أوقفني في التراب، وقال لي:
يا آدم، هل نسيت أنك من التراب؟
فقلت:
لا، ولكنني لست ترابًا.
فقال:
يا آدم، وهل نسيت أنك إلى التراب تعود؟
فقلت: لا، ولكنني لن أعود كما كنت.
فقال:
وما الفرق بين ما كنت وما أنت وما ستكون؟
فقلت:
اسأل الحرية.
[ناصيف نصار]
وقفنا في الجزء الأول من هذا المقال أمام نصوص أحمد لطفي السيد في الحرية، وقد اعتبرنا أن انتصاره للحرية في مختلف تجلياتها يعكس مواقف جيل كامل من كتّاب النهضة العربية، جيل انخرط معه ومثله في عملية مجابهة أحوال التأخر في المجتمعات العربية، وقد ساهمت نصوصه في بلورة تطلعات المجتمعات العربية للتحرر والتقدم. كما وضّحنا في نهاية المقالة جوانب من صور الحصار الذي جُوبهت به مواقفهم من الحرية.
وننتقل الآن إلى معاينة النص الثاني في مقالتنا، نص ناصيف نصار: باب الحرية، انبثاق الحرية بالفعل (2003)، لنقف على بعض أوجه التحوّل الحاصل في نظرة مثقفي النهضة العربية لمفهوم الحرية والتحرر.
ثانيًا: إعادة بناء الحرية في الفكر العربي المعاصر
1 – نشير في البداية إلى أن المسافة الزمنية القائمة بين نصوص أحمد لطفي السيد في الحرية ونص ناصيف نصار تغطّي كثيرًا من عقود القرن الماضي. ترتبط نصوص الأول في الحرية بأسئلة المجتمع المصري والمجتمعات العربية في مطالع القرن العشرين وإلى حدود منتصفه، ويرتبط نص باب الحرية بنهاية القرن العشرين وبدايات القرن الجديد. وقد كان بإمكاننا أن نختار في هذه المقالة مصنَّف عبد الله العروي مفهوم الحرية(1981) أو مصنَّفه مفهوم العقل (1995)، وهما معًا من النصوص التي تفكر في التأخر التاريخي العربي وسبل تجاوزه، إلاّ أنه بدا لنا أن نص ناصيف نصار الذي وقع عليه اختيارنا يستوعب في بعض أوجهه جوانب من خيارات العروي، ويتيح لنا إدراك الروح الفلسفية الموجِّهة لنمط تحليله وأهم خلاصاته، كما يسمح لنا بإدراك جوانب أخرى من صلاته بأعمال مثقفين آخرين من جيله، الأمر الذي يجعله العنوان الأبرز في تطور الاهتمام بموضوع الحرية في فكرنا المعاصر.
نقرأ باب الحرية باعتباره تتويجًا لمؤلَّفات النضج التي أصدرها ناصيف نصار في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، من قبيل منطق السلطة (1995) ومطارحات للعقل الملتزم (1986) والتفكير والهجرة، من التراث إلى النهضة العربية الثانية (1997) والذات والحضور، بحث في مبادئ الوجود التاريخي (2009) والديمقراطية والصراع العقائدي (2017). استثمر في هذه الأعمال نتائج أعماله الفكرية التي أغنى بها مكتبة الفكر والتربية والسياسة في فكرنا المعاصر، وفيها مجتمعةً نعاين البناء الفكري الفلسفي والفلسفة السياسية، كما نُعاين انفتاحها في الآن نفسه على القضايا الكبرى في تاريخنا المعاصر، بحسٍّ لا يقيم فيه الباحث أي مسافة بين مكاسب الفكر العقلاني المعاصر وأسئلة التاريخ والفكر والمجتمع في الحاضر العربي.
يسلّم ناصيف نصار في أعماله بكونية المكاسب الفكرية والتقنية التي تبلورت في العالم المعاصر، لكن تسليمه لا يجعله يقبل المماثلة الميكانيكية، بل إن كونية المكاسب المنتجة في الفكر المعاصر تقتضي في نظره وفي آثاره أن يشترك الجميع في طبعها بالطابع الكوني الذي يمنحها جدارة التعبير عن المشترك الإنساني. ولهذا تشكّل عمليات إعادة البناء في هذا النص وفي مختلف أعمال المؤلف الوسيلةَ النظرية المساعدة على بلوغ مرمى الكونية، حيث تحقق الذات في لحظات وعيها بذاتها وسعيها إلى تأصيل مشاريعها في الفكر ما يساهم في تحويل كثير من المفاهيم والمواقف في ضوء الخصوصيات التاريخية، الأمر الذي يُضفي على مكاسب الفكر سمات الوعي الذاتي النقدي، فيتمكن من مغادرة لحظة الاكتفاء بالمماثلة والنسخ في ضوئها وعلى منوالها، إلى لحظة التركيب الذاتي المؤصِّل للنظر، التركيب الذي يصنع الفكر بطرق جديدة مطابقة لمقتضيات التاريخ في كليّته وتنوعه.
نقترب في القسم الثاني من هذا المقال من نص باب الحرية باعتباره نصًا جامعًا لتحوّلٍ في الفكر السياسي العربي المعاصر؛ إنه عنوان خيارات فلسفية وسياسية وثقافية عامة، خيارات ومواقف تمارس اليوم حضورها الرمزي الفاعل في فضاء فكرنا. يمكننا أن نشير هنا إلى بعض الأسماء التي تلتقي بعض الجوانب في أعمالها مع أعماله، فنذكر هشام جعيط (1935-2021) وعبد الله العروي وعلي أومليل. ففي نصوص هؤلاء وغيرهم ممن لم نذكر، نعثر على معطيات نظرية ومنهجية قريبة من معطيات أعمال ناصيف نصار في مجملها، وفي عمله موضوع حديثنا على وجه الخصوص. إلا أن هذا الحكم المتعلق بوشائج القربى النظرية الجامعة بين من تجمعهم عائلة فكرية واحدة لا يستبعد أبدًا عناصر الخلاف والاختلاف القائمة في نصوص من ذكرناهم. إن غرضنا من التمثيل هنا هو توسيع مجال العناية بالنص، نقله كما قلنا من دائرة النص الواحد المفرد والمشخَّص إلى مستوى النص الذي يحيل إلى جمع، من دون أن يعني ذلك أبدًا وجود تطابق بين آثاره النظرية وآثار الآخرين ممن ذكرنا وممن لم نذكر.
2 – ينفتح باب الحرية على أربع بوابات مرتبة بطريقة متداخلة ومتقاطعة في واحد وعشرين فصلًا، لتُشرَّع بعد ذلك مرة أخرى على نص باب الحرية، فنكتشف أننا أمام عالم جديد. أما البوابات فنحن الذين نرسمها انطلاقًا من نوعية موضوعات الفصول، وهكذا تصبح فصول الكتاب مُدرجة في أفق البوابات والمداخل الكبرى الآتية:
- بوابة تمجيد الحرية.
- بوابة إعادة بناء الحرية.
- في مفارقات الحرية.
- في نقد الليبرالية.
أما الباب الأخير، وهو بديل الخاتمة في النص، فقد منحه الباحث عنوان النص الكامل باب الحرية، ولعله يحمل في ثنايا فقراته روح كتاب آخر داخل الكتاب، ذلك أننا ندخل باب الحرية لنغادره صوب بابها مجددًا.
نقف في بوابة التمجيد على فصول عديدة أبرزها “في عظمة الحرية وضعفها”، وفصل “الحرية شرط أعلى للعقل”، ثم “الحرية مسؤولية”. وفي بوابة إعادة البناء نواجه مجموعة من الفصول الرامية إلى كشف نوعية وآليات عملية إعادة البناء، حيث يقدم الباحث عيّنة من المحاولات الفكرية التي خاضها وهو يتجه إلى إعادة تركيب الأسئلة والمعطيات، استنادًا إلى مصادر فكر الحرية في تاريخ الفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة، واستنادًا أيضًا إلى المعطيات النظرية والتاريخية المحلية التي تستدعي عملية إعادة البناء المرادفة في النص لمطلب المشاركة في تركيب المشروع الليبرالي في فكرنا السياسي المعاصر. ونعثر في هذه البوابة أيضًا على فصل يُعنى بتوضيح كونية سؤال الليبرالية، وفصل مخصص للمبادئ الكبرى التي أسّست المعتقد السياسي الليبرالي، كما نعثر على فصل يتغنّى فيه الباحث بلزوم الانخراط في حضارة الحرية. ويختتم الكاتب مصنَّفه بـ باب الحرية، وقد كتبه بلغة خاصة، وقدّم من خلاله وبواسطته صورة أخرى من صور كفاءته النظرية والإنشائية في مقاربة الأسئلة الفلسفية الكبرى في فكرنا المعاصر.
حمل هذا الفصل عنوان الكتاب، ووضعه المؤلف كما قلنا بديلًا من خاتمته، وقد استلهم في روحه صبغة كتاب المواقف للنِّفَّري، وشكّل لحظة نظرية قوية في النص نقلت قرّاءه من باب البناء النظري المُحكَم والمتسلسل حسب قواعد المعمار الفلسفي في الكتابة، إلى باب الكتابة الشعرية والمقاربة الصوفية والموقف الوجودي، وهو ما منح الكتاب والكاتب امتياز الانفتاح على أسئلة وأساليب غير معهودة في نصوصه الأخرى.
نعاين في فصل المبادئ الكبرى للحداثة نقاشًا فلسفيًا يتوخى حصر مبادئ المشروع السياسي الليبرالي المتمثلة فيما يلي:
1 – مبدأ اجتماعية الإنسان الطبيعية والجدلية، ويقدم فيه الباحث نقدًا قويًا لمفهوم التعاقد، محاولًا استبدال المفهوم السابق بالمفهوم الإغريقي لاجتماعية الإنسان.
2 – مبدأ الترابط بين الحرية والعقل.
3 – مبدأ الترابط بين الحرية والعدل.
4 – مبدأ الترابط بين الحرية والسلطة.
ويعمل الباحث لحظاتِ تفصيله القول في المبادئ السابقة على إعادة بناء أزواج المفاهيم التي تشكّلها المبادئ المذكورة، وهو ما يُبرز المنحى النقدي في الفصل.
أما بوابة نقد الليبرالية فإنها تجمع الفصلَ المتعلق بموضوع “العولمة وسؤال الحرية”، والفصلَ الذي يدعو فيه الباحث إلى ربط نقد الليبرالية بالتفكير في تعميق التضامن وتوسيعه من منظور أخلاقي، وذلك لتجاوز الأزمات والتحديات الكبرى التي تواجه العالم المعاصر، ثم فصلٌ في الرد على الدعاوى التي تعتبر الليبرالية نهاية التاريخ. أما بوابة المفارقات فيشخّص فيها موضوعات فقدان الحرية بإطلاقها، ومنع التجربة عن أعدائها، ثم الإكراه على الحرية، مستندًا في ذلك إلى ظواهر ومعطيات تشخّص نتائج امتحان مغامرة الحرية في التاريخ وفي العقل.
3 – يمكن أن نشير هنا إلى أن نص باب الحرية يضعنا أمام مصنَّف يكشف بوضوح أن الصرامة النظرية المعتادة في نصوص ناصيف نصار قد تكون مجرد قناع يُخفي كفاءاته الأخرى في التخيّل والابتكار وفي الترسّل الكاشف عن عمق إدراكه لقضايا الفلسفة والفكر، بل تحويلها إلى موضوعات قابلة للمعالجة بأكثر من صيغة وشكل. ورغم الإيحاءات التي تتركها بعض مفردات وعبارات هذا النص المفتوح في ذهن القرّاء، فإننا نتصوّر أن الروح التي كُتب بها سمحت ببناء متن جديد داخل المتن الأصلي، ولم يعد بإمكاننا أن نعرف أيهما الأصل وأيهما الفرع، أيهما النظر وأيهما التمثيل، أيهما النص وأيهما التكملة.
تعكس خطاطة باب الحرية المستعرَضة بكثير من الاختزال في الفقرات السابقة بعض علامات التأصيل النظري للحرية وللمشروع السياسي الليبرالي. وإذا كانت نصوص أحمد لطفي السيد قد جعلتنا نعاين كيفية إدراك كتّاب بدايات القرن العشرين للمنظومة السياسية الليبرالية، حيث تبيّنّا العناية البارزة بالمشخَّص والعيني، وتوقفنا أمام كفاءة التمثّل العربي لتجربة في التاريخ مشفوعةٍ بمحاولة في النقل ترى في المشروع الليبرالي أفقًا مناسبًا لمطالب الذات وطموحاتها في تجاوز مظاهر الاستبداد والتأخر، فإن كتاب ناصيف نصار يتجاوز المعالجة المشخَّصة نحو نوع من الشمول النظري الممهور بكفاءة في التعقل والمساءلة وإعادة البناء، مما يبرز نوعيات التحول الحاصلة اليوم في بنية الفكر السياسي العربي.
وما يدعم ما قلناه عن كتابه في عبارات مكثّفة، هو أن الشروط التاريخية والفكرية التي واكبت وتواكب مؤلفاته على وجه العموم تشكّل دعائم ومحفزات تمنح جهوده سياقًا محددًا في تاريخ تطور فكرنا المعاصر. فقد نشأت على سبيل المثال مؤسسات فكرية تعنى بقضايا الفكر العربي المعاصر سواء في جوانبه القومية أو في مستوياته التحديثية، الأمر الذي يرسم المعالم الكبرى لأرضية فكرية جديدة في واقعنا. كما إن تطور تعليم الفلسفة في الجامعات العربية، رغم مختلف الإكراهات والعوائق التي لا تزال تلاحق هذا التعليم، ورغم الانتشار السريع والمفاجئ لكثير من صنوف الفكر المحافظ والعتيق، فإن الآثار التي ذكرنا لرموز كتابة التأصيل في فكرنا تفتح أمامنا فرصًا جديدة لمواصلة مقاومة مختلف أشكال التردد والمخاتلة السائدة في ثقافتنا.
نعاين في الجهد التركيبي المستوعَب في مصنَّف باب الحرية علاماتٍ قابلة لمزيد من التطوير، ذلك أنه لم يعد هناك أحد يشك في أهمية الإسناد النظري والتأصيل النظري لإشكالات السياسة والتاريخ في حاضرنا. فهل نملك القدرة على مغالبة التحدي المذكور ونعمل جميعًا على توسيع أبواب الحرية في فكرنا وفي مجتمعنا؟
* * *
سمح تفكيرنا في مفهوم الحرية وأسئلتها في فكرنا المعاصر، انطلاقًا من نصوص أحمد لطفي السيد ومصنَّف ناصيف نصار، بافتراض إمكانية اعتبار النص الأول بمثابة نص نموذجي وتمثيلي، والنظر إلى الثاني باعتباره يقدم أرقى ما وصلته تجليات الكتابة السياسية العربية في الموضوع نفسه. وفي هذا المستوى من التفكير يصبح كل من النصين علامة على تجربة ومرحلة تتجاوز كاتبه لتعبِّر عن درجة تطوّر الوعي بالحرية في فكرنا. فلا يعود كل من النصين ملكًا لصاحبه، بل يصبح في منظورنا عنوان مرحلة كاملة. وفي هذه الحالة تقدم نصوص أحمد لطفي السيد في الحرية صورة النظرة العربية إلى الحرية في مطلع القرن العشرين، كما يقدم نص باب الحرية أفقًا في النظر العربي لمفهوم الحرية في بدايات الألفية الثالثة. وهنا تختفي أسماء المؤلّفين لتحضر أسماء أخرى، ويصبح النص الواحد بمعنى من المعاني مؤلَّفًا جماعيًا.