طالب عبد العزيز… جريدة المدى
منحني فيلم (قتلة زهرة القمر) killers of the flowers الذي صنعه المخرج العبقري مارتن سكورسيزي فرصة لتأمل ما عاناه الممثل ليوناردو دي كابريو (ويلي) الأمريكي الأبيض، من صعوبة في اقناع زوجته ليلي جلادستون(مولي) الهندية، بأخذ جرعة الانسولين، هي المريضة بداء السكري، والتي تنتمي الى أمّة الاوساج، سكان ولاية أوكلاهوما الاصليين، الامّة التي تعرض ذووها الهنود الحمر الى القتل على أيدي المهاجرين البيض في عشرينات القرن الماضي. الفيلم الذي يوقفنا على همجية رجال الاعمال من المهاجرين الاوربيين، الذين لم يجدوا في أجساد هؤلاء حرمة تمنعهم من الاستحواذ على الأرض والمال والنفط، على الرغم من جملة القوانين التي شُرّعت ومنعت بموجبها القتل والسرقة.
ما يعرض علينا من أفلام وصور السرقات التي قام بها المسؤولون العراقيون يختلف عن سرقات هؤلاء المهاجرين، إذْ نحن في العراق أمام سرقات عراقيين غير مهاجرين، فهم مواطنون كانوا يعانون من سلطة نظام دكتاتوري(ظالم، ومستحوذ، وقاتل) بوصفهم، جاؤوا ليخلصوا أبناء جلدتهم منه، والسعي لإيجاد حياة بديلة ولائقة بهم، وهم مسلمون جدّاً، وبكاؤون على الحسين ومقاتل أهله، ويسعون بكل ما أوتوا من صلواة وصيام وأداء مناسك وحج وزيارة الى مرضاة الله ونبيه وأئمته، وذلك كله واضح ومؤشر في جباههم، التي نخرها الورع وسودتها الأرض بالسجود، فهم لا يتركون موكباً إلا ونحروا الذبائح وطبخوا اللحم بالرز والقيمة النجفية فيه، فتراهم متحزمين ومسرفنين وخائطين وموزعين وكل ذلك من أجل الفوز بالجنة. ألم يكونوا؟
كانت تلك الصورة النمطية المأخوذة عن الدين ورجاله مع أنها لم تكن كذلك، وقطعا ما هي بالوصف هذا، ولا هي بما في تصورنا الحالي عن رجل الدين والمتدين، فهو التقي الورع الساعي للخير والذي لا تمتد يده للحرام ووو لكن، مؤسف أن منح هؤلاء اللصوص والقتلة الصورة السيئة عن الدين والتدين، إذْ أنَّ الرأي السائد، والذي نطالعه كل يوم هو أنَّ السياسي المتدين لصٌّ بامتياز، وقاتل أيضاً، وإلا من سرق الأموال ومن قتل التشرينيين؟ ألم تكن الأموال لعراقيين اصلاء؟ أما كان التشرينيون سكان البلاد الأصليين، ولم يأتوا من قبائل الاوساج في أوكلاهوما، ولم يقتلهم مهاجرون أوربيون ومسيحيون، إنما كانوا أبناء جلدة قتلَتهم، وشركاءهم في القومية والدين والمذهب والطائفة أيضاً.. يا ترى من أي طينة خلق هؤلاء؟
حتى اللحظة هذه لم يستقر في وجدان العراقيين أنَّ حكومة السيد الزيدي جادة في ملاحقة اللصوص والقتلة! بل، وفي يقينهم لن تكون زيارته الى واشنطن مختلفةً عن زيارات أسلافه(المالكي، العبادي،الكاظمي، السوداني) الذي عادوا بالجمل البليغة والقرارات الصادمة والطموحات العظيمة ووو لكنَّهم سرعان ما تنصلوا عنها و(تي تي تي مثل ما رحت اجيتي) السؤال الاعمق من ذلك هو إلى اين نحن سائرون؟ والى متى ستظل احباطات الشعب المسكين؟ ومن يدري؛ ففي ضوء ما البلاد عليها من افلاس ستكون عودة التشرينيين الى التظاهر مرة أخرى واقعة، فالحكومة من حيث المبدأ عاجزة عن تأمين المال والكهرباء والخدمات الأخرى لذا فأمر خروج المتظاهرين متوقع ووارد أيضاً وستخرج الأحزاب عليهم ثانيةً، فاللصوص والقتلة ومن ظلَّ طليقاً حتى اللحظة هذه، جاهزون للإنتقام من كلِّ مخالف لهم، وقضية التخوين والانتماء لحزب البعث والعلمانية والشيوعية أسباب جاهزة ايضاً، وستنطلي على الشعب الذي ما زال في غرفة التخدير الديني التي لن تفتح ابداً.