د فاضل سوداني… جريدة المدى
يمثل كتاب “تاريخ التصميم الكرافيكي” للأستاذ الدكتور معتز عناد غزوان محاولة أكاديمة واسعة لقراءة تاريخ التصميم بوصفه جزءاً من تاريخ الثقافة البصرية الإنسانية. وبالرغم من تفرد الكتاب بموسوعيته، فإن الكتب حول “التصميم الكرافيكي” نادرة جدا في المكتبة العربية.
لا يكتفي الكتاب بتتبع نشوء التصميم الكرافيكي بوصفه مهنة حديثة، بل يعود إلى جذوره البعيدة في العلامة والرمز والكتابة والصورة، ثم يتتبع انتقال هذه العناصر عبر الحضارات القديمة والعصور المسيحية والإسلامية، وصولاً إلى الطباعة والحداثة والعولمة والذكاء الاصطناعي. وقد صرّح المؤلف أيضاً بأن أحد دوافعه الأساسية هو محدودية الدراسات العربية التفصيلية في تاريخ التصميم مقارنة بالدراسات الأجنبية، لذلك جاء الكتاب في ستة فصول تتتبع هذا التاريخ على امتداد زمني وجغرافي واسع.
تكمن أهمية هذا الخيار المنهجي في أنه يوسّع مفهوم تاريخ التصميم نفسه. فالتصميم هنا لا يبدأ مع ظهور المصمم المحترف أو المطبعة الحديثة، بل مع اللحظة التي شرع فيها الإنسان في تحويل العالم إلى علامات قابلة للرؤية والفهم. ومن ثم تصبح رسوم الكهوف، والرموز، والأختام، والكتابات الأولى، ليست تصميماً كرافيكياً بالمعنى المهني الدقيق، لكنها تمثل الأسس التي قام عليها لاحقاً التفكير التصميمي: الاختزال، والتنظيم، والتكرار، والعلاقة بين الشكل والدلالة.
في هذا السياق تحتل حضارات بلاد الرافدين ووادي النيل والصين موقعاً مفصلياً. ففي بلاد الرافدين انتقلت الصورة من تمثيل الشيء إلى حمل معانٍ مشتقة وأكثر تجريداً، كما أدت الأختام الأسطوانية والقوالب إلى ظهور مبدأ الاستنساخ البصري والتكرار. وفي وادي النيل تطورت العلاقة بين الكتابة والصورة واللون والسطح، بحيث ظهرت مبادئ مبكرة لتنظيم الصفحة والتراتب البصري للمعلومة. أما الصين، فقد مثّلت نقطة تحول كبرى عبر صناعة الورق والطباعة بالقوالب الخشبية والحروف المتحركة، وهو ما جعل الصورة والنص قابلين للتكاثر والانتشار على نطاق أوسع.
الرمز الأول والذكاء الاصطناعي
ولا يختزل الكتاب تاريخ التصميم الكرافيكي في مركز حضاري واحد، بل يوسع مجاله ليشمل الهند وفارس واليونان والرومان واليابان والعرب قبل الإسلام وأفريقيا وحضارات أمريكا القديمة وكوريا. وهذه السعة تمنح الكتاب قيمة إضافية، لأنها تكشف أن العلامة والتجريد والرمز والكتابة لم تكن منجزاً حصرياً لحضارة واحدة، بل نتاجاً متعدد المراكز والثقافات. ومن هنا يميل الكتاب، في جوهره، إلى بناء تاريخ عالمي للتصميم أكثر من اعتماده سرداً أوروبياً مغلقاً.
ويزداد هذا التوجه وضوحاً في معالجته للعصور المسيحية والإسلامية. ففي القسم المسيحي يبرز تطور المخطوط والكتاب المجلد والزخرفة والأيقونة بوصفها أنظمة بصرية تجمع النص والصورة داخل بناء واحد. أما في الحضارة الإسلامية، فإن الكتاب يمنح الخط العربي والمنمنمات والتجليد والأختام والشعارات مساحة كبيرة، ويبين كيف تحول الحرف من مجرد وسيط لغوي إلى عنصر بصري قائم بذاته، وكيف أصبح الكتاب الإسلامي فضاءً مركباً يجمع الخط والصورة والزخرفة والتنظيم.
وتبرز المنمنمة الإسلامية بوصفها مثالاً مهماً على العلاقة بين النص والصورة، فهي لا تؤدي وظيفة الشرح فقط، بل تعيد صياغة مضمون النص بصرياً، وتنتج قراءة موازية له. وهذه الفكرة ذات قيمة كبيرة من منظور التصميم المعاصر، لأنها تضع الصورة في موقع الشريك في إنتاج المعنى، لا التابع للنص.
مع عصر النهضة والطباعة الأوروبية، ينتقل الكتاب إلى مرحلة جديدة تتغير فيها طبيعة التصميم جذرياً. فمع غوتنبرغ والحروف المتحركة أصبح إنتاج الكتب أسرع وأكثر اتساعاً، وازدادت أهمية تنظيم الصفحة والحروف والصور والأغلفة. ثم، مع تطور الطباعة والحفر والتيبوغرافيا، أخذ التصميم يتحول تدريجياً من الحرفة الطباعية إلى مجال مستقل له قواعده ووظائفه.
أما الحداثة فتمثل في الكتاب، اللحظة التي يتغير فيها مفهوم التصميم من الزخرفة إلى الوظيفة. وتظهر هذه النقلة بوضوح مع )Art Nouveau( ثم بصورة أكثر حسماً مع مدرسة الباوهاوس، التي ربطت الفن بالتكنولوجيا والحياة اليومية، ودعت إلى وضوح الشكل ووظيفيته وخدمة المجتمع. وبذلك يصبح التصميم أداة لتنظيم الحياة المرئية، لا مجرد وسيلة لتجميلها.
وفي الفصل الخامس يخرج الكتاب من المجال الأوروبي إلى جغرافيا عالمية أوسع، فيتناول الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية وكندا وروسيا والصين واليابان وأفريقيا وإيران والهند وباكستان وأفغانستان وكوريا والعالم العربي. ويكتسب هذا الفصل أهمية خاصة لأنه يتابع انتقال التصميم من المدارس الأوروبية إلى الهويات الوطنية والمحلية، ويعرض رواداً وتجارب متعددة في العلامة والشعار والملصق والكتاب والإعلان.
وفي الجانب العربي يربط المؤلف نشوء التصميم الحديث بتطور المطابع والصحافة والاحتكاك بالثقافات الأوروبية والتحولات السياسية في بدايات القرن العشرين، ثم يتناول تجارب في العراق ولبنان وغيرها من البلدان العربية. ويثير هذا القسم، بصورة غير مباشرة، سؤال الهوية:
كيف يمكن للتصميم العربي أن يتفاعل مع اللغة العالمية للتصميم من دون أن يفقد خصوصيته الثقافية والبصرية؟ وهو سؤال يبقى مفتوحاً ويستحق معالجة أعمق مما تسمح به البنية التوثيقية للكتاب.
أما الفصل السادس، فيدفع تاريخ التصميم إلى الراهن، ليناقش العولمة، وانتقال الصورة عبر وسائل الاتصال، ثم يصل إلى الذكاء الاصطناعي. وفي هذا الجزء يبرز التصميم بوصفه خطاباً عالمياً قادراً على تجاوز الجغرافيا والحدود، وعلى أداء وظائف الإرشاد والتوعية وتنظيم المعلومات، كما حدث خلال الجائحة.
الكرافيك : الصورة والعلامة
ويبلغ الكتاب ذروته المعاصرة عند مناقشة الذكاء الاصطناعي، إذ يضع التصميم أمام سؤال جديد يتعلق بطبيعة الإبداع نفسه. فالذكاء الاصطناعي قادر على تحليل البيانات واقتراح الصور والأشكال والحلول التصميمية، لكنه يثير في الوقت نفسه إشكالية العلاقة بين الإنسان والأداة، وبين إنتاج الصورة وإنتاج الفكرة.
ومن هنا يمكن القول إن الكتاب يبدأ بالإنسان الذي صنع العلامة بيده، وينتهي بالإنسان الذي أصبح يتعامل مع منظومة قادرة على اقتراح العلامة نيابة عنه. وهذه المسافة التاريخية الطويلة هي التي تمنح الكتاب وحدته العميقة.
ومع ذلك، فإن اتساع مادة الكتاب هو في الوقت نفسه مصدر قوته ومشكلته الأساسية. فهو يقدم مادة موسوعية ثرية، لكنه ينتقل أحياناً من تاريخ التصميم إلى تاريخ الفن والحضارة والكتابة بصورة عامة، من غير أن يوضح في كل مرة الصلة النظرية المباشرة بينها وبين مفهوم التصميم..
يسمح البناء العام للكتاب باستخراج منطق واضح من داخله: التصميم ينتقل من الصورة إلى العلامة، ومن العلامة إلى الكتابة، ومن الكتابة إلى الصفحة، ومن الصفحة إلى الطباعة، ومن الطباعة إلى الملصق، ومن الملصق إلى الهوية المؤسسية، ومن الورق إلى الشاشة، ومن الشاشة إلى الخوارزمية. وهذه السلسلة هي، في تقديرنا، الفكرة الأهم التي يمنحها الكتاب للقارئ.
تكمن القيمة الحقيقية لكتاب “تاريخ التصميم الكرافيكي” بالنسبة إلى التصميم المعاصر في أنه يذكّر المصمم بأن التصميم أقدم وأعمق من البرامج والأدوات الرقمية. ففي عصر يستطيع فيه أي مستخدم إنتاج صورة خلال ثوانٍ، يصبح الخطر الحقيقي هو الخلط بين سهولة إنتاج الصورة وبين امتلاك رؤية تصميمية.
التاريخ الذي يقدمه الكتاب ليس هو القيمة الحقيقة فحسب، وإنما في ذات الوقت يكشف لنا أن جوهر التصميم لم يكن يوماً في الأداة وحدها، بل في القدرة على الاختيار والتنظيم والاختزال وبناء الدلالة وتوجيه المتلقي. ولهذا فإن دراسة هذا التاريخ تمنح المصمم المعاصر وعياً نقدياً يجعله أقل خضوعاً للتقنية وأكثر قدرة على استخدامها.
كما أن الكتاب يوضح أن كل تحول تقني أعاد تعريف وظيفة المصمم: الطباعة وسعت مجال المعرفة، والملصق وسع مجال الاتصال الجماهيري، والإعلان ربط التصميم بالسوق، والرقمنة ألغت كثيراً من الحدود المادية، والذكاء الاصطناعي يعيد اليوم تعريف العلاقة بين الفكرة والتنفيذ. ومن هنا فإن أهمية الكتاب لا تتوقف عند توثيق الماضي، بل تمتد إلى فهم مستقبل المهنة نفسها.
إن المصمم المعاصر لا يحتاج فقط إلى معرفة كيف ينتج الصورة، بل إلى معرفة لماذا ينتجها، ولمن، وما الأثر الذي ستحدثه، وما القيمة التي تضيفها في عالم مشبع بالصور. ولهذا يمكن أن نقول بأن كتاب “تاريخ التصميم الكرافيكي” يمثل محاولة اكاديمية مهمة لتقديم تاريخ واسع وممتد للتصميم، من جذوره الحضارية الأولى إلى أكثر تقنياته المعاصرة تعقيداً. وتنبع أهميته من أنه لا يفصل التصميم عن تاريخ الإنسان والثقافة والاتصال، بل يضعه داخل سلسلة طويلة من التحولات في العلامة والصورة والكتابة والطباعة والتقنية.
وإذا كان الكتاب يبدأ من الرمز الأول وينتهي بالذكاء الاصطناعي، فإن أهم ما يكشفه هذا المسار هو أن التصميم لم يكن في أي مرحلة مجرد صناعة شكل جميل، بل كان دائماً وسيلة لتنظيم المعنى. ولهذا فإن القيمة الأعمق للكتاب تكمن في أنه يعيد للمصمم وعيه بتاريخ مهنته، ويذكّره بأن التقنية مهما تطورت لن تكون بديلاً عن الفكرة.
فالآلة قادرة على إنتاج الصورة، لكن الإنسان هو الذي يحدد سبب إنتاجها، والمعنى الذي تحمله، والأثر الذي ينبغي أن تحدثه. ومن هنا تظل قيمة المصمم مرتبطة بقدرته على صناعة المعنى وتوجيه التقنية، لا بالاكتفاء باستخدامها.
وفي الختام يمكننا القول علينا أن نفتخر بوجود كتاب مثل “تاريخ التصميم الكرافيكي” ـ وهو بهذه القيمة العلمية والأكاديمية ـ في المكتبة العراقية والعربية.