ثمة طفرة في عدد قنوات اليوتيوب المهتمة بسوريا تقدم محتوى ناقداً للسلطة الانتقالية في دمشق، لا تستقطب إلا أعداداً هزيلة من المشاهدات، وهو ما يعني غياب “الجدوى الاقتصادية” بالنسبة للقائمين عليها. الغاية منها إذن هي التأثير في الرأي العام، أكثر من كونها تحقيق مكسب مادي لأصحابها كحال قنوات أخرى، غير سورية، وغالباً غير سياسية، تخاطب جمهوراً كبيراً من المهتمين. هذا الوضع يضع إشارات استفهام محقة حول احتمال وجود جهات ممولة وراء القنوات ذات الاهتمام السوري.
ولكن بعيداً عن إطلاق تكهنات بشأن ممولين مفترضين، يمكن إلقاء الضوء على المحتوى الذي تقدمه تلك القنوات التي نلاحظ تشابهها حد التطابق مع تغيير أسماء القائمين عليها ومستوى مهاراتهم، والضيوف الذين يتم الحوار معهم. والضيوف هؤلاء يتكرر ظهورهم على تلك القنوات، ويتنقلون بينها ليكرروا غالباً الكلام نفسه.
من يتابع شيئاً من حلقات البودكاست في تلك القنوات يخرج بانطباع طاغٍ مفاده محاولة مستميتة من المحاوِر “لاستخراج” تصريح من الضيف بشأن رحيل قريب للسلطة الانتقالية في دمشق. فإذا حقق الضيف هذه “الأمنية” لاحقه صاحب القناة مطالباً بالمؤشرات التي دفعته لإطلاق هذه “البشارة”، فيمضي الضيف في تعدادها من خلال تأويل تصريحات دبلوماسيين أو تقارير مراكز أبحاث أو نقاشات جرت في الكونغرس الأمريكي أو مقالات تناولت الشأن السوري في صحف أجنبية، إضافة إلى تحليل وقائع معروفة ينتج عنها تأكيد متكرر على فشل السلطة الانتقالية في كل شيء وانتهاء صلاحيتها، وصولاً إلى حتمية التغيير.
قد يكون كل ذلك صحيحاً من حيث المعطيات التي يتم تناولها، ولا مانع إن استخدمها معارض في تحليله، لكن المشكلة هنا تتعلق بغياب حد أدنى من الموضوعية لدى القائم على القناة، وهو ما يفقد القناة أي مصداقية. فالمتابع يسعى غالباً وراء معلومة جديدة قد تغيب عن وسائل الإعلام العادية بسبب سياساتها التحريرية، أو تتناثر على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة مجتزأة أو مشوهة، فيغريه عنوان الحلقة الذي يصاغ بطريقة مثيرة من أجل الترويج والانتشار الواسع. لكنه يخرج غالباً بنتائج هزيلة، بالضبط بسبب غياب الموضوعية المشار إليه. نادراً ما يجابه صاحب القناة أقوال ضيفه بوقائع لا تتسق معها، أو يجادله حين يكون ذلك ضرورياً. أما إذا كان الضيف من البيئة الموالية للسلطة الانتقالية، ونادراً ما يحدث ذلك، فتتمثل “مهمة” صاحب القناة في تفنيد كلام الضيف ومجادلته وصولاً إلى الخروج على آداب الحوار.
هل المشكلة، في القنوات السورية، هي في الأشخاص القائمين عليها، أم في الضيوف الذين تتم استضافتهم، أم في تعقيد الموضوع؟
أتابع قنوات يوتيوب تركية أيضاً بحكم معرفتي باللغة ومتابعتي للشؤون التركية. فألاحظ فوارق كبيرة بينها وبين القنوات السورية. فمن حيث المشاهدات تبلغ عشرات الآلاف، وفي أكثرها شعبية مئات الآلاف. ومن حيث المضمون هناك إعداد أفضل، والتزام أكثر بمعايير إعلامية، واختيار جيد لضيوف بارزين في ميادين نشاطهم، فتشكل النتيجة إضافة مهمة للمتابع. لا ينطبق هذا التقييم على جميع القنوات التركية طبعاً، بل على أكثرها رواجاً.
ؤأظن أنها في “المهمة” التي ألزمت تلك القنوات نفسها بها، التي يمكن تلخيصها في جملة واحدة وحيدة: “متى ينتهي كابوس السلطة الانتقالية في دمشق؟”!
لا شك أن قطاعات واسعة من السوريين تتوق لهذه النتيجة، لأنها ببساطة متضررة منها، أو غير راضية عن أدائها، أو في موقع الخصومة الأيديولوجية معها. ولكن هناك بالمقابل قطاعات موالية لها ومتمسكة بها أو مراهنة على نجاحها أو لديها مخاوف من عودة النظام الساقط، بصرف النظر عن مدى واقعية هذه المخاوف. بكلمات أخرى السوريون منقسمون – كما كانوا دوماً على أي حال – ولا يمكن أن نتوقع نجاح أي عمل إعلامي يتجاهل هذا الانقسام فيحصر نفسه في زاوية ضيقة من مخاطبة رغبات جمهور محدد بإسماعه ما يرغب بسماعه، وتكرار هذه العملية كل يوم وعبر عدد كبير من القنوات، وكأن من شأن هذا التكرار أن يخلق تأثيراً على الواقع. ففي ذلك لا تختلف هذه القنوات عن “المؤثرين” المنافحين عن السلطة المبررين لكل أفعالها، إلا في كون الأخيرين يظهرون عدوانية شديدة مستمدة من استقوائهم بالسلطة.
كذلك يحسن الابتعاد عن إطلاق التكهنات بخصوص موعد رحيل السلطة بناء على مؤشرات غامضة وقابلة لتأويلات متعددة، والاهتمام، بدلاً من ذلك، بمتابعة الأحداث بموضوعية، ومراقبة اتجاهات الرأي العام على ضفتي الموالاة والمعارضة وما قد يطرأ عليها من تغيرات. وربما من المفيد تسليط الضوء على موضوعات نوعية خاصة بدلاً من البقاء في أسر التحليلات العمومية تحت عنوان “سوريا إلى أين؟”. فما أقل ما نعرفه مثلاً عن قطاع النفط في ظل سلطة دمشق، باستثناء أزمة المحروقات وردود الفعل عليها، وما أقل ما نعرفه عن قطاع التعليم، لولا جهود فردية مشكورة سلطت الضوء على فضيحة التغييرات في الكتب المدرسية. ولا نعرف شيئاً عما يفعله وزراء الحكومة باستثناء مواكب سياراتهم الفاخرة التي استفزت الناس.
ابتعاد السلطة عن الشفافية في عملها يلقي مهمات كبيرة على الإعلاميين في ظروف غير مؤاتية، في حين يدور القائمون على قنوات اليوتيوب في حلقة مفرغة من العموميات والتحليلات الرغبوية.
كاتب سوري