لا تُقاس أهمية الكتب بمدى التصاقها باللحظة التي صدرت فيها، بل بقدرتها على النفاذ إلى البنى العميقة التي تصنع الظواهر وتعيد إنتاجها في صور متجددة في ظروف أخرى. أي “أن الراهنيّة ليّست مقيّاس أهميّة أي مؤلَف”. ومن هذه الزاوية تُفهم إعادة نشر كتاب عزمي بشارة تحت عنوان “الخطاب السياسي المبتور”، فهو ليس استعادة لمقالات كُتبت بين عامي 1992 و1997 فحسب، بل عودة إلى رؤية نقدية مبكرة لتشريح واقع الفلسطينيين في الداخل، وقراءة حالهم المركب بين الانتماء القومي والمواطنة الإسرائيلية، وبين الذاكرة التي تربطهم بشعبهم والواقع السياسي الذي أفرزه موقعهم داخل دولة قامت أساساً على أنقاض هذا الشعب.
على رأي المثل القائل “أهل مكة أدرى بشعابها” ينطلق بشارة من معاينة دقيقة وفاحصة كابن لجغرافيا وتاريخ هذا المكان ليضع تصوره ورؤيته عن وضع الفلسطينيين داخل أراضي 48، لكنه لا يكتفي بالمعايشة ولا يحول التجربة إلى انطباعات شخصية. فهو يعاين الواقع بإرث نظري ومنهجية تجمع الفلسفة السياسية بعلم الاجتماع والتحليل التاريخي والنفسي، من دون أن يسمح للنظرية بأن تقفز فوق الوقائع أو تحيل البشر إلى أمثلة مجردة. والسؤال الذي يأخذ حيزاً مهماً في الكتاب ليس سؤال الهوية بوصفها اختيارًا فرديًا بين فلسطينية وإسرائيلية، بل سؤال الوجود السياسي لجماعة أصلانية وجدت نفسها مواطنة في دولة لم تخترها، ولا تعترف بها جزءًا من الأمة التي تدعي تمثيلها. إن الفلسطينيين في الداخل ليسوا أقلية مهاجرة جاءت إلى دولة مكتملة التكوين وطلبت الاندماج فيها، بل هم من بقي من شعب تحطمت مدنه ومؤسساته وتشردت عائلاته وأفراده، ثم أُعيد تعريف من بقي من هذا الشعب فوق تلك الأرض باعتبارهم “عربًا في إسرائيل” مازالوا يبحثون عن هوية في ظل شروط مركبة ومعقدة. ولهذا لا يرى بشارة أن الحديث عن «هوية مزدوجة» يصف الحالة بدقة؛ فالازدواجية تفترض إمكان التعايش المتوازن بين هويتين متجاورتين، في حين الواقع يقوم على تناقض بنيوي. الفلسطيني مواطن في إسرائيل بحكم القانون، لكنه مستبعد من تعريف الدولة لذاتها؛ يحمل جنسيتها صحيح، لكن، الدولة ليست للإسرائيليين جميعًا، بل دولة الشعب اليهودي، ولذلك تظل منشغلة بالسؤال: «من هو اليهودي؟»، لا بالسؤال: «من هو الإسرائيلي؟». وفي دولة لا تفصل الدين عن الدولة ولا الدين عن الأمة، لا يمكن أن تصبح هناك هوية مدنية جامعة للعرب واليهود على قدم المساواة.
من هذا التناقض ومن محاولة حله فردياً ينشأ مفهوم الأسرلة. والأسرلة هنا لا تعني أن يتحول العربي إلى يهودي، ولا أن يتخلى بالضرورة عن لغته وعاداته، بل أن يُعاد تشكيل ثقافته ووعيه وحتى نفسيته بطريقة تجعل وضعه الهامشي قابلًا للقبول والتعايش. إنها عملية تحويل المطالبة بالمساواة من مساءلة لطبيعة وبنية الدولة ذاتها إلى التماس تحسينات جزئية على الحياة اليومية داخل بنيتها ومؤسساتها والتنازل عن الحقوق القومية باعتباره حكمة وواقعية.
لكن الأسرلة لو حدثت فعلاً فهي من وجهة نظر بشارة تظل خيارًا وهميًا؛ لأنها لا تمنح اندماجًا كاملًا، بل تفتح للفلسطيني أبواب هامش المجتمع الإسرائيلي وتبقي مركزه السياسي والقومي مغلقًا أمامه. يستطيع العربي أن يندمج في سوق العمل والجامعة والاستهلاك وأن يتقن العبرية ويتأثر بأنماط الحياة الإسرائيلية، لكنه لا يستطيع، مهما بلغ نجاحه الفردي، أن يصبح جزءًا متساويًا من تعريف الدولة. وبذلك تتعرض هويته للتشويه من دون أن يحصل على بديل قادر على منحه الاعتراف به كفلسطيني. وهنا يصبح الفلسطيني نصف مواطن من جهة، ونصف منتمي لجماعة من جهة أخرى؛ مطالَبًا بالولاء إلى دولة تشك فيه، وتفرض عليه نسيان مأساته كي يُقبل داخل نظام يستمد شرعيته من نتائج تلك المأساة.
وفي هذا السياق يعيد بشارة النظر في مفهوم الصمود والبقاء. فالبقاء على الأرض إنجاز تاريخي بالتأكيد، وشرط أساسي لاستمرار الوجود الفلسطيني، لكنه ليس في حد ذاته استراتيجية سياسية للتغيير وخلق واقع جديد. فالسؤال ليس أن يبقى الفلسطيني فقط، بل كيف يبقى، وبأي وعي، وضمن أي مشروع، لأن البقاء إذا انفصل عن بعده القومي والسياسي، فقد يتحول إلى آلية نرجسية تعوض الجماعة عن غياب الاستراتيجية لتحقيق المساواة الكاملة والهوية غير منقوصة، فتكتفي بتمجيد استمرارها المادي، في حين تتآكل قدرتها على صياغة مستقبلها. وفي ظل غياب هذه الاستراتيجية قد يصبح الاندماج في الهامش الإسرائيلي نفسه دليلًا على الصمود عند بعض، فيُحتفى بالتقدم الفردي والتعليم والاستهلاك من دون مساءلة بنية الدولة التي تجعل هذا التقدم تابعًا وذيلياً لمشروع “الدولة اليهودية”. وكما يطلق عليه بشارة مصطلح الإذدناب.
وتبلغ قراءة الكتاب عمقها السوسيولوجي في تحليل ما يسميه التحديث في غياب المدينة. فقد بقي قسم من الفلسطينيين على أرضه بعد عام 1948، لكنه فقد المدينة الفلسطينية بوصفها مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا. تحطمت يافا وحيفا وعكا، وضاعت معها الطبقة الوسطى والنخب والمؤسسات ودور النشر والمسارح والمقاهي والفضاءات التي كان يمكن أن تحمل مشروع حداثة فلسطينية. وليس هذا فقط، بل فقد المجتمع قريته أيضًا حين صودرت الأرض وتراجعت الزراعة وتحول السكان إلى العمل المأجور في المدن اليهودية. وهكذا أصبح المجتمع الفلسطيني لا هو قروي ولا هو مدني؛ فقد القرية من دون أن يربح المدينة.
دخل الفلسطيني الحداثة عبر مؤسسات غيره، وعمل في مدينة لا تستوعبه بوصفه جزءًا من مركزها القومي، وتعلم واستهلك وتخصص مهنيًا من دون أن يمتلك جامعة وطنية، أو مكتبة قومية، أو مسرحًا جامعًا، أو فضاءً مدنيًا مستقلًا. ولذلك كانت الحداثة المتاحة له حداثة إسرائيلية ينضم إليها مقلدًا أو عاملًا أو مستهلكًا، فيما تتحول أصالته إلى فولكلور: أثواب ورقصات ومهرجانات تستعيد صورة القرية بعدما فقدت القرية وظيفتها الاجتماعية. وعندها وفي هذه الحالة يصبح المجتمع محاصرًا بين هويتين مشوهتين: هوية فولكلورية قد تفاخر بالتخلف باعتباره أصالة، وهوية عربية إسرائيلية هامشية تقوم على التقليد والاذدناب. ومن هذا الضياع بين الهويتين تنشأ حاجة الفلسطيني إلى هويات بديلة لأن الأسرلة لا توفر انتماءً عاطفيًا مكتملًا، وخاصة في ظل تراجع المشروع الوطني الذي يترك الفرد أمام خطر التذرير والتشظي، فيلجأ كأولية تعويضية إلى الجماعات العضوية: الحمولة، والعائلة، والقرية، والطائفة. ولا يتعامل بشارة مع هذه الانتماءات باعتبارها مجرد بقايا قديمة، بل يقرأها بوصفها بنيات يعاد إنتاجها حديثًا لتعويض غياب الهوية السياسية الجامعة فحين تعجز المواطنة عن منح المساواة، وتعجز الهوية القومية عن التحول إلى قوة سياسية وثقافية، تصبح الطائفة وطنًا مصغرًا والحمولة مؤسسة حماية، ويتحول الانتماء المحلي إلى بديل من المجتمع المدني. ولذلك لا تكون مقاومة الأسرلة بالانكفاء إلى ما قبل السياسة، بل ببناء مشروع وطني ديمقراطي حديث يمنح الفرد معنى وانتماء، وذلك من خلال السعي إلى حداثة عربية فلسطينية ذات هوية قومية لا تجعل التحديث مرادفًا للذوبان في الثقافة المهيمنة ولا الاستكانة لرؤية الدولة التي لا ترى فيك إلا عدواً محتملاً وخاصة في لحظات الأزمات والحروب.
ويضيء المنهج الذي اتُّبع في هذا الكتاب ظواهر لم تكن قد ظهرت على الأقل بهذه الحدة، عند كتابة المقالات، وفي مقدمتها انتشار الجريمة المنظمة وتفكك البنية الاجتماعية في البلدات العربية. فالجريمة، ضمن منطق الكتاب، ليست انحرافًا فرديًا معزولًا، بل قد تكون إحدى نتائج التحديث المشوه، وتراجع السياسة، وبالتالي انهيار القيم وتردي الأخلاق، وانهيار الروابط التقليدية من دون أن تحل محلها مؤسسات مدنية حديثة. وبالتأكيد حين يُترك المجتمع بلا مدينة وبلا مشروع وبلا سلطة قانونية تحميه على قدم المساواة، تظهر العصابة باعتبارها سلطة بديلة، والسلاح بوصفه وسيلة الحماية والاعتراف بالأنا التائهة. وكان تحذير بشارة من تحول واقع (المدن المختلطة) اللد والرملة ويافا وعكا إلى مستقبل عام للفلسطينيين في الداخل هو قراءة مبكرة للنتائج المحتملة لغياب البعد السياسي وخمول الهوية القومية، وليس نبوءة، بل تحذير جدي ناتج عن تحليل هذا الواقع الشائك.
أمام هذا الواقع المعقد والمركب معاً ينتقد بشارة الخطاب الذي يكتفي بالمطالبة بعدم التمييز. فعدم التمييز تعريف سلبي للمساواة؛ يقول للدولة ما يجب ألا تفعله، لكنه لا يحدد ما يجب أن تكونه. أما المساواة الإيجابية من وجهة نظر بشارة فتطرح بشكل هجومي غير خائف جوهر الدولة نفسه للنقاش: هل هي دولة جميع مواطنيها أم دولة جماعة قومية واحدة تمنح بقية السكان حقوقًا فردية مشروطة؟. أمام هده الأسئلة يتحول مطلب «دولة المواطنين»، والذي هو مطلب ليبرالي بسيط في معظم الديمقراطيات، إلى مشروع راديكالي في إسرائيل؛ لأن هذا المطلب يفصل الحقوق السياسية عن الانتماء اليهودي، ويفتح أسئلة العلاقة بين الدين والدولة، والأرض والمواطنة، والرموز والذاكرة.
ودولة المواطنين هنا لا تعني محو الهويات القومية أو اختزال الفلسطيني إلى فرد مجرد، بل تعني المساواة بين المختلفين والاعتراف بالعرب الفلسطينيين جماعة قومية أصلية ذات حقوق جماعية في الثقافة والتعليم واللغة والتنظيم، إلى جانب حقوقهم الفردية الكاملة. فالاندماج الحقيقي لا يقوم على التنازل عن الهوية، بل على دخول المجال المشترك من موقع الندية. ومن هنا يجمع المشروع الذي يسعى له بشارة بين النضال المطلبي اليومي والصراع مع الطبيعة الصهيونية للدولة؛ فلا تنفصل قضايا الأرض والتعليم والجريمة والميزانيات عن سؤال من تُمثل الدولة وما هي طبيعتها، ولمن تعود السيادة والموارد والرموز. وهنا لا يحدد بشارة ماهية الدولة التي ستحقق المساواة الكاملة والاعتراف الكامل بشكل حاسم، لتشابك الجغرافيا وسيرورة التاريخ، فربما يكون الحل دولة واحدة لكل مواطنيها أو دولة ثنائية القومية، أو أي شكل أخر تفرضه اللحظة التاريخية على أن تقوم على نفس الأسس السابقة من المساواة والاعتراف.
يؤكد بشارة أن الانفصال بين السياسي والمدني هو ما يجعل “الخطاب المبتور” مبتوراً، فالخطاب يُبتر حين يطالب بالمساواة من دون أن يجرؤ على تعريفها ببعدها السياسي القومي، أو يتمسك بالهوية الفلسطينية من دون أن يعترف بخصوصية واقع المواطنة في اسرائيل. وفي الحالة الأولى يتحول النضال المدني إلى برنامج تدريجي للأسرلة، وفي الثانية تصبح الوطنية شعارًا يتجاهل حياة الناس وشروط عملهم.
بهذا المعنى لا يقدم “الخطاب السياسي المبتور” وصفة جاهزة، بل بوصلة فكرية وسياسية. إنه يحذر من أن التناقضات التي يعيشها الفلسطينيون في الداخل لا تتحول تلقائيًا إلى مقاومة؛ فقد تنتج تكيفًا وخوفًا وطائفية وجريمة وانكفاءً فرديًا. ولا يصبح الواقع قوة تغيير إلا حين يُترجم إلى خطاب وتنظيم، ومشروع ثقافي وسياسي واعٍ. فالهوية التي لا تنطق سياسيًا قد تنكمش إلى فولكلور، والمواطنة التي لا تقوم على المساواة الكاملة تصبح قناعًا للتهميش، والصمود الذي لا يستند إلى استراتيجية يتحول إلى تعويض عن العجز.
تتأكد راهنية الكتاب في أن الوقائع اللاحقة وخاصة بعد طوفان الأقصى أثبتت استحالة الأسرلة الاندماجية التي شخّصها الكتاب مبكرًا. فقد تصاعد تأكيد يهودية الدولة، وتبين في أوقات الحرب أن الديمقراطية الإسرائيلية تضيق إلى حد التلاشي حين يعبّر المواطن العربي عن هويته الفلسطينيته، فتعود معادلة الشك والتخويف والخوف، ويُطلب منه أن يثبت ولاءه قبل أن يمارس حقه حتى في الكلام.
في جوهره، يدافع الكتاب عن حق الفلسطيني في الداخل في أن يكون كاملًا: كامل الهوية وكامل المواطنة، من دون أن يضطر إلى بتر ذاكرته كي يحصل على حقوقه، أو إنكار واقعه كي يثبت وطنيته. إنه يرفض أن يكون الفلسطيني ضيفًا في وطنه، أو هامشًا دائمًا في دولة قامت على أنقاض شعبه، أو مجرد “عربي مناوب” يؤدي الدور الذي رسمته له ثقافة تلك الدولة. فالخطر الأكبر ليس أن يُدفع الإنسان إلى الهامش، بل أن يعتاد الهامش حتى يظنه وطنًا، وأن يسمي الخوف حكمة، والنقص واقعية، والتكيف هوية. أما استكمال الخطاب السياسي المبتور، فيبدأ بوصل السياسي بالمدني، والذاكرة بالمستقبل، والمساواة بالاعتراف الكامل بالانتماء لجماعة قومية، والبقاء بالوطن محمولاً على مشروع استراتيجي يجعل الحياة جديرة بالصمود من أجلها.
وهنا يجدر القول إن رواية “حب في منطقة الظل” لعزمي بشارة ربما تكون المثال العيني والمعاش بتفاصيله اليومية لما يريد أن يقوله كتاب “الخطاب السياسي المبتور”.
