
لم يكن مفاجئاً أن يصرّح الأمين العام لحزب الله بعدم وجود مانع من اللقاء مع القيادة السورية الجديدة، في الوقت المناسب، بعد تأكيده على أهمية “العلاقة الأخوية” بين الدولتين. تصريح نعيم قاسم سبقته تصريحات لمسؤولين آخرين في الحزب، أبدوا ارتياحهم إلى موقف دمشق “الحيادي” في خضم الضغوط الإسرائيلية والأميركية التي تستهدف الحزب وعلاقته بطهران. في المقابل، لم تكن التصريحات الصادرة عن دمشق على الدرجة نفسها من الإيجابية، ومن المفهوم أن المسؤولين فيها لا يستطيعون التحدث بإيجابية وتناسي مشاركة الحزب في المقتلة السورية، حتى إذا أرادوا ذلك ضمناً.
ما يحكم العلاقة بين الجانبين هو درأ الاحتمالات الأسوأ، وتحاشي التصادم الذي ليس لمصلحة أيّ منهما حالياً. فمن جهة الحزب، يعلم أنه لن يستعيد الوضعية التي كانت أيام الأسد، و”الخط العسكري” بين الطرفين اُقفل بقرار دولي وإقليمي، وليس من المسموح استعادته، فضلاً عن أن السلطة الجديدة في دمشق يستحيل أن تكون ممراً بين طهران والضاحية الجنوبية.
الإيجابية الوحيدة التي يمكن أن يساهم فيها الحزب هي عدم عرقلة وجود علاقات مستقرة بين لبنان وسوريا. وهذا حدث حقاً. إذ لم يعترض الحزب على التواصل الرسمي بين بيروت ودمشق، ولم يستهدف إعلامياً قادة لبنانيين انفتحوا على دمشق بعد الأسد. ولا يخفى أن معظم القادة اللبنانيين ساعدوا في ترطيب الأجواء بين دمشق والحزب، انطلاقاً من القناعة بأن التصعيد بينهما سيرتدّ كارثة على العموم، لا عليهما فقط. أي أن توجه اللبنانيين نحو دمشق بعد الأسد لا يتعارض مع ما يريده الحزب، والأخير قادر على وضع الفيتو في الوقت المناسب إذا رأى العكس.
يُذكر أن الوصاية السورية بكافة مفاعيلها قد انتهت منذ عشرين سنة، ومن المستبعد أن تكون هناك مجدداً مظلةٌ دولية وإقليمية لإعادتها. تلويح ترامب المتكرر بالعصا السورية ضد الحزب لن يكون من السهل تنفيذه، ولا توجد أوراق ضغط أخرى تملكها السلطة في دمشق، بما أن وجودها أصلاً قطع خط إمدادات الحزب من إيران، ما جعله محاصَراً إلى حد كبير تحت الضغط العسكري الإسرائيلي. ينبغي حدوث انقلاب ضخم جداً في طبيعة السلطة اللبنانية لتخيُّل دور سوري مختلف بناءً على موافقتها، والتغيير دونه حرب أهلية.
العلاقة الممكنة بين دمشق وبيروت هي العلاقة الحالية، المُرضية أيضاً للحزب. هي علاقة ودية، مُرضية أيضاً للأفرقاء اللبنانيين الآخرين لأن السلطة السورية لا تملك ذراعاً ضاربةً لها من خارج نظيرتها اللبنانية، فلا طرف يستقوي بها كما كان يحدث أيام الوصاية. ويجوز أيضاً وصفها بأنها في حيّز الضرورة التي يمليها تجاورهما وتبعاته التاريخية، من دون أن تتعدى هذا الحيّز في اتجاه فتح الملفات الشائكة المزمنة بين الجانبين. واحد من الأمثلة هو عدم ترسيم الحدود، وقد نظر سابقاً إلى امتناع دمشق عنه كإجراء يمكّن الحزب من القول إنه يقاوم لاسترداد أراضٍ لبنانية، في حين لا يوجد مؤشّر على تغيير في موقف دمشق، فالشرع صرّح قبل مدة بأن لا مشكلة في الترسيم، لأن الأهم هو انسحاب إسرائيل، الذي وضعه قبل الترسيم.
لقد كان ينُظر أيضاً إلى الأسد كحائل دون علاقات طبيعية بين البلدين؛ هكذا كانت نظرة معظم اللبنانيين وقسم من السوريين. ومن المحتمل جداً أن يشغل الحزب المكانة التي كانت للأسد، فيُرى كحجر عثرة في الطريق بين دمشق وبيروت، وقد يستمر هذا الحال طويلاً، أو طالما بقي الحزب على بنيته وبرنامجه المعروفين. بعبارة أخرى، قد يبقى الحزب واجهة لعلاقات “مترددة” بين البلدين، بينما يغطّي على مشاكل أعمق تخصّ نظاميهما السياسيين.
المفارقة هي أن الحزب أقرب نظرياً إلى أدبيات “هيئة تحرير الشام” الحاكمة في دمشق، والحزب الذي يعتنق “ولاية الفقيه” يتشارك مع الهيئة في الموقف من الديموقراطية، ولو أنه مضطر للامتثال للديموقراطية اللبنانية على علاتها. في حين أن الأفرقاء الأقرب إلى السلطة السورية الجديدة يُفترض أنهم من معتنقي النموذج اللبناني، بديموقراطيته المتعثّرة وبحرياته الأشد رسوخاً، وهؤلاء إجمالاً ينظرون إلى تراجع الحريات في سوريا كشأن داخلي خاص لا علاقة لهم به، ولا يرون أنه ينعكس على العلاقات بين البلدين.
واحد من الأمثلة البسيطة على الفوارق بين البلدين أننا لا نتوقع في المدى المنظور رؤية أفرقاء سوريين يزورون لبنان ويلتقون بقياداته في السلطة وخارجها، على غرار قدوم قيادات لبنانية إلى دمشق. لا يُتوقّع أيضاً، ضمن المسار الحالي، أن يرتفع منسوب الحريات العامة في سوريا، الفردية والشخصية منه أولاً، ليبقى لبنان النموذج القريب جداً جغرافياً، والذي لا ترغب فيه سلطات دمشق، وهو ما كان عليه منذ انقلاب البعث على الأقل.
لا يصعب فقط تصوّر نشوء علاقات عميقة وجيدة بسبب حزب الله وحده، وإنما يصعب تصوّر نشوء مثل هذه العلاقات بسبب اختلافات أعمق لا تتعلق أيضاً بالجرح السوري الذي خلّفه “سلخ” لبنان عن سوريا الكبرى. ليست وحدها الذاكرة الدموية لمشاركة الحزب في قتل السوريين ما يعيق التطبيع الواسع والعميق بين الجانبين، بل أيضاً الأرضية الملغومة للعلاقات بينهما، واللغم الأكبر فيها فشل المحاولات في جعل لبنان على شاكلة سوريا، أو غيرها من بلدان المنطقة.
العداء للحزب مفهوم إذا صدر عن دمشق، ويكفي لإثبات مشروعيته استرجاع خطابات قيادات الحزب أثناء مشاركته في قمع السوريين. لكن، كما يعلم معظم السوريين، العداء “المبرر والمشروع” لا يعني الانحياز إلى خصوم الحزب في لبنان إلا لأنهم خصومه فحسب، أي من دون أي رابط مبدئي بين دمشق وخصوم الحزب في لبنان. ذلك بالطبع لن يغيب عن القوى اللبنانية التي قد يراهن بعضها على استخدام دمشق ضد الحزب، من دون إيلائها الثقة. في المحصّلة، لن تكون ثمة أرضية من الثقة المستدامة حتى بين خصوم الحزب في البلدين.
في المدى المنظور لا تطبيع بين دمشق والحزب، ولا تطبيع بالمعنى الأعمق بين دمشق وبيروت. الظروف لم تنضج بعد لعلاقات طبيعية بين البلدين، بل ليس ثمة ما يشير إلى الرغبة فيها، إذا نحينا جانباً التصريحات ذات النوايا الطيبة التي كانت دائماً متوفرة. العقدة ليست فقط في حزب الله وما ارتكبه في سوريا، ولا فقط في عهد وصاية الأسد على لبنان، هي فيما جعل اللبنانيين قديماً يسعون للاستقلال عن الشقيق الأكبر، وفيما جعل لبنان طوال عقود مقصداً لسوريين هاربين من ضيق بلادهم إلى رحابة الشقيق الأصغر!