في الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر عام 1911 وُلد نجيب محفوظ في حيّ الجمالية بالقاهرة، ليغدو يوم مولده مناسبة تُستعاد ذكراها كل عام في أكثر من بلد عربي. منتدى شومان في عمّان أحيا قبل أيام ذكرى مولده بندوة متخصصة، توزعت محاورها على أكثر من جانب: علاقته بالتاريخ، بالتراث، بالمجتمع، باللغة، وباهتماماته الفكرية. وفي الحوار تشعّبت النقاشات في أكثر من اتجاه. نجيب محفوظ ظاهرة نادرة يصعب تكرارها في تاريخ الأدب العربي. أين يكمن سرّه الذي شغل العالم في حياته، واستمر بعد مماته؟ في هذا المقال محاولة للوقوف عند طقوسه في الكتابة، وبعض طباعه الشخصية، ففي هذا الجانب تحديدًا يتخفّى سر نجيب محفوظ؛ ذاك الذي جعل حياته اليومية نفسها مصدر إلهام، بعد أن شكّلت أعماله الإبداعية ذروة الإلهام. لعل أهم ما يُستخلص من طقوس صاحب نوبل في الكتابة، تجسيده لحقيقة أن الإبداع لا يكون إلا وفق نظام محدد وصارم، يلتزم به الكاتب إن أراد أن يكون لما يكتب شأن، أو إن أراد أن يُفرغ ما في مخيلته من حكايات تبهر القارئ بسحرها، رغم أنها – في كثير من الأحيان- تفاصيل يومية نعيشها ولا ننتبه إلى عمقها إلا حين نقرؤها بقلمه. وفق النظام الذي كان يعتمده، كان محفوظ يكتب مرتين في اليوم. بعد قيلولته يكتب ثم يقرأ. يقول في إحدى مقابلاته الصحافية: “أكتب أولًا، ثم أقرأ. إذا عكست الأمر، لن تتمكن من النوم، وستبقى مشغولًا بالفكرة التي شرعت في كتابتها”. وفي المرة الثانية، يكتب فجرًا، وجه الصبح، حيث تكون الفكرة طازجة، كأنها خرجت للتو من فرن الذهن. في الفجر يتشكل الندى على أوراق الشجر، تمامًا كما تولد الأفكار البكر. درس الدكتور زياد أبو لبن أعمال نجيب محفوظ، فكانت رسالته للماجستير حول المونولوج الداخلي، في ما تناولت أطروحته للدكتوراه الشخصية الشعبية في أعمال محفوظ. يقول أبو لبن: يتعامل نجيب محفوظ مع الكتابة بوصفها طقسًا يوميًا صارمًا لا يقبل المزاج ولا التسويف، أشبه بالعبادة الهادئة. كان يبدأ يومه في ساعات الصباح الأولى بعد إفطار خفيف، حيث تكون الروح صافية والعقل متيقظًا. يجلس إلى مكتبه البسيط، بلا بهرجة ولا أدوات معقّدة، مؤمنًا بأن الفكرة هي جوهر الإبداع لا ما يحيط بها. يكتب بانتظام، محددًا عددًا من الصفحات يلتزم به مهما كانت الظروف. لم يكن ينتظر الإلهام، بل كان يرى فيه ثمرة الانضباط. يكتب بالقلم على الورق، في علاقة حميمة بين اليد والفكرة، وكان الصمت شرطه الأول. بعد الكتابة، يخرج إلى المقهى أو يتمشّى، كأنما يترك نصه يتنفس بعيدًا عنه. هذه الطقوس الصارمة صنعت مشروعه الروائي المتماسك، وجعلت من الكتابة لديه فعل حياة لا هواية عابرة. إذا كان ما ورد يشكل جانبًا من طقوس نجيب محفوظ في الكتابة، فماذا عنه كشخص؟ كيف كان يدير حياته؟ لعل بعض الإشارات بعد فوزه بنوبل تكشف عن هويته الإنسانية بوضوح. حدّثني الناقد الدكتور فيصل درّاج أنه بعد فوزه بالجائزة العالمية الكبرى، كان يأتيه من يستدين منه لسدّ حاجته.
فيسأله محفوظ: “حترجعهم متى؟”، أي متى ستعيد المبلغ، إذ لا يجوز، من وجهة نظره، أن يكون الإنسان مبذرًا حتى لو كان يملك الكثير. فالمسألة عنده ليست مالًا، بل نظامًا لا بد من الالتزام به، واعتمادًا على النفس لا يجوز التفريط به. وعلى المستدين أن يعتمد على نفسه مهما كان الدين ثقيلًا. المسألة مسألة كرامة، ليس بالنسبة له فقط، بل بالنسبة لكل من يعرفه. ويقول القاص محمود الريماوي: بعد فوزه بنوبل دُعي محفوظ إلى ندوة في فندق خمس نجوم، فظن العاملون في الفندق أنه سيغدق عليهم ما يُسمى “البقشيش”، ليتفاجؤوا به يغادر الفندق من الباب الخلفي. لم يكن ذلك بخلًا، وإنما كان موقفًا أخلاقيًا؛ فالتوسل بالمال، في نظره، يمس كرامة من يعطي. كان يقول ضمنيًا: لست صاحب مال، بل صاحب مشروع إبداعي. ويضيف الريماوي: كان شخصًا عاديًا في حياته اليومية؛ يمشي في الشارع بين الناس، ويجلس في المقهى بينهم، بدون برج عاجي يعتكف فيه. أكثر ما قهره حين خذلته صحته، أنه لم يعد قادرًا على القراءة، فحُرم من أكثر ما كان يؤنسه ويغذّي روحه. كان محفوظ يخصص ثلاث إلى أربع ساعات يوميًا للكتابة، موزعة بين الفجر وبعد قيلولة الظهر. لا يزيدها مهما بلغ اندماجه، ولا ينقصها مهما داهمه التعب. إن زادها تسلل الحشو إلى النص، وإن انتقص منها ظلت الفكرة تلاحقه فلا تترك له بقية يومه. فالكتابة في مرحلتها الأولى جنين، ومن يوأد جنين الفكرة يقتل النص قبل ولادته. كان يكتب في مكان واحد، هادئ وبسيط، بدون طقوس معقّدة أو عزلة مصطنعة. لم يكن يؤمن بأن الكاتب يحتاج ظروفًا استثنائية، بقدر حاجته إلى ذهن صافٍ. الإلهام لا يولد في الضوضاء، ولا يتجلى في الفوضى، ولا ينكشف إذا كان هناك من يراقبه. بعد الانتهاء من الكتابة، يخرج للمشي أو للجلوس في المقهى، حتى يخرج من “سجن النص”. النص سجن، حالة من العزلة يعيشها الكاتب مع ما يكتب، وحتى يعود إلى ذاته عليه أن يخرج إلى الهواء الطلق، يراقب الناس بصمت؛ وهذه المراقبة كانت من أهم مصادر شخصياته. فمن يكتب عن بشر من لحم ودم لا يمكنه الاتكاء على الخيال وحده؛ ما لا يشبه القارئ لا يصدقه، ولا يصدق وجوده بيننا. كان يؤمن أن الإلهام يأتي أثناء العمل لا قبله، لا تنتظر إلهامًا يسقط عليك من السماء، الإلهام يأتي في غمرة البحث عنه. أما انتظار المزاج الجيد فذلك خدعة يقع فيها الكسالى. وهنا تتجلى فلسفته كاملة في عبارته الشهيرة: “الكتابة كالصلاة… لها وقتها، ومن يتخلّف عنها يأثم في حق نفسه”. في زمن الفوضى، والكتابة المتقطعة، وانتظار اللحظة المثالية، يبدو نجيب محفوظ أكثر معاصرة مما نظن. لم يكن ينتظر الوحي، ولم يراهن على المزاج، بل كان يحضر كل يوم إلى الكتابة كما يحضر المؤمن إلى صلاته. وربما لهذا السبب، لم يكن إرثه مجرد روايات عظيمة، بل كان درسًا أخلاقيًا ومهنيًا في معنى أن تكون كاتبًا.