
قبل أكثر من عام كتبنا في “المدن” مقالاً عن “قمح السوريين بعد الأسد.. ما الذي تغيّر؟”. كان قد مضى نحو ستة أشهر ونيف على سقوط النظام البائد، ولم تكن المعادلات الرئيسية التي حكمت اقتصاد القمح في سوريا بالسنوات الأخيرة قد تغيّرت بصورة كبيرة، باستثناء المعادلة المتعلقة منها بحصرية استيراد القمح من روسيا بالدين. أما اليوم، بعد أكثر من سنة ونيف على سقوط النظام، تغيّرت معظم هذه المعادلات، لتبقى واحدة منها فقط، وأكثرها تعقيداً، قابعة في أساس هذا الاقتصاد، لتشكّل أبرز تحديات الانتقال إلى مستقبل يتمتع بجدوى واستدامة أعلى.
لنبدأ بالمعادلة التي شهدت أولى التغيّرات منذ أكثر من سنة. فسوريا لم تعد تستورد قمحاً روسياً، حصراً، بتسهيلات ائتمانية كبيرة، كما استقر عليه الحال خلال السنوات الأخيرة من حكم بشار الأسد. ولا يعني ذلك أن روسيا فقدت السوق السورية تماماً، بل على العكس، حرصت الجهات الروسية المعنية وكذلك مؤسسة الحبوب السورية على إزالة العقبات التي تعرقل استيراد سوريا للقمح الروسي. ما تغيّر أن سوريا تنوّع مصادر وارداتها من القمح اليوم، لتشمل أوكرانيا ورومانيا والعراق، وأصبح على روسيا تقديم مزايا تسمح بالمنافسة مع القمح الأوكراني مثلاً. كذلك، لم يعد الاستيراد بموجب تسهيلات ائتمانية كبيرة تضمنها السلطات الروسية، فشركات الحبوب الروسية التي لم تحصل على مستحقاتها من عهد الأسد، لم تحصل عليها حتى اليوم، وفق المعلومات المتوفرة، حتى بعد أن رفعت شركة بالادا الروسية اثنتين من الدعاوى القضائية، الأولى قبل أكثر من سنة لتحصيل 71 مليون دولار، والثانية نهاية العام الفائت لتحصيل 135 مليون دولار. ولم تصدر أحكام قضائية نهائية بهذا الخصوص، وفق المتاح من المعلومات، ناهيك عن رفض محكمة موسكو التجارية طلب الشركة فرض تدابير مؤقتة كالحجز على أصول سوريّة في روسيا. ورغم ذلك، ناقشت وزارة الاقتصاد السورية مع وزارة الزراعة الروسية سبل تعزيز التعاون في مجال التعاقد على توريد القمح الروسي إلى سوريا، نهاية العام الماضي. وذلك قبل أن يطرأ متغيّر نوعي في موسم 2026 سيقلل من حاجة سوريا للاستيراد بصورة كبيرة هذا العام، ما سيخفف من أثر الضغوط الأميركية على الجانب السوري والخاصة بالحد من استيراد النفط والقمح الروسي.
وهو ما يحيلنا لمعادلة ثانية، تغيّرت هذا العام، بعد أن بقيت لسنوات عنواناً لتحديات زراعة القمح في سوريا. إنه الجفاف الذي وصل العام الفائت إلى ذروة غير مسبوقة في آخر 60 عاماً، مما أدى إلى تضرر نحو 95% من القمح البعلي، ونحو 30 إلى 40% من القمح المروي. هذه المعادلة انقلبت هذا الموسم، والذي تميّز بوفرة استثنائية في الأمطار، فارتفع حجم الإنتاج المحلي من أقل من 1 مليون طن عام 2025 إلى أكثر من 3.5 مليون طن للعام 2026. بطبيعة الحال، فإن تغيّر هذه المعادلة غير مستدام بالضرورة. ويشترط تدخّل عوامل بشرية، تُحسِّن ظروف زراعة القمح، بحيث لا تبقى مرتكزة على المناخ وتقلباته. إحدى هذه التدخلات الملحة، المسارعة في تسليم مستحقات مزارعي القمح ومعالجة أزمة السيولة وتعقيدات صرف المستحقات من جانب السلطات المعنية، بما يوفّر ملاءة مالية تسمح للمزارعين بالاستعداد للموسم المقبل بالشكل المناسب. وعلى مدى زمني أبعد، يجب مساعدة المزارعين في تمويل بناء منظومات ري بالتنقيط والحد من رهانهم على وفرة المياه الطبيعية، عبر قروض ميسّرة أو منح مالية.
وهو ما يحيلنا لأكثر المعادلات تعقيداً واستقراراً في زراعة القمح، بالسنوات الأخيرة، والتي لم تشهد تغيّراً يُذكر هذا الموسم أيضاً. فما زال القمح السوري أغلى من المستورد. وحتى بعد تحديد تسعيرة إجمالية بنحو 330 دولاراً (وفق سعر الصرف حين صدور القرار الشهر الفائت)، لا يزال كثير من مزارعي القمح مقتنعين بأنهم ظُلموا في تحديد التسعيرة الرسمية، مع الإشارة إلى أنها أغلى بنحو 40 إلى 50 دولاراً مقارنة بسعر طن القمح الروسي أو الأوكراني، واصلاً إلى الميناء. إحدى أسباب هذه المعضلة ترتبط بارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب تراجع الدعم الحكومي لمدخلات الإنتاج إلى جانب سمة تفتت الحيازات الزراعية التي تشكّل أبرز نقاط ضعف الاستثمار في القطاع الزراعي السوري. وهي معضلة تتطلب معالجة استراتيجية بعيدة المدى. لكن يجب على السلطات المعنية البدء بالوقوف عليها، أولاً، والبحث في خطط لمعالجتها، بدلاً من البقاء ضمن هامش الخيارات التكتيكية، من قبيل رفع السعر كلما احتج المزارعون، وإثقال كاهل الموازنة سنوياً، بسعر أعلى من سعر الاستيراد. ولا يعني ذلك الاتجاه نحو خيار الرهان على الاستيراد باعتباره أقل كلفة، لأن ذلك يعني الارتهان لعلاقات دولية ولأزمات جيوسياسية مضطربة ومتغيرة، بصورة تهدد أمن البلاد الغذائي. فالحل المستدام هنا، هو الحفاظ على القمح كمحصول استراتيجي يوفّر قاعدة لأمن الغذاء بسوريا، في الوقت نفسه، تحويل زراعته إلى حالة الجدوى الاقتصادية لصالح المزارع والحكومة، في آن.
وبذلك نصل إلى رابع المعادلات، والتي تغيّرت بالمطلق. فبعد ست مواسم متتالية تميّزت بالتنافس بين سلطات الأمر الواقع في الخريطة السورية على شراء أكبر قدر ممكن من القمح المحلي، تميّز الموسم الحالي بسلطة واحدة، هي المعنية بشراء هذا القمح. وهو أحد العوامل الرئيسية التي تسببت في ارتفاع حصيلة القمح المستلم من المزارعين لتتجاوز 2.7 مليون طن مقارنة بأقل من 700 ألف طن في العام الفائت. وإن كانت إحدى نتائج ذلك، تراجع المنافسة المتاحة للمزارعين، والتي دفعت الحكومة السورية بدمشق، العام الفائت، إلى تحديد سعر مرتفع لشراء طن القمح وصل إلى 450 دولاراً بهدف تعزيز منافستها مع سلطة “قوات سورية الديمقراطية-قسد” في “شرق الفرات” –سابقاً- فيما حددت في الموسم الحالي سعر شراء بنحو 330 دولاراً فقط. فلا منافس لها اليوم في شراء قمح السوريين.