتوارية أو المترسبة هو سجن للذات ولما يعتمل داخل هذه الذات من رغبة بالحرية والفلتان وعدم الانصياع والتبرؤ من عفونة المجموعات. فآلية التحكّم التي يسوقها الانشداد لهذه العقيدة أو تلك هي بمثابة نسف يومي لكلمات معجمنا الخاص، لكلماتنا التي نعشق ونستلذ والتي قد لا تروق الجماعة أو القبيلة أو العشيرة.
إن نبذ الانتماء هو تشييد كلماتنا الخاصة بالطريقة التي نشاء. تصوري يا دارين أن يكون هناك من يراقب كلمات قصائدك؟!! من أنت حينئذ؟؟ أصلًا، حتى على مستوى القراءة، قراءة الرواية أو الشعر أو الفلسفة بشكل خاص فأنا أقرب إلى تلك النصوص التي تجافي مجمل تصوراتي عن العالم. قد يشاكسني هذا النص أو ذاك وقد يحدجني بنظراته الحادة لكنه بنفس الوقت يحررني وربما يقودني لأن أتلقف الحياة بخفة أكثر وبحرية أعمق وبصمت ربما أو بكثرة كلام. في نهاية الأمر، إن اللاانتماء يسوقني كروائي لأن أكون على الدوم مجرد مجاز لحقيقة حتى أنا لا أعرفها وربما لن أعرفها بيوم. ولا بأس بهذا الأمر، فلنفلت على هوانا وكفى…
ضفة ثالثة