[بمناسبة تكريم المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي]
من لطيف المصادفات أن أجدني، مرة أخرى، ضمن أجواء إحدى محطات سلسلة “فكر واعتراف”، التي دأبت شعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط على تنظيمها. وفي هذه الدورة الجديدة، احتضنت الكلية، بتاريخ 8 نيسان/ أبريل 2026، ندوة تكريمية احتفاءً بالمفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، نُسِّقت هذه المرة بشراكة مع منشورات دار المتوسط بميلانو، تحت عنوان “نحو نقد مغاير”.
وقد جاءت هذه الندوة الوطنية لتكون فضاءً للاحتفاء بالفكر الفلسفي في المغرب، ولإعادة الالتفات إلى أبرز الإشكاليات والقضايا التي شغلت اهتمام مفكرين وأساتذة مغاربة، ممن ارتبط مسارهم العلمي والتدريسي بشعبة الفلسفة. كما شكّلت، في الآن ذاته، لحظة اعتراف مستحقة بما راكمه عبد السلام بنعبد العالي من إسهامات وازنة في مجالات الفكر والثقافة والفلسفة، وهو ما أكدته ورقة الندوة في تقديمها وأهدافها.
كانت لحظات تكريم بنعبد العالي بـ”مدرج الشريف الإدريسي” التاريخي نادرة، حيث بدا جليًّا أنه لم يكن مجرد احتفاء باسم مفكر ومترجم لامع ومؤثر، بل إنه احتفاء إنساني ورمزي، جعلنا، نحن الحضور، نعيش لحظات امتحان للفكر ذاته، ضمن سؤال جوهري، يمكن استخلاصه من فعاليات حفل التكريم هذا، كالتالي: كيف نكرّم من جعل من مساءلة اليقين طريقًا، ومن خلخلة البداهة أفقًا؟ كيف نكتب عن مفكر اختار أن يقيم في المسافة، وأن ينصت للفجوات أكثر مما يطمئن إلى الامتلاء؟
هكذا يجيء تكريم بنعبد العالي، لا باعتباره لحظة احتفاء عابرة، بل بوصفه وقفة تأمل عند تجربة فكرية شقّت دروبها خارج المسالك المألوفة، وراكمت أثرها بهدوء العارف بوعورة السؤال، ومناسبة لإعادة قراءة المشروع الفلسفي لبنعبد العالي، وفتح فضاء للنقاش حول قضايا النقد والترجمة وتجديد الفكر الفلسفي، كما يأتي هذا التكريم في إطار دينامية شعبة الفلسفة بالكلية التي قامت في دورات سابقة بتكريم أسماء فكرية مغربية وازنة: محمد نور الدين أفاية، وعلي أومليل، وكمال عبد اللطيف.
ولا بد، في هذا السياق، والمناسبة شرط، من التنويه بهذه البادرة الطيبة التي أقدمت عليها شعبة الفلسفة، بما هي مبادرة تتجاوز طابعها التنظيمي لتغدو موقفًا ثقافيًا ومعرفيًا بامتياز. فحين تختار المؤسسة الجامعية أن تكرّم أحد أعلامها، فإنها لا تلتفت إلى الماضي بقدر ما تعيد تأكيد التزامها بدورها في صون الذاكرة الفكرية، وفي وصل الأجيال بأسئلتها الكبرى.
من هنا، فهذا التكريم المستحق الذي خُصَّ به عبد السلام بنعبد العالي، يكشف عن وعي عميق بأهمية الاعتراف داخل الحقل الأكاديمي، ليس بوصفه واجبًا أو مجاملة رمزية، بل باعتباره فعلًا من أفعال العدالة المعرفية، يُنصف مسارًا فكريًا واسعًا، اختار أن يشتغل في صمت نسبي وفي تواضع فكري، وأن يراكم أثره بعيدًا عن الضجيج وصخب الادعاء.
كما تعكس هذه المبادرة حرص شعبة الفلسفة على ترسيخ تقليد ثقافي راقٍ، قوامه الاحتفاء بالفكر الحي، وإتاحة فضاءات للحوار حوله، فقد جعلنا هذا التكريم نحس بانتقالنا من لحظة احتفالية إلى فعل تربوي وثقافي، يعيد الاعتبار لقيمة الفلسفة في زمن تتسارع فيه التحولات، وتضيق فيه مساحات التأمل الفلسفي والفكري في المغرب والعالم العربي، وخاصة بعد رحيل مجموعة من الفلاسفة والمفكرين المؤسسين للدرس الفلسفي في الجامعة العربية.
وإذا كان هذا التكريم قد التأم في رحاب الجامعة التي قدّم لها بنعبد العالي ولطلابها الكثير من جهده وفكره ومعارفه وعمره، على مدى فترات زمنية مهمة من التدريس والعطاء الفكري والترجمي والإشراف على البحوث الجامعية، حيث برز اسمه بوصفه أحد الأصوات الفكرية التي أسهمت بعمق في تجديد الدرس الفلسفي في المغرب وتحرير ممارساته من الجمود الأكاديمي، فلم يكن حضوره داخل المدرج الجامعي مجرد نقل للمعرفة، بل كان فعلًا حواريًا حيًّا، يوقظ في الطلبة روح السؤال ويحرّضهم على التفكير النقدي، بما يجعل الفلسفة تجربة معيشة لا مادة دراسية فحسب. كما ساهم بنعبد العالي، عبر إشرافه العلمي وتكوينه لأجيال من الباحثين والفلاسفة الجدد، في ترسيخ تقاليد بحثية رصينة تجمع بين الصرامة المنهجية والانفتاح على الأسئلة الراهنة، فظل وفيًّا لفكرة الجامعة باعتبارها فضاءً للحرية الفكرية، ففيها تتقاطع المعارف وتتفاعل، بعيدًا عن الانغلاق أو التلقين، ما جعل أثره يتجاوز جدران الجامعة ليغدو جزءًا من المشهد الثقافي المغربي الأوسع.
فضلًا عن ذلك، فإن صدور كتاب جماعي بهذه المناسبة، بعنوان: “عبد السلام بنعبد العالي: دروب وفجوات”، وهو الكتاب الرابع من نوعه ضمن سلسلة الكتب الاحتفائية، والذي صدر في 570 صفحة عن شعبة الفلسفة بتعاون مثمر مع منشورات دار المتوسط بميلانو، هو إجراء يمنح التكريم امتدادًا احتفائيًا خاصًا، ويجعل من الاعتراف بالفعل الفكري ممارسة للقراءة من جديد، فهو كتاب لا يكتفي باستعادة المسار الفكري فقط لبنعبد العالي، بقدر ما ينخرط في محاورة مشروعٍ فكري ظل ممتدًا ومقاومًا، على الدوام، للاختزال ومؤجّلًا للاكتمال. إنه كتاب يشي، منذ عنوانه، بأننا إزاء فكر لا يُختصر في “دروب” مرسومة سلفًا، ولا يُستنفد في “فجوات” يُراد لها أن تُردم، بل يتغذى من هذا التوتر الخلّاق بين السير والتعثر، بين القول والصمت، بين ما يُكتب وما ينفلت من الكتابة.
وما يضفي على هذا العمل التكريمي – الذي أسهم فيه ثلة من الباحثين والمفكرين المغاربة، وفي مقدمتهم الباحث والأديب وصديق المحتفى به عبد الفتاح كيليطو- قيمته النوعية وفرادته، كونه لا ينزع إلى فرض قراءة أحادية مغلقة، بل يفتح أفقه على تعدد المقاربات التأويلية، وتنوع الدراسات التحليلية، وتجاور النصوص والمنتخبات والإضاءات، في استقصاء لأبرز الأسئلة التي انتظمت مدار تفكير بنعبد العالي وانشغاله الكتابي.
كما يضم الكتاب شهادات تستحضر الأثر الإنساني والفكري للمحتفى به، إلى جانب نص له، وحوار معه، وورقة تعريفية شاملة بأعماله وترجماته، بما يجعل منه فسيفساء فكرية نابضة، أو مرآة متعددة الوجوه تعكس ثراء المشروع واتساعه بدل اختزاله أو تسويته.
ولعل هذا الغنى والتنوع هو ما أفضى إلى صدور الكتاب في حلّة أنيقة من القطع المتوسط، وبحجم وافر لافت، أثار دهشة المحتفى به نفسه لحظة تسلمه نسخته، متوقفًا عند كثافة صفحاته، وذلك قبل أن يتقدم لإلقاء كلمة عميقة ودالة في هذه المناسبة، والتي وسمها بعنوان دال: “نحو نقد مغاير”، متحدثًا فيها عن مسألة البلاهة اليوم، والتي ليست مسألة صواب وخطأ، كما أنها لم تعد قضية جهل ومعرفة. صحيح أنها، يضيف بنعبد العالي، تتعلق بـ”اللافكر” الذي يحسب نفسه فكرًا، غير أن هذا اللافكر لم يعد هو الخطأ الذي يكفي لمقاومته أن يعبّد الفكر الطريق، ويضع “المنهج” ويسن “قواعد لتوجيه العقل” كما فعل ديكارت، كما أن الأمر لم يعد يتعلق، في نظره، بمجرد توظيف للعقل في غير محله، وتخطٍّ للحدود التي ينبغي أن يحترمها، بحيث يكفي لتقويمه إقامة نقد يحدد مجال “الاستخدام المشروع للعقل” كما فعل كانط، وربما لم يعد أيضًا حتى ما وُسم بالرأي الأيديولوجي والوعي المغلوط الذي يكفي فضحه وتفنيده كما نادى ماركس. وإن كان لا بد لنا من أن نربط الفلسفة بالنقد، على غرار ما لا ننفك نردده، يضيف بنعبد العالي في كلمته، فربما ينبغي أن يُفهم ذلك بعيدًا عن كل هذه الأشكال من النقد التي أشار إليها.
ولكي تتمكّن الفلسفة من مقاومة النماذج الثقافية التقليدية، والانفصال عن الرؤى التي تسعى لأن تكلّس الماضي عندما تسجنه داخل قوالب جاهزة، وتحنّطه بفعل تأويلات نهائية منغلقة على ذاتها، فلن يكفيها، حسب بنعبد العالي، نقدٌ يحارب الأخطاء، ولا نقدٌ يرسم حدود الصلاحية، ولا حتى ذاك الذي يفضح أوهام الأيديولوجية، وإنما عليها أن تتعقّب الفكر الجاهز.
فربما لم نعد اليوم، في نظره، ضحايا أخطاء المعرفة، وأوهام “العقل الخالص” أو أوهام الأيديولوجية، بقدر ما أصبحنا ضحايا عماءٍ نظري يحجب عنّا ما يحيط بنا. لذا يبدو أننا، لو أردنا أن نحتفظ للفلسفة بروحها النقدية، فربما سيكون علينا أن نبدع مفهومًا مغايرًا للنقد ملائمًا لهذه الوضعية.
وقبل اختتام الجلسة الافتتاحية لهذا اللقاء، تم إهداء المحتفى به النسخة الأولى من كتاب الاحتفاء “عبد السلام بنعبد العالي: دروب وفجوات” المُنجَز على شرفه، في لحظة رمزية دافئة تجسّد روح التقدير والاعتراف. وهو الإصدار الجماعي الذي يأتي في سياق تقليد جميل دأبت شعبة الفلسفة على ترسيخه، حرصًا منها على تنويع صيغ الاحتفاء بأعلام الفكر والفلسفة في الجامعة المغربية، وعلى تخليد هذه اللقاءات العلمية المتميزة في كتب جماعية مرجعية، تحفظ أثرها وتُبقي وهجها ممتدًا في الذاكرة الأكاديمية المغربية والعربية ككل.
وضع المفكر المغربي كمال عبد اللطيف مقدمةً مركّزةً وشاملةً لهذا الكتاب الاحتفائي، وتعد من النصوص المفاتيح في هذا العمل، لأنها لا تكتفي بالتقديم فقط، بل تؤسس أفق القراءة كله، وتفسّر عنوان الكتاب بذكاء، من حيث إن الدروب تشكّل مسارات الفكر، وتنقلاته، وتحولاته، في حين تمثل الفجوات، تلك الانقطاعات، والأسئلة المفتوحة، ومناطق الصمت، وبذلك، فالعنوان لا يصف فكر بنعبد العالي فقط، بل يحاكي طريقته في التفكير.
هكذا، يقدم كمال في مقدمته للكتاب صورةً مركبةً وغنيةً لمسار بنعبد العالي، بوصفه مفكرًا اختار منذ بداياته أن يخرج بالكتابة الفلسفية من قوالبها الأكاديمية المألوفة، متجهًا نحو شكل مغاير قوامه المقالة القصيرة والشذرة المكثفة، حيث تتحول الكتابة إلى فضاء للتفكير الحي لا إلى مجرد عرضٍ منظم للأفكار. فبدل الانخراط في بناء نسق فلسفي مغلق، آثر بنعبد العالي الاشتغال على نصوص مفتوحة، موجزة، تلتقط الأسئلة في تدفّقها، وتواكب تحولات الواقع في تناقضاته وتشابكاته.
من هنا، يندرج هذا الاختيار ضمن أفق فكري يستند إلى مرجعيات متعددة، استثمر فيها بنعبد العالي، من منظور كمال عبد اللطيف، مفاهيم وأدوات مستمدة من أعمال فريدريش نيتشه وكارل ماركس ورولان بارت وميشيل فوكو وجيل دولوز وجان بودريار، بدون أن يكون أسيرًا لها، بل موظفًا إياها في بناء رؤية خاصة تسعى إلى توسيع مجال التفكير وتحريره من قيوده التقليدية، ليتجه إلى مساءلة اليومي، ومقاربة أسئلة الواقع في تنوعها، مستهدفًا تفكيك البداهات السائدة وخلخلة اليقينيات والأحكام الجاهزة التي تهيمن على الثقافة والمجتمع.
وتبرز في هذا المسار، حسب كمال، نزعة نقدية واضحة، تجعل من الفلسفة أداةً لمواجهة أنماط الفكر المحافظ، ولرصد ما يسميه بالبلاهة التي انتشرت في الفضاءات الرقمية ووسائط التواصل، حيث تتحول المعارف إلى أشكال من الضجيج الخالي من المعنى. وفي هذا السياق، تتخذ كتاباته طابع المعركة الفكرية المستمرة، لا بهدف الحسم، بل بغرض الإزاحة التدريجية للأفكار السائدة عبر ضربات خفيفة ومتكررة.
وقد تأثر بنعبد العالي في مساره المعرفي، حسب عبد اللطيف، بلقاء حاسم مع عبد الكبير الخطيبي، الذي مثّل نموذجًا للعبور بين التخصصات والانفتاح على مجالات متعددة، وهو ما انعكس في اختياراته الفكرية التي تتجاوز الحدود التقليدية بين الفلسفة والأدب والسوسيولوجيا والفن. كما لعبت الترجمة دورًا مركزيًا في مشروع المحتفى به؛ إذ لم تكن مجرد نقل للنصوص، بل ممارسة فكرية وإبداعية قائمة بذاتها، أتاحت له مساءلة العلاقة بين اللغة والمعنى، وبين الفكر وسياقاته التاريخية، وهو ما تجسد في أعماله النظرية حول الترجمة.
وعلى مستوى الأسلوب، تتخذ كتابة بنعبد العالي، حسب تقديم كمال عبد اللطيف، طابعًا جماليًا خاصًا، يتقاطع فيه التفكير الفلسفي مع الحس الأدبي والموسيقي، متأثرًا خصوصًا بأعمال رولان بارت، حيث تصبح الكتابة لعبًا بالإيقاع والدلالة، وتغدو النصوص أقرب إلى مقطوعات موسيقية قصيرة، تقوم على التكثيف والنغمة بدل الامتداد والاسترسال. وفي هذا الإطار، يشتغل بنعبد العالي، حسب عبد اللطيف، داخل ما يشبه “مختبرًا للكتابة”، يُعنى بالعلامات والرموز والإيحاءات، ويقترب من المقاربة السيميائية في تحليل الظواهر.
ولا تهدف نصوص بنعبد العالي، في نظر كمال، إلى بناء نظريات مكتملة، بقدر ما تكتفي بالإشارة والتلميح، ملتقطةً ظواهر من تخوم المعرفة والمجتمع، ومقيمةً حوارًا مستمرًا معها. كما أن التكرار الذي يطبع بعض كتاباته لا يُعد ضعفًا، بل يعكس طبيعة الواقع المتحول وتعقيداته، ويعبّر عن عودة دائمة إلى القضايا نفسها من زوايا مختلفة، في محاولة لفهمها في سياق تغيراتها المستمرة.
ومن خلال هذا المنهج، ينقل بنعبد العالي الفلسفة من مجالها النظري المغلق إلى فضاء الحياة اليومية، رابطًا إياها بأسئلة العصر، خاصة تلك المرتبطة بالتقنية ووسائط التواصل، حيث يسعى إلى إبراز محدودية الخطابات السائدة ونقد التفاهة التي تغزو الثقافة المعاصرة. وفي الآن نفسه، يساهم في دمقرطة الفلسفة، من خلال تبسيطها وتوسيع حضورها داخل المجتمع، سواء عبر الترجمة أو الكتابة أو المشاريع الفكرية المشتركة، كما هي الحال في عمله مع المفكر المغربي الراحل محمد سبيلا.
ويكشف هذا المسار، أيضًا، عن انفتاح واسع على التراث والحداثة معًا، حيث يجمع بين فلاسفة معاصرين ومفكرين من التراث العربي، متجاوزًا الثنائيات التقليدية بين الماضي والحاضر، والأنا والآخر، ليجعل من “المكتوب” في تعدده وتناقضاته أفقه الأساسي.
وفي المحصلة، يرسم هذا التقديم الذي خصّ به كمال عبد اللطيف هذا الكتاب صورة مفكر يمارس الفلسفة بوصفها فعلًا يوميًا مفتوحًا، وكتابةً تجريبية قائمة على الإشارة والتكثيف، ونقدًا دائمًا لليقينيات، وسعيًا متواصلًا لتوسيع أفق التفكير، ومواجهة مظاهر التفاهة والبلاهة في الثقافة المعاصرة، مع الإيمان بأن معارك الفكر لا تُحسم نهائيًا، بل تظل مفتوحة على الدوام.
ومن هذا المنظور، فكتاب “عبد السلام بنعبد العالي: دروب وفجوات” لا يندرج ضمن تقاليد الكتب التكريمية التي تكتفي بإعادة سرد المسارات أو تعداد المنجزات، بل ينتمي إلى أفق فكري مغاير، يجعل من التكريم ذاته فعل مساءلة، ومن الاحتفاء مناسبة لإعادة التفكير. فمنذ الصفحات الأولى، وخاصة في مقدمة كمال عبد اللطيف، ندرك أننا لسنا أمام “كتاب عن مفكر”، بل أمام فضاء نصي متعدد الأصوات، يتجاور فيه التحليل مع التأويل، والتفكيك مع الاستعادة والمحادثة والتوثيق…
هكذا، لا يبدو الاحتفاء ببنعبد العالي عودة إلى منجز مكتمل، بقدر ما هو انخراطٌ متجدد في أسئلته المفتوحة، واعتراف بأن ما قدمه المحتفى به للدرس الفلسفي في العالم العربي لا يُقاس بما أضافه إلى مكتبة الفلسفة العربية فحسب، بل بما أتاحه من إمكانات جديدة للتفكير، وبما حرّكه من قلقٍ خلّاق داخل اللغة نفسها. ولذلك، فإن هذا الكتاب التكريمي الجماعي والمتنوع لا يقدّم صورة نهائية عن صاحبه، بل يفتح نوافذ متعددة على أثره، ويجعل من قراءته تمرينًا آخر على ذلك الدرس الذي لم يكفّ بنعبد العالي عن تلقينه، متمثلًا في أن الفكر، في جوهره، ليس امتلاكًا للحقيقة، بل إقامة دائمة في تخومها.
هو، إذًا، تكريم في مديح فكر غير مكتمل، حيث لا تكرّم الندوة وإصدارها الموازي منجزًا مكتملًا، بل إنهما يحتفيان معًا بفكر ظل على الدوام ديناميًا ورافضًا للاكتمال، فهما معًا، الندوة والكتاب، لا يقدمان لنا عبد السلام بنعبد العالي كمرجع، بل باعتباره دعوة مفتوحة للتفكير باستمرار، ولعل هذا هو أسمى أشكال التكريم والاحتفاء.