بينَ غُبار الرّكامِ المُتصاعد من جنوب لبنان، وهديرِ الطّائرات الحربيّة التي لا تهدأ فوق بيروت وضاحيتها الجنوبيّة، تنمو خلفَ السّتار لغةٌ أخرى، لغةٌ لا تكتفي بقعقعةِ السّلاح، بل تُفتّشُ عن بوّاباتِ نجاةٍ تسير عبر خطوطِ تفاوضٍ خلفيّةٍ بالغةَ التّعقيدِ، تتنقّل فيها الأوراقُ بينَ عواصمَ متباعدة، من طهران وإسلام آباد مروراً بالدّوحة وبرلين وصولاً إلى عين التّينة.
يُدركُ الميدان أنّ الحروبَ، مهما بلغت شراستُها، تنتهي في نهايةِ المطافِ عند حافّة الطّاولة، وأنّ الرّسائلَ المُتبادلة تحتَ تلك الطّاولة وتوزيع الأدوارِ بين حامليها هما اللذان سيَرسُمانِ الملامِحَ الحقيقيّة لليومِ التّالي.
تُفيدُ المعطيات المُستقاة من مصدرَيْن، محلّي وإقليميّ لـ”أساس” أنّ حراكاً حثيثاً يقوم على تبادلِ الرّسائل بين “الحزبِ” والولايات المُتّحدةِ الأميركيّة لم يعد مقتصراً على وسيطٍ واحد، بل تجري هندستهُ عبر أربعِ قنواتٍ رئيسة مُتوازية أغلبها لا يمرّ بالضّوء:
– قناة إسلام آباد: يتولّاها ممثّلُ “الحزبِ” في إيران السّيد عبدالله صفيّ الدّين، شقيق الأمين العامّ السّابق السّيّد هاشم صفيّ الدّين، وابن خالة الأمين العامّ الأسبق السّيد حسن نصرالله، الذي يتبادل الرّسائل عبر الباكستانيّين مع فريق المبعوث الأميركيّ الخاصّ إلى إيران ستيفن ويتكوف.
– قناة الدوحة: يقودها مسؤول العلاقات الدوليّة في “الحزب” السّيّد عمّار الموسويّ، وتتعدّى الجانب الأميركيّ لتبحث ملفّات تقنيّة مع جهاتٍ إقليميّة مُتعدّدة.
– قناة عين التينة: يُمثّلها رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي مع السّفير الأميركيّ لدى لبنان ميشال عيسى، ويتقاطعُ “الحزبُ” معها تنظيميّاً عبر الوزير الأسبق محمّد فنيش والمسؤول أحمد مهنّا.
عبدالله صفيّ الدّين: رجلُ الظّلِّ
في هذه الهيكليّة المُعقّدة لـ”قطارات الحبرِ”، يبرزُ دور السّيّد عبدالله صفيّ الدّين كأحدِ العقولِ اللوجستيّة والدّبلوماسيّة في الظلّ. لم يُغادر صفيّ الدّين الأراضي الإيرانيّة إلّا في مناسبةٍ فارقةٍ في شهر نيسان الماضي، حينَ سافر برفقة الوفد الإيرانيّ الرّسميّ المُتّجه إلى العاصمةِ الباكستانيّةِ للقاء الوفد الأميركيّ برئاسة نائب الرّئيس جي. دي. فانس.
تكتسبُ هذه الحركةُ دلالة استراتيجيّة كبرى بالنّظرِ إلى ما كشفهُ المصدر الإقليميّ لـ”أساس” من أنّ رحلةَ صفيّ الدّين “التّاريخيّة” برفقةِ وفدِ طهران نُفِّذَت بناءً على ضماناتٍ أميركيّة مُسبقة، وبمواكبةٍ جوّيّة لصيقةٍ من سلاحِ الجوّ الباكستانيّ. يعكُسُ هذا الغطاء الجوّيّ – الأمنيّ الوزنَ الذي تضعهُ واشنطن وحلفاؤها على هذه القناةِ التي تُمثّل لسان حالِ القرار الفعليّ.
يعملُ صفيّ الدّين بتنسيقٍ كاملٍ وعضويٍّ مع عمّار الموسويّ، تنفيذاً لتوجيهات دقيقةٍ ومُشدّدةٍ من الأمين العامّ لـ”الحزبِ” الشّيخ نعيم قاسم، الذي يُصرّ في هذه المرحلةِ المفصليّة على احترامِ توزيعِ المهامِّ والمسؤوليّات القياديّة داخلَ الهيكليّةِ، وعلى أن يبقى صفيّ الدّين على تواصلٍ مباشرٍ ودائمٍ معه عقب كلّ جولةِ تبادل رسائلَ لإحاطتهِ بالنّتائج أوّلاً بأوّل.
ثِقلُ باكستان.. مرونةُ الدّوحة.. محوريّة عين التّينة
لا يعكسُ تعدّدُ القنواتِ تشتّتاً بقدرِ ما يعكسُ توزيعاً وظيفيّاً مدروساً بعنايةٍ:
– باكستان: الممرّ الاستراتِيجيّ الصّعب
تُمثّل إسلام آباد نقطةَ التقاءٍ فريدة. فهي دولةٌ مُسلمةٌ مُسلّحة نوويّاً، وتحتفظُ بعلاقاتٍ وثيقةٍ وأمنيّةٍ مع واشنطن، وفي الآن ذاتهِ تتشاركُ حدوداً ومصالحَ حيويّة مع طهران. جعلَ منها هذا المزيجُ الممرّ الأكثر أماناً وثقةً لنقل الرّسائلَ الصّلبة.
– قَطَر: الدّبلوماسيّة الإقليميّة المرِنة
تُواصلُ الدّوحة لعبَ دورها التّقليديّ المتمثّل في كونها مركزاً حيويّاً للمفاوضات غير المُباشرة. لا تقفُ القناة التي يقودُها عمّار الموسويّ عند حدودِ الطّرفِ الأميركيّ، بل تنفتحُ “على أكثرِ من صعيدٍ” لتشملَ قوى إقليميّة أخرى، مُركّزةً على التّرتيباتِ اللوجستيّة والتّقنيّة وحركتها منسّقة مع السعودية.
– القناةُ الثّالثةُ: نبيه برّي وميشال عيسى
هُنا يقعُ ثقل “الشّيعيّة السياسيّة” الرّسميّة. يقودُ الرّئيس نبيه برّي تفاوضاً مباشراً ومُنهدساً بدقّة مع السّفير ميشال عيسى. ليسَت هذه القناةُ معزولةً عن بيئتها. إذ يتقاطعُ “الحزبُ” معها عبر مستوياتٍ قياديّة تُمثّل عصبَ التّواصلِ السّياسيّ في فريق نعيم قاسم الجديد: الوزير الأسبق محمّد فنيش وأحمد مهنّا. تضمنُ هذه الصّيغة لعينِ التّينة القدرة على صياغةِ المواقفِ السّياسيّة لتكون الواجهة اللبنانيّة الصّلبة في التّفاوضِ مع واشنطنِ، ومعها تل أبيب.
مشرحةُ الرّسائل: شُروط واشنطن ومطالبُ “الحِزب”
لا تضيعُ خلفَ كواليسِ التواصل الرّسائلُ المُتبادلَة في صياغاتٍ إنشائيّة، بل تغوصُ في ملفّات بالغة الحساسيّة والدّقّة ترسمُ اشتباكَ الشّروط والوعودِ ومُستقبل الجغرافيا وما بعد دفنِ القرار 1701:
– أوّلاً: ما تطلبُه واشنطُن وتُصرّ عليهِ:
– وقفُ الحربِ والانسحابُ المُتزامن: السّعي وراءَ صيغةٍ تُنهي العمليّات العسكريّة، يعقبها انسحابٌ إسرائيليّ من مناطق التّوغّل في جنوب لبنان، مقابل انسحابِ مقاتلي “الحزبِ” (لائحة تتضمّن 2,300 اسمٍ) من كامل جُغرافيا جنوب الليطاني وضمانِ عدم عودتهِم إليها مُطلقاً.
– أن تكونَ منطقة “الخطّ الأصفر” هي “المنطقة التجريبيّة” للانسحابِ الإسرائيليّ وانتشارِ الجيشِ اللبنانيّ، ويدورُ المُقترح الأوّليّ حول أن يكونَ الاختبار والمُنطلق من مناطق “زوطر الغربيّة” و”زوطر الشّرقيّة” و”يحمر الشّقيف”. ومن هُنا قد يُفهم لماذا رافقَ قائد الجيش العماد رودولف هيكل ضابِطان من “مديريّة الجغرافيا” في زيارتِه الأخيرة لإسلام آباد.
– هندسةُ إعادة الإعمار والرّقابة الماليّة – الإنشائيّة: تشترطُ واشنطن ألّا تُترك أموال إعادةِ الإعمار بلا ضوابط. إذ تُطالبُ أن تتمّ العمليّة برمّتها عبر صندوقٍ خاصٍّ يخضعُ لمراقبة وتدقيقٍ ماليّ وإداريّ مُستقلّ وصارم. والشّرط نفسه ينطبقُ على الخطواتِ الإنشائيّة لضمانِ عدم استغلالِ إعادةِ الإعمار لإعادةِ حفر الأنفاقِ الهجوميّة والدّفاعيّة.
– التّفاوض المباشر وعدمُ العرقلة: تضمّنت المطالبُ الأميركيّة ضغطاً واضحاً لتقديمِ “الحزبِ” ضماناتٍ صريحةً بعدم عرقلة مسار المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة المُباشرة الرّامية إلى إنهاءِ حالةِ العداء بين بيروت وتل أبيب والتّوصّل إلى اتّفاقٍ وترتيباتٍ أمنيّة، وربّما اقتصاديّة.
– منطقة “منع الاشتباك”: إنشاءُ منطقةٍ عازلةٍ “صُغرى” (Buffer Zone) على عمقِ كيلومتريْن من الحدود الجنوبيّة للبنان، يُمنع دخولها وتكونُ خالية من أيّ مظهرٍ مُسلّحٍ تحت طائلةِ التّعامل معها عسكريّاً.
– إنشاءُ نقاط مراقبةٍ لتنفيذِ المنطقة العازلةِ على “نقاطٍ حاكمة”.
– تسليمُ المنشآت غير المُكتشفة وتدمير ما اكتُشِف: يقضي بندٌ أميركيّ بأن يُسلّمَ “الحزبُ” كلّ المنشآت العسكريّة والأنفاق والمخازن الارتكازيّة التي لم يكتشفها الجيش اللبنانيّ ولم يكتشفها الجيش الإسرائيليّ حتّى الآن في منطقة جنوب الليطاني، وتسليم وتفكيك منشأتَيْ “علي الطّاهر” و”برغز” الواقعتَيْن شمالَ النّهر لكن على مسافةٍ غير بعيدة إطلاقاً من الحدودِ في القطاع الشّرقيّ.
– ثانياً: ما يَطرحُه “الحِزبُ” ويُطالبُ بِه:
– الانسحابُ الإسرائيليّ الكامل وانتشارُ الجيش اللبنانيّ والانسحاب العسكريّ لـ”الحزبِ” من جنوب الليطاني، لكن من دون فرضِ شروطٍ على عدم عودة عناصره الذين يُقيمون في قراهم الواقعة جنوب النّهر.
– تحريرُ الأسرى: يضعُ “الحزبُ” على رأسِ أولويّاتِهِ إطلاق سراحِ جميعِ معتقليه وأسراهُ والمدنيّين الذين احتجزتهُم القوّات الإسرائيليّة خلال التوغّلات البرّية والعمليّات الأخيرة وفي 2024، وهو شرط لا تخلّيَ عَنهُ لإتمامِ أيّ تَفاهُمٍ.
– تَرحيلُ ملفّ شمالِ اللّيطانِي: يَطلبُ “الحزبُ” تأجيلَ أيّ بحثٍ أو نقاشٍ يَتعلّق بحصرِ السّلاحِ أو تفكيكِ البُنيةِ العسكريّة في المنطقةِ الواقعةِ شمال نهر اللّيطاني، مُعتبراً أنّ الأولويّة الرّاهنة هي لترتيباتِ الحافّة الحدوديّة فَقَط.
– الاستراتيجية الدفاعيّة مِظلّة للسّلاح: يَتمَسّكُ “الحزبُ” بأن يُعالجَ ملفّ سلاحِهِ ومُستقبلهِ حصراً تحتَ سقف “استراتيجية دفاعيّة وطنيّة” يُتوافَقُ عليْها داخليّاً، على أن تَشملَ هذه الاستراتيجية بنداً أساسيّاً يتعلّقُ بتسليحِ وتدريبِ الجيش اللبنانيّ لرفعِ قُدُراتِه، بدلاً من طرحِ صيغِ التّفكيك الفوريّ والمباشَر.
برلين في الخلفيّة… ومُعادلةُ وفيق صفا الغائب
تتقاطعُ هذه المُعطيات مع معلوماتٍ إضافيّة تُؤكّدُ فتحَ “قناةٍ خلفيّةٍ” رابعة موازيةٍ عبرَ الاستخبارات الألمانيّة، والاستفادة من التّاريخِ الطّويلِ لبرلينَ في رعايةِ صَفَقَاتِ تبادُلِ الأسرى والملفّاتِ الأمنيّة المُعقّدة بينَ “الحزبِ” وإسرائيل.
غير أنّ المُفارقةَ التي تفرضُ نفسها على هذا المَشهدِ المُتشَابِك هي الغِياب لعضو المكتب السّياسيّ وفيق صفا. يبدو صَفا، الرّجلُ الذي ارتبطَ اسمهُ تاريخيّاً بكونِه مهندسَ الاتّصالاتِ الخارجيّة والدّاخليّة لـ”الحزبِ”، والذي قادَ المُفاوضاتِ مع الألمانِ مرّتيْنِ، خارجَ هذهِ الدّوائر.
يَعكُسُ هذا الغيابُ، مع توزيعِ المَهامِّ الجديدِ تحتَ مظلّةِ “الشّيخ نعيم”، تحوّلاً بنيويّاً داخلَ “الحزبِ” وتصعيداً لشخصيّاتٍ تمتَلِكُ أبعاداً سياسيّةً وتنظيميّةً تتماشَى مع مُتَطَلّباتِ المرحلة. يشتعلُ الميدانُ بالحديدِ والنّارِ، لكنّ قطاراتِ الحبرِ والرّسائلَ السّريعةَ عبر القنوات تبدُو أسرع، والجَميعُ يُسابِقُ الوقتَ بانتظار اللّحظةِ التي تَفرضُ فيها الدّبلوماسيّة كلمتَها الأخيرة.
