مع بداية شهر حزيران (يونيو) القادم تستعد المحافظات السورية لامتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية، بينما أُجبرت محافظة السويداء على الخروج من الخارطة التعليمية الرسمية بقرار صدر في الرابع عشر من الشهر الجاري، مُنِعَ بموجبه إجراء الامتحانات داخل المحافظة وسُحِبَ الاعتراف بمراكزها الامتحانية.

أعادَ هذا القرار ملفَّ الطلاب إلى مربع الأزمة والمفاوضات المُتعثِّرة منذ مجازر تموز (يوليو) الماضي، ليتحول مصير آلاف الطلاب إلى امتداد صريح للاستعصاء السياسي والأمني المستمر. وتقول مصادر خاصة للجمهورية.نت إن هناك مفاوضات بوساطة أممية بهذا الشأن، لكنها لم تصل إلى نتيجة بعد، فيما سيَعني فشلها تركَ محافظة السويداء وآلافاً من أبنائها وبناتها خارج خريطة الامتحانات العامة.

ارتدادات القرار المباشرة

انطلقت الأزمة منتصف الشهر الحالي، حين أصدرت مديرية تربية السويداء بياناً قالت فيه إن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية رفضت إجراء امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية داخل محافظة السويداء، وهو البيان الذي سبقَ قراراً رسمياً صدر في اليوم التالي عن وزارة التربية، يقضي بنقل المراكز الامتحانية للطلاب وتوزيعهم على محافظتي دمشق وريفها، متذرعةً بضرورة توفير «بيئة آمنة وعادلة واشتراطات تربوية».

لم يترك هذا القرار خياراً أمام الطلاب والطالبات وعائلاتهم سوى التخلي عن امتحاناتهم هذا العام، أو ترتيب أوراقهم على عجل والبدء برحلة نزوح تعليمي نحو دمشق وريفها، يتخلّلها رحلة بحث شاقة لتأمين مساكن مؤقتة تُوفِّر لأبنائهم الحد الأدنى من الاستقرار قبل انطلاق الامتحانات.

مهند (اسم مستعار) هو أب في الأربعينيات من عمره، يُجسّد حالة العشرات من أرباب الأُسر الذين حزموا حقائبهم فور سماعهم الإعلان، قاصدين مدينة جرمانا، التي توجّه إليها كي تتمكن ابنته من تقديم امتحانات الشهادة الثانوية. داخل أحد المنازل التي يقطن فيها مؤقتاً، ينهمك مهند في تنظيف المكان وتجهيزه، متفقداً بطارية إنارة بديلة لضمان عدم انقطاع دراسة ابنته. يختصر معاناته بنبرة يملؤها القلق والمسؤولية: «أنا والد لثلاث طالبات، تدرس ابنتان منهما الطب، وتنتظر الثالثة امتحانات البكالوريا الآن. لكن قرار إلغاء الامتحانات في السويداء حوّلَ هاجسنا اليوم من التفكير في طبيعة الأسئلة، إلى الخوف على سلامتها خلال عبور الطريق الهشّ أمنياً».

حرّكَ قرارُ شطب السويداء من الخارطة الامتحانية شوارعَ جرمانا مبكراً. بدأ المجتمع الأهلي السعي لتجهيز دعم في رحلة النزوح التعليمية، المرتقب حدوثها بُعيد صدور القرار. في «معهد الأمل» بمدينة جرمانا فتحت مبادرة أهلية أبوابها لتجمَعَ عدداً من طلاب السويداء، لمساعدتهم على تجاوز إرهاق السفر واللحاق بالمنهاج، حيث تُشرِف الناشطة سميرة الريشاني على سير الدروس ضمن هذه المبادرة المجانية، موضحةً: «أبوابنا مفتوحة لجميع الطلاب والطالبات، لكن تركيزنا منصبٌّ الآن على القادمين من السويداء. تواصل معي عدد كبير من المعلمين الذين تأثروا بما حصل للطلاب بعد أحداث تموز الماضي، وقرروا التطوع لإعطاء الدروس مجاناً وبلا أي مقابل».

داخل إحدى قاعات المعهد يصفُ أستاذ رياضيات مُتطوِّع، مستوى الطلاب الوافدين قائلاً: «أغلب طلاب السويداء هنا مستواهم بين الجيد والمتفوق. هذا النزوح الاضطراري بعيداً عن بيوتهم منحهم دافعاً أكبر للتركيز واستغلال الوقت، فهم يعرفون تماماً لماذا أتوا: تقديم الامتحان ومن ثم العودة إلى السويداء».

اتسعَ نطاق المبادرات في جرمانا ليتجاوز توفير القاعات الدراسية، نحو الاستجابة لتحدي الإيواء وتخفيف أعباء النزوح. ومع استمرار توافد العائلات، استنفرت الفعاليات الأهلية والرسمية جهودها لاحتواء الموقف وتأمين الاحتياجات اللوجستية. يتحدث عضو مجلس مدينة جرمانا، سالم المغربي، للجمهورية.نت عن الترتيبات الحالية: «نسعى بالتعاون مع المجتمع المدني ولجنة العمل الأهلي لمحاولة الاستجابة للطلاب الواصلين، عبر تأمين أماكن إقامة مؤقتة لمن لا يملكون سكناً هنا بعد». ويُضيف مؤكداً الجاهزية المحلية: «لدينا القدرة على التعامل مع هذه الظروف؛ فخلال العام الماضي، وبعد ساعات من الهجوم الذي تعرّضت له مدينة جرمانا، كنّا نستقبل ونسعى لتأمين طلاب السويداء الذين غادروا الجامعات بسبب حملات التحريض».

تركَ القرار أهالي السويداء أمام خيارين: النزوح والمخاطرة عبر طريق دمشق-السويداء المليء بالخوف، أو البقاء وضياع المستقبل. وغداة صدور القرار، احتشدَ عشرات الطلاب في شوارع السويداء ضمن وقفة احتجاجية، أعلنوا خلالها رفضهم المُطلق لتقديم امتحاناتهم خارج حدود المحافظة.

مسار العُزلة الجغرافية-التعليمية

قبل القرار، كانت هناك مخاوف من تكرار سيناريو العام الفائت، بامتحانات لا تعترف بها وزارة التربية مجدداً، وكان الحل المطروح أمام الطلاب والطالبات هو نقل قيودهم الامتحانية إلى العاصمة وريفها. مع ذلك، كان عدد من نقلوا قيودهم طوعاً إلى خارج السويداء قليلاً جداً مقارنة بأعداد المسجلين.

وتُوثِّقُ بيانات مديرية التربية في السويداء وجود نحو 13 ألفَ طالبٍ وطالبةٍ متقدمين لامتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية، يتوزعون بين 7 آلاف مستجد لهذا العام، و6 آلاف من العام الماضي لا يزالون ينتظرون اعترافاً رسمياً باختباراتهم السابقة. بالمقابل، تكشف الأرقام من مديرية التربية في ريف دمشق سقوط خطة الضغط من أجل «النقل الطوعي»؛ إذ اقتصرت الحصيلة حتى الآن على تسجيل 350 طالباً قادمين من السويداء للثانوية العامة، و120 طالباً لشهادة التعليم الأساسي، وذلك بحسب مصدر في المديرية تحدّثَ للجمهورية.نت.

أمام الأعداد القليلة نسبياً للنقل «الطوعي»، لجأت وزارة التربية عملياً في قرارها الأخير إلى تصعيد إداري، فبدلاً من انتظار طلبات نقل إفرادية لن تأتي، اتخذت الوزارة قراراً من الأعلى بنقل قيود جميع طلاب السويداء بشكل تلقائي وجماعي إلى مديريات دمشق وريفها، مُخرِجة المحافظة كلياً من الخارطة الامتحانية.

أنهى هذا التدبير حاجة السلطات لانتظار أوراق الطلاب وموافقاتهم، ليُستبدَلَ الفشل في استقطابهم طوعياً بسياسة الأمر الواقع: إمّا الرضوخ للسفر خارج المحافظة، أو الإقصاء التام من العام الدراسي.

جنى، طالبة الصف التاسع، هي واحدة من القلائل الذين نقلوا أوراقهم ووصلوا إلى جرمانا. تظهر على ملامح الفتاة علامات الارتباك في أول خروج لها من قريتها «مفعلة» منذ بدء المجازر، وتحمل نبرة صوتها خوفاً واضحاً من تفاصيل الطريق وذكريات مجازر تموز الدامية، لتجد نفسها اليوم مُجبرة على التأقلم الفوري مع زحمة المدينة وصخبها كي تلحقَ بمستقبلها.

تُلخِّصُ جنى مأساة زملائها الذين تركتهم خلفها بعبارة بسيطة: «كنّا نجلس ثلاثة طلاب على مقعد واحد في الصف، وأنا الوحيدة التي استطاعت السفر إلى ريف دمشق بسبب وجود أقارب لي هنا». ومع اقتراب موعد عودتها إلى قريتها، تتكشف حقيقة قاسية؛ فنجاح جنى سيعبر بها إلى الصف العاشر، في حين سيبقى رفاق مقعدها الدراسي عالقين في الصف التاسع حتى إشعار آخر.

ولفهم تعقيدات المشهد الامتحاني الراهن، يتطلب الأمر تتبُّعَ مسار أمني وإداري يضع الطلاب أمام خيارين ضيقين: البقاء في الداخل ومواجهة أزمة عدم اعتراف بشهاداتهم، أو الخروج نحو المحافظات الأخرى وتحمُّل المخاطر الأمنية.

لم تبدأ هذه العزلة الجغرافية-التعليمية مع القرار الأخير، بل تبلّورت ملامحها في مسار طويل من الاستعصاء السياسي، الذي شهدَ محطات كانت أبرزَها مجازرُ تموز (يوليو) وما سبقها من اعتداءات وتهديدات علنية لطلاب الجامعات المنحدرين من السويداء. فمنذ العاشر من آذار (مارس) 2025، وعلى خلفية مجازر الساحل السوري، غادر كثير من طلاب السويداء السكن الجامعي في اللاذقية. وتُشير مصادر واكبت الحدث لـ«الجمهورية.نت» إلى إجلاء الطلاب عبر 32 حافلة، سلكت طريقها بمرافقة أمنية حتى مشارف دمشق، قبل أن تتسلمها فصائل محلية لتأمين وصولها إلى السويداء.

لاحقاً، انتقل التوتر ليطال العاصمة ومحافظات أخرى. ففي أواخر نيسان (أبريل) من العام ذاته، انتشرت تسجيلات ومقاطع فيديو تضمنت تهديدات علنية للطلاب في دمشق وحمص وحلب، تزامناً مع الأحداث الأمنية في مدينتي جرمانا وأشرفية صحنايا. وخلال يومي 7 و8 أيار (مايو) 2025، وثقت العدسات إخلاء أعداد كبيرة من الطلاب لغرفهم في المدينة الجامعية بدمشق، ما أدى إلى تراجع حاد في نسبة التحاقهم الأكاديمي.

ثم جاءت مجازر تموز (يوليو) التي كانت حدثاً فاصلاً في هذا المسار، ومع بدء العام الدراسي التالي لها تصاعدت المخاوف الأمنية بشكل ملموس في الثامن والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، إثر استهداف حافلة ركاب متجهة نحو السويداء بالرصاص. أسفر الحادث عن مقتل طالبة جامعية، ما حوّل طرقات السفر إلى هاجس أمني، ودفع العديد من العائلات والطلاب إلى تعليق دراستهم الجامعية تجنباً لمخاطر التنقل.

أسهمت هذه التراكمات في تحويل الخروج من السويداء إلى حاجز نفسي يعزل آلاف الطلاب عن مراكز تعليمهم، وتكرَّسَ واقع محلي بات يُنظر فيه إلى مغادرة السويداء كمجازفة أمنية؛ فشهدت محطات النقل تراجعاً في أعداد المسافرين وانخفض حضور طلاب السويداء في مدرجات الجامعات والسكن الطلابي. هذه العزلة الجغرافية الوقائية التي فرضتها ظروف السفر السابقة، تُفسِّر اليوم بوضوح مخاوف طلاب المدارس وعائلاتهم من تكرار التجربة ذاتها لمجرد الوصول إلى قاعات الامتحان في دمشق.

لم يقتصر مشهد الانكفاء والعزلة والاستعصاء السياسي على طلاب الجامعات الهاربين من تهديدات الطرقات، بل انسحب أثره تباعاً على طلاب المدارس، حيث تحولت أروقة مديرية التربية في السويداء إلى مساحة لتمرير النفوذ وتصفية الحسابات.

المفاوضات والمسار الإداري-السياسي

بدأت ملامح المسار الإداري تتشكل مطلع العام الماضي، فبعد تسلُّم محافظ السويداء مصطفى بكور لمهامه، وفي مرحلة اللقاءات بين بكور والفاعلين المحليين في السويداء لترتيب أمور المحافظة قبل مرحلة الصدام، جرى الاتفاق على تعيين ليلى أبو جهجاه مديرة للتربية، في خطوة استندت آنذاك إلى تزكية من الشيخ حكمت الهجري.

وبانتقالِها من موقعها كمديرة لحلقة التعليم الأساسي إلى قمة الهرم التربوي في المحافظة، باشرت أبو جهجاه إحداث تغييرات هيكلية واسعة داخل المديرية. جرت هذه التعديلات الإدارية بتنسيق غير مُعلن مع الشيخ طاهر العلي المقرب من سلمان الهجري نجل الشيخ حكمت الهجري، الذي أدار توجيه القرارات في الظل.

وسرعان ما أفرزت هذه التحركات موجة من السخط والغضب في الأوساط التربوية وبين المدرسين، نتيجة إقصاء معايير الكفاءة المهنية لصالح ترتيب البيت الداخلي وفق ولاءات ضيقة، ما أسَّسَ لشرخ مؤسساتي مبكرٍ زادَ من هشاشة القطاع التعليمي، وجعل مستقبل الطلاب رهينة للتخبط الإداري قبل أن يتحول إلى ورقة تفاوض سياسي.

عقبَ المجازر الدامية وتعطُّل عجلة الامتحانات بعد تقديم مادة الفيزياء وحدها، اتخذت مديرية تربية السويداء خطوة عبر الإعلان عن استئناف فحوصات الشهادتين بقرار محلي منفرد، مُتجاوِزة المركز في العاصمة. جاء الرد من دمشق حاسماً، حيث لم تعترف وزارة التربية بنتائج تلك الامتحانات، ليجد آلاف الطلاب أنفسهم يدرسون في فراغ قانوني يبتلع تحصيلهم العلمي.

في الثاني من نيسان (أبريل) الماضي أصدر محافظ السويداء قراراً بإقالة ليلى أبو جهجاه وتعيين صفوان بلّان مديراً للتربية، في خطوة هَدفت إلى ربط رواتب المعلمين بموافقته، وسحب صلاحيات الختم المحلي من مديرة التربية التي تم تعيينها بتزكية من السلطة المحلية في السويداء.

بموجب القرار الذي أصدره محافظ السويداء، مصطفى بكور، سقطت الصلاحية القانونية لتوقيع أبو جهجاه وختمها الرسمي، ما هدَّدَ مديرية التربية بالوقوع في خطر مأزق إداري وشلل فوري. أدى إبطال الختم إلى تجميد رواتب آلاف المعلمين والموظفين، وتعطيل مسار معاملات الطلاب الورقية التي تتطلب تصديقاً حكومياً نافذاً.

تحولت الأختام والرواتب إلى أداة ابتزاز مباشر في يد السلطة المركزية، وأصبحت الاستمرارية المالية والتعليمية في المحافظة مرهونة بها، وهو أمر ينطبق إدارياً على كافة القطاعات في السويداء، غير أن له خصوصية في التعليم تتعلق بتأثيره المباشر على مستقبل ومصير آلاف الشباب والشابات، وتتعلق بالمسار نفسه الذي قاد إلى اللحظة الراهنة وأبعاده السياسية. وقد مثّلت هذه العرقلة الإدارية أولى مراحل الضغط المُمنهج، لتنقل مسار الاستعصاء من الشارع والطرقات إلى عمق السجلات الوظيفية وملفات الطلاب.

بدت الخطوة مناورة واضحة من السلطات في دمشق للضغط على المحافظة، فمن خلال ربط صرف الرواتب وتسيير الأوراق بتمكين المدير الجديد، سحبت العاصمة صلاحيات القرار المحلي، مُحوِّلة لقمة عيش المعلمين وأختام التربية إلى أوراق ضغط فعلي لفرض سطوتها واستعادة التحكُّم بالقطاع.

بحسب مصادر للجمهورية.نت في السويداء، سارعَ بلّان لزيارة الشيخ حكمت الهجري، الذي أحال بدوره مسألة البت في الأمر إلى «اللجنة القانونية العليا». وهناك، واجه المدير الوافد موقفاً ضبابياً من لجنة تجنبت منح أي موافقة صريحة. وفي يومه الأول داخل مبنى المديرية، اقتحمت مجموعة مسلحة تابعة لـ «الحرس الوطني» المبنى، وأجبرت بلان على الإخلاء والتراجع عن التكليف، ردّاً على ما اعتُبر محاولة من دمشق للتسلّل الإداري وبسط السطوة.

أعقبَ اعتذارَ بلان خروجُ الهجري في بيان مصور أعلن فيه حلَّ «اللجنة القانونية العليا» وتشكيل «مجلس إدارة» جديد للمحافظة، لتستقر المواجهة أخيراً على تسوية مُعقَّدة ابتلعت فيها السويداء قرار إقالة جهجاه، مع التمسك برفض تعيين بلّان، لتبقى مديرية التربية حتى كتابة هذه المادة بدون مدير رسمي.

وسط هذه الديناميكيات التي أبقت عجلة التعليم عالقة في نقطة الصفر، شهدت الكواليس محاولات أخيرة لكسر الجليد. تكشفُ مصادر خاصة للجمهورية.نت، واكبت غرف التفاوض غير المباشر مع قائد الأمن الداخلي في درعا والسويداء حسام الطحان، أن المحادثات بدأت بوضع ملف الاعتراف بنتائج الامتحانات السابقة على الطاولة، ليواجه هذا المطلب رفضاً من السلطة المركزية التي اشترطت التوصل أولاً إلى صيغة مشتركة تُحدِّد آلية إجراء الامتحانات القادمة. ولأن العملية تتطلب تنسيقاً عالياً بين وزارات التربية والداخلية والصحة، طالبت السلطة المركزية بدخول وفد وزاري للإشراف المباشر على الامتحانات في المحافظة.

وتوضِّح المصادر أن السلطة المحلية في السويداء اشترطت بالمقابل تشكيلَ الوفد من كوادر مختلطة من رجال ونساء، ومن كافة المحافظات السورية. ورغم موافقة السلطة المركزية على هذا الشرط، إلا أنها طرحت شرطاً مقابلاً يفرض مرافقة قوة أمنية للوفد لضمان سلامته. جاء ردّ وفد السويداء بتقديم تسوية أمنية تقضي بمرافقة القوة التابعة لدمشق للوفد الوزاري حتى حدود المناطق الخاضعة للسيطرة الرسمية، لتنتقل مهمة الحماية بعدها حصراً إلى عهدة «الحرس الوطني» داخل المحافظة.

ردّت السلطات أن الترفيق الأمني يهدف لحماية الأسئلة من التسريب، وأن هذا هو التحدي الفعلي. بادر وفد السويداء بتقديم حلٍّ تقنيٍّ يعتمد إرسال الأسئلة عبر شبكة الإنترنت، ليصطدم هذا المقترح برفضٍ قاطعٍ وتمسُّكٍ حكومي بآلية الترفيق الأمني المباشر.

تُشير المصادر إلى مقترح موازٍ قدمه محافظ السويداء مصطفى بكور، يقضي بإجراء الامتحانات في مناطق ريف السويداء الشمالي والغربي الواقعة تحت سيطرة السلطة المركزية، غير أن السلطة المحلية في السويداء واجهت الطرح باشتراط صارم يربط الموافقة بانسحاب القوات الرسمية كلياً من القرى التي تعرّضت للحرق والتي تخضع لسيطرة دمشق.

أفضى هذا الانسداد المُتعدِّد الأوجه إلى النهاية التي يدفع الطلاب ثمنها اليوم؛ إذ تَوجَّت سلطة دمشق مسار التفاوض المُغلَق بإصدار قرار وزارة التربية الذي يحجب الاعتراف رسمياً بنتائج أي امتحانات تُجرى في السويداء، لتُغلَق الأبواب ويُترَك مصير آلاف الطلاب مُعلَّقاً في مهب الفراغ الإداري والسياسي، ويُصبِح ورقة ضغط سياسية في يد السلطة المركزية.

استراتيجية الضغط البيروقراطي

أمام هذا المسار المُعقّد، تتكشف استراتيجية السلطة المركزية بوضوح: الاستعاضة عن العمل العسكري بإجراءات بيروقراطية من خلال سلاح الأختام، وحجب الاعتراف، وشلِّ المدارس، ما يؤدي إلى تطويق المجتمع المحلي وخنقه بتكلفة أقل بكثير من نشر الحواجز الإسمنتية واستنزاف القوات على الأرض.

يضع هذا الواقع القوى المحلية والمدنية في السويداء أمام استحقاق حَرِج يتجلّى في غياب استراتيجية قادرة على تحييد قطاع التعليم عن الصراع السيادي، فبدون ابتكار مسار تفاوضي مدني يفكّ الارتباط بين ملف التعليم من جهة والنزاع على سيادة القرار في السويداء من جهة أخرى، ستستمر السلطات الرسمية في استنزاف المحافظة من الداخل، وتحويل البيروقراطية إلى أداة عقاب جماعي.

في المحصلة، لا تقتصر ارتدادات هذا الاستعصاء على ضياع عام دراسي أو تبدد أوراق امتحانية، بل تُؤسِّسُ لعزلة مضاعفة قد تُفرغ المحافظة من جيلها الشاب، وتترك آلاف الطلاب أمام خيار قاهر: إمّا النزوح الفردي نحو المركز للنجاة بالمستقبل، أو البقاء في جغرافيا تتحول تدريجياً إلى سجن إداري يسحب من قاطنيه حق الاعتراف بشهاداتهم التعليمية، مع ما يعنيه ذلك على صعيد مستقبل السويداء وأهلها.