ملخص
الدور الذي لعبته إليزابيث تايلور، كليوباترا، في هذا الفيلم هو أبدع دور سينمائي لعبته في مسيرتها الحافلة
ترى ما هو القاسم المشترك الذي نجده بين نساء مثل تيدا بارا وكلوديت كولبيرت وإليزابيث تايلور، وحتى مونيكا بيلوتشي وعشرات غيرهن ليس من السهل إيراد أسمائهن جميعاً هنا؟
للوهلة الأولى سيكون الجواب المنطقي أنهن جميعاً من نساء القرن العشرين، عصر السينما بامتياز، وأن لكل منهن حصة من الجمال، وربما من الدهاء أيضاً، تفوق حصص أية نساء أخريات. فإن لم يكن هذا كافياً، سنواصل بعد بحث للقول بأنهن من نجمات السينما الكبيرات في أزمانهن. وبعد ذلك ولمزيد من التخصيص، سنجد أن كل واحدة منهن قد لعبت، في لحظة ذروة في حياتها السينمائية، دور كليوباترا في فيلم قد يعتبر علامة في تاريخ الفن السابع. فهلا يجد القارئ هنا مفارقة ما في الأمر؟
الحقيقة أن الجمال الرائع الآسر لكل نجمة من هاته النجمات، يبدو متناقضاً مع ما أجمع عليه المؤرخون من أن كليوباترا، الحقيقية، ملكة الاسكندرية وعشيقة مارك أنطوني وأم أولاده وأسيرة أوكتافيوس، لم تكن في نهاية الأمر على الجمال الذي يبرر إسناد شخصيتها في السينما لواحدة ممن اعتبرن في مرحلة أو أخرى من تاريخ السينما في القرن الفائت قمة في الجمال. لكن من المؤكد أن للتاريخ منطقه، وللأسطورة منطقها كما نعرف. وللسينما بالتالي منطقها الذي يمكننا أن نقاربه من منطق الفنون التشكيلية التي جعلت للملكة المعتبرة آخر ملكات الفراعنة، عشرات البورتريهات التي تصورها في شتى حالاتها ولكن دائماً تحت ملامح سيلعب العثور على مبرراتها في كتب التاريخ الأكثر واقعية، والأكثر صدقاً في الحديث عنها.
ومن هنا، لا شك أن الفنانين التشكيليين أولاً، ثم الأفلام السينمائية بعد ذلك، جعلت لكليوباترا صورة سائدة تختلف، إن لم تتناقض جذرياً، مع ما يمكن لصورتها الحقيقية أن تكون.
استحواذ ما
بعيداً من ذلك الأمر المتعمد “لزوم المنطق السينمائي”، يمكننا أن نقول إن الفن السينمائي قد أحب كليوباترا وفتن بسيرتها منذ بدايات تاريخه الصامت، وغالباً انطلاقاً من مسرحية شكسبير “أنطوني وكليوباترا”، التي يمكن اعتبارها المرجع الفني الأكثر إغراء في مجال التعامل مع حكاية الملكة الاسكندرانية.
ولئن كان من المنطقي للسينما منذ بداياتها أن تستحوذ على شخصية كليوباترا فإن أغرب ما في الأمر أن البادئ هنا أيضاً كان الفرنسي جورج ميلياس الذي عرف كيف يقدمها في فيلم قصير جداً منذ عام 1899.
غير أن البداية الحقيقية سوف تكون في عام 1912 بفيلم من تمثيل هيلين غاردنر ضاع لزمن وانطوت ذكراه حتى استعاد مكانته، المتواضعة على أية حال، لاحقاً. وتلك الاستعادة لم تؤثر بالتالي على المكانة التي يحتلها فيلم العام 1917 من بطولة ثيدا بارا والذي يعتبر أشهر فيلم في السينما الصامتة يروي حكاية الملكة وقد تقمصتها تلك الفاتنة التي إذا قلبنا حروف اسمها ثيدا بارا سنجدها تعني “موت عربي”. وكان هذا الفيلم العمل الإبداعي في القرن العشرين الذي رسخ صورة تلك الملكة كامرأة فتاكة مدمرة. وهي على أية حال الصورة نفسها التي ستطغى على كل الصور السينمائية التالية التي قدمت كليوباترا على الشاشة، وبصورة خاصة الصورة التي قدمها سيسيل دي ميلي في هوليوود نفسها في عام 1934 ناطقة هذه المرة، ومن خلال شخصية كلوديت كولبيرت، ولكن بعد أن أضاف إليه ما اعتبر حينها بعداً سياسياً جديداً ميز بطلته تدبيراً ودهاء، كما ميز سينماه نفسها التي لم تكف منذ ذلك الحين عن المزاوجة بين السينما والتاريخ، ولعل من الأمور ذات الدلالة هنا أن يكون فيلم عن كليوباترا منطلقه في ذلك!
إليزابيث على الخط
وفي هذا السياق نفسه، وعلى رغم أن أفلاماً عديدة أخرى قد حققت عن كليوباترا، بخاصة في هوليوود، ثم في لندن، خلال تلك العشرية، فإنه كان على السينما الأكثر جدية أن تنتظر عام 1945 وانقضاء الحرب العالمية الثانية، قبل أن تعود إلى الحكاية نفسها، ولكن هذه المرة من خلال أفلمة بديعة لمسرحية جورج برنارد شو “قيصر وكليوباترا” إذ قامت فيفيان لي، إلى جانب كلود رينز، ومكللة بالمجد الذي حققته في دور سكارليت أوهارا في “ذهب مع الريح”، قامت بدور الملكة المصرية في فيلم ركز على العلاقة الفكرية بينها وبين يوليوس قيصر ويمكن النظر إليه بوصفه العمل السينمائي الأكثر جدية الذي ظهر عن كليوباترا في أواسط القرن العشرين، وعلى الأقل حتى عام 1963 حين دخلت إليزابيث تايلور على الخط في الفيلم الذي سيحوز لاحقاً على الشهرة الأوسع من بين كل الأفلام المتحدثة عن حكاية كليوباترا، وليس فقط لأنه مقتبس مباشرة عن مسرحية شكسبير، ولا لكونه من إخراج أحد عمالقة السينما الأكثر إبداعاً في هوليوود، جوزيف ل. مانكفيتش ولا حتى من جراء ما اتسم به من ديكورات فخمة، بل بخاصة لسببين سلبيين أولهما أنه يعتبر من أكثر الأفلام التاريخية خسراناً في تاريخ السينما، على رغم كل مزاياه التي لا تنكر بما في ذلك المزايا الفنية والحوارات الرائعة من دون أن ننسى أداء تايلور نفسها في مواجهة زوجها لاحقاً في الحياة، ريتشارد بورتون الذي لعب دور القيصر بأداء شكسبيري نادر؛ أما ثاني السببين فكونه الفيلم الذي عانى طوال تصويره من اللقاءات ثم النزاعات بين بطليه اللذين كانا في بداية حكاية غرامهما خلال مراحل التصوير – الحقيقي وليس على الشاشة طبعاً -، فكان لا بد لذلك كله من أن ينعكس على سمعة الفيلم نفسه، ناهيك بانعكاسه على المناخات العامة لتصوير الفيلم الذي كلف من الأموال أضعاف ما كان له أن يكلف من جراء ذلك.
فيلم كبير رغم كل شيء
ومع ذلك، إذا شاهدنا اليوم، وبعد نحو ثلثي قرن، هذا الفيلم يمكننا أن نتساءل بحرقة عن أسباب تلك الخسارة الكبرى التي مني بها، واللعنة التاريخية التي ضربته فجعلته يحتل دائماً مرتبة أولى بين أكثر الأفلام خسراناً في تاريخ الفن السابع. فالفيلم، في نهاية المطاف، عمل فني كبير، يبدو الأكثر صدقية في متابعة الحكاية برمتها، وليس فقط كما صاغه شكسبير في مسرحيته الرائعة، وإنما كذلك في العمل الهائل الذي تجلى من خلال الاشتعال زمناً على السيناريو الخاص به.
فإذا أضفنا إلى ذلك، التوازن الدقيق الذي أقامه الفيلم كتابة وإخراجاً، بين الحكاية الشخصية التي قامت بين كليوباترا والقيصر، من ناحية، والأبعاد الجيو-استراتيجية التي صورت تلك المرحلة فائقة الأهمية في تاريخ شرق البحر الأبيض المتوسط، سنجدنا أمام نموذج بديع من نماذج تصوير العلاقة بين السينما والتاريخ والسياسة، دونما غرق في أية أبعاد أيديولوجية، بل حتى في تصوير دور العلاقات الشخصية في صناعة التاريخ، والدور الذي يلعبه التاريخ العام في حياة الأفراد الخاصة.
ومن هنا حتى نقول إن الدور الذي لعبته إليزابيث تايلور، كليوباترا، في هذا الفيلم هو أبدع دور سينمائي لعبته في مسيرتها الحافلة، خطوة لا يتوانى كثر من النقاد عن قطعها واجدين أن يوماً سيأتي سيعاد فيه الاعتبار، ليس فقط لهذا الفيلم بوصفه واحداً من أعظم أعمال الفن السابع التي تناولت التاريخ، بل بوصفه الفيلم الذي أثبتت فيه إليزابيث تايلور نفسها أنها واحدة من أعظم فنانات السينما الهوليوودية وليست فقط فاتنة مجتمع وصحافة صفراء وصور وعبارات صادمة. أي إنها كانت كليوباترا المثالية في الأحوال كافة. كليوباترا التي لا ريب أن ملامحها رافقت كثراً من زوار المعرض الباريسي طوال الشهور التي شغل فيها هذا المعرض محبي الفن والتاريخ في العاصمة الفرنسية.
