طارق حجي…. مجلة. الفراتس
مايو هو شهر نهاية الموسم الرياضي الكروي، لذا يشهد هذا الشهر احتفالات كرنفالية تتركَّز في حيّز محليّ أحياناً، أو تتخطى الأقطار والدول وفروقات التوقيت أحياناً أخرى، راسمةً شكلاً من التجمع العاطفي والحماسة القبلية التي تقاوم الفردانية، مثلما يرى الإناسي الفرنسي ميشيل ميافيزولي. تمثِّل مقاومة الفردانية هذه تأكيداً لحقيقة بسيطة مفادها أن الإنسان لا يحيا إلا ضمن فضاء مشترك يربطه بمن حوله. ولا يقتصر هذا على الارتباط بالبشر الآخرين عبر اللغة والآمال المشتركة، بل يرتبط الإنسان كذلك بمحيطه المكاني والزماني، بالأرض وبالعالم، عبر الذاكرة والهوية. وفي مقابل عابرية الحماسة الكروية ولحظيّتها، تترسخ الروابط البشرية اللغوية والثقافية والمكانية والزمانية، أو يترسخ تفككها، على الروح والجسد وانتظارات الغد، كاتبةً ترنيمة من الحسرة والأمل.
تسابقت هذه الأفكار إلى ذهني وأنا أقرأ مطولات الفراتس لهذا الأسبوع.
ففي المطوّلة الأولى “إندونيسيا وفلسطين.. ذاكرة استعمارية مشتركة أمام تطبيع مؤجل“، تناقش سجود عوايص العلاقة التاريخية المعقدة للتضامن الإندونيسي مع القضية الفلسطينية. تمتد العلاقات بين إندونيسيا والوطن العربي وفلسطين بالتحديد إلى ما قبل استقلال إندونيسيا. إذ عرفت هذه الحقبة تواصلاً بين حركات إسلامية إندونيسية وبين قادة الحركة الوطنية الفلسطينية، جعل التضامن مع فلسطين جزءاً راسخاً من ذاكرة مناهضة الاستعمار. ثم أتى أحد نصوص دستور استقلال إندونيسيا ليكرِّس في الذاكرة الوطنية وعداً أخلاقياً ضمنياً بالوقوف مع قضية الشعب الفلسطيني. إلا أن هذا لا يعني أن العلاقة بين إندونيسيا وفلسطين ظلّت ثابتة طوال العقود الماضية، بل عرفت هذه العلاقة تحوُّلات تتعلق بطبيعة النظم السياسة المتعاقبة وموقع الأحزاب ومنظمات المجتمع داخل تركيبة السلطة. فقد دفعت المصالح الاقتصادية والتنموية الأنظمة، خصوصاً في مرحلة ما بعد الرئيس سوكارنو، لانتهاج “سياسة واقعية” تقبل انفتاحاً أكثر تجاه إسرائيل. على هذا، فقد ظلّ الخطاب الإندونيسي محلياً ودولياً رافضاً الاحتلال الإسرائيلي، مع تقلباتٍ حتّمتها أحياناً محاولات التقارب مع الداخل. ومع تبدُّل الحكومات والأحزاب والأهداف الخارجية والداخلية طيلة هذه العقود، شكَّل وعي الإندونيسيين الجمعي مقاومةً للاتجاه إلى تطبيعٍ شامل.
تأتي المطوّلة الثانية “مأساة مضاعفة للّاجئين الإثيوبيين العائدين من السودان” لهاشم حامد لتسلط ضوءاً على تشكيل الذاكرة والهوية عبر الهجرة الدائمة. تناقش المطولة الهجرة العكسية إلى إثيوبيا جرّاء الحرب في السودان. وتوضح طبيعة القرن الإفريقي الخاصة، التي تبرز في العلاقات العرقية المتداخلة والتوترات السياسية والجفاف المتكرر، وكيف أدَّى هذا لأن تكون المنطقة من أكثر مناطق العالم إنتاجاً لحركات النزوح الداخلي والخارجي. وتمثِّل إثيوبيا دولة في مقدمة الدول المتأثرة بهذه الحركة، بسبب ارتباط تاريخها بالاضطرابات الداخلية والحروب الأهلية، فضلاً عن التعدد العرقي في تركيبتها السكانية. وقد كان السودان من أكثر الدول استقبالاً للنازحين الإثويبيين في طريق هربهم من الحروب والأزمات المناخية، سواء للاستقرار فيها أو لكونها محطة للهجرة بعد هذا باتجاه أوروبا وكندا والولايات المتحدة. وقد استقر في السودان كثير من الإثويبيين مما قطع صلتهم بالمناطق التي غادروها. مثَّل هذا إشكالاً عند محاولة العودة إلى إثيوبيا بعد الاضطرابات في السودان في السنوات الماضية. تسرد المطولة بعض القصص التي عايشها من حاولوا العودة، خصوصاً من ولدوا في السودان فلا يوجد ما يثبت أصلهم الإثيوبي. أو من عادوا للسودان مرة أخرى فواجهوا تقييداً أكبر لإقامتهم فيه. لهذه الحركة الدائمة والاستقرار الهش في القرن الإفريقي آثار على تشكيل ذاكرة هؤلاء الراحلين وهويتهم، في توزعهم بين المنافي بحثاً عن مكان آمن.
في المطوّلة الثالثة “بين التنظيم الذاتي والضبط.. القانون يعيد تشكيل المجلس الوطني للصحافة في المغرب” تناقش فاطمة الزهراء الطوسي موقع المجلس الوطني للصحافة في جدل السلطة والاستقلال المؤسساتي في المغرب. جاء إنشاء المجلس الوطني للصحافة رغبة في تنظيم ذاتي يضع المهنة بين أيدي أهلها ويبعدها عن منطق الوصاية الإدارية المباشرة، وهذا عبر نقل سلطة الضبط من وزارة الاتصال إلى الفاعلين المهنيين. تركزت مهام المجلس في احترام أخلاقيات المهنة ومنح بطاقة الصحافة المنهية والنظر في الشكايات عن المحتوى الصحافي والانتهاكات الأخلاقية. غير أن المجلس واجه عدداً من الأزمات، مثل قضايا ملاحقة الصحفيين، وطريقة تعاطيه معها. ثم الخلاف على الإطار القانوني المنظم لانتخاباته وقواعد التمثيل داخله من ممثلي الصحفيين والناشرين، والذي شهد معارضة كبيرة من الصحفيين بسبب التخوُّف من هيمنة الناشرين، وبسبب تكريس المركزية والمصالح الاقتصادية وتقليص إمكانيات التجديد ووضع الحواجز أمام الصحافة المستقلة والشابة والجهوية والرقمية. أدَّى كلّ هذا للتدخُّل الحكومي بغرض إعادة ضبط المجلس تشريعياً. وقام هذا التدخُّل على مراجعة شاملة لطريقة تشكيل المجلس، ومنحه صلاحيات ضبطية وتأديبية أوسع. ما يعني أن المجلس ظل قائماً من حيث النص والوظيفة، إلا أن هامش اسقلاله أعيد تحديده، ليجسد نوعاً من الضبط القانوني المرن، إذ يصبح القانون أداة لإعادة معايرة التوازنات بدل فرضها إدارياً، ما يجعل التدخُّل أقل صدامية وأكثر شرعية شكلاً.
في المطوّلة الرابعة “العربية في اسم الدولة السورية بين التاريخ وجدل الواقع” يناقش محمد أمير ناشر النعم موقع العربية في تسمية سوريا الرسمية بين الماضي والحاضر وعلاقة هذا بالهوية والذاكرة التأسيسية. تتناول المطولة السجال حول صفة “العربية” في اسم الدولة الرسمي ما بعد سقوط نظام الأسد، وكيف أثارت هذه الصفة نقاشات حول الاستبداد والعلاقة بالأقليات. تستعرض المطوّلة تاريخ تأسيس سوريا دولة مستقلة عن الخلافة العثمانية، وتبرز أهمية صفة العربية في إنشاء هوية الدولة الناشئة وكذلك في مواجهة الطموحات الفرنسية في الشرق الأوسط. هذه الهوية جسّدها الاهتمام باللغة العربية من المسلمين والمسيحيين، والذي أتى معبراً عن أن العربية إطار لغوي ثقافي غالب يتحضن مختلف أفراد الشعب، ما ظهر في تأكيد صفة العربية في دساتير سوريا المتعاقبة. تحاجج المطوّلة بضرورة الفصل بين مسائل الهوية التأسيسية والتوافق وبين أعمال الأنظمة السياسية، فهذه الأعمال لا يمكن عزوها للاسم بل للسلطة وآليات إدارتها المجتمع. فالحفاظ على صفة العربية لا يعارض مبدئياً الإقرار بالتعدد القومي والثقافي، ولا ينتقص من حقوق أي مكوِّن. وحذفها لن ينتِج تلقائياً هوية أشمل، بل قد يُفضي لإضعاف الرابط التاريخي أساساً للاجتماع السياسي، ما يؤدّي لإعادة تعريف مستمر للدولة تبعاً لموازين القوى والهويات الجزئية.
في المطوّلة الخامسة “جيل زد والسياسة الأمريكية” تناقش الزميلة هبة أنيس أثر جيل زد في توجهات السياسة الأمريكية الخارجية برؤيته موقع أمريكا في العالم. تستعرض المطوّلة طبيعة جيل زد الخاصة والمتنوعة، والتي تبرز في إيلائه اهتماماً أوسع بقضايا العلاقات الخارجية، نتيجة انفتاحه على وسائل المعرفة وتبادل المعلومات، ما أدّى لانخراطه في القضايا العامة التي تتجاوز حدوده المكانية. تبرز المطوّلة أن جيل زد ليس كتلة واحدة، بل يشهد تنوعاً بين الميول الديمقراطية والجمهورية. إلا أنه في الحالتين يمثل متغيراً في التعاطي مع القضايا الخارجية، نحو تعامل يربط هذه القضايا بالداخل الأمريكي، سواءً باعتبارها جزءاً من أسئلة الأخلاق والعدالة، أو اتخاذها فعلاً مخالفاً مبدأ “أمريكا أولاً”. حضور جيل زد وفعاليته وانفتاحه أثَّر في نقاش قضايا الحرب والمناخ على طبيعة اهتمام المرشحين من الحزبين بدمج تصورات وطموحات هذا الجيل داخل خطابهم.
حين انتهيت من قراءة مطوّلات هذا الأسبوع، عدت إلى مكتبتي لأتصفح كتاب عالِم الأديان الألماني يان أسمن عن الذاكرة الحضارية الذي قرأتُه مرّات، والذي أوضح فيه كيف تتشكل الذاكرة عبر الطقوس والجسد والنصوص. في كل هذا، يبدو التاريخ رديفاً لوجودنا، وتبقى الذاكرة شاملة كلّ شيء حتى النسيان، وتدمج الهوية الحسرة والفوات مثلما الأمل.