مكة- لم يكن توقيع السعودية وتركيا وباكستان “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” مجرد إعلان عن إطار جديد للتعاون العسكري، بل فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول أول اختبار عملي للاتفاقية: ماذا لو تعرضت السعودية لهجوم جديد من إيران أو الحوثيين أو الفصائل المسلحة العراقية؟ وهل يتحول بند الدفاع الجماعي إلى تدخل عسكري مشترك، أم يبقى إطارًا سياسيًا لتعزيز الردع ورفع كلفة أي اعتداء؟
وتأتي الاتفاقية في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة رسم لخريطة التحالفات الأمنية بعد الحرب الإيرانية، التي أظهرت هشاشة منظومات الأمن التقليدية، وكشفت أن التهديدات لم تعد تقتصر على الجيوش النظامية، بل باتت تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات التي تنفذها جماعات مسلحة مرتبطة بطهران ضد المنشآت الحيوية والموانئ وطرق الملاحة.
وينص الاتفاق، الذي وقعه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، على أن أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الثلاث سيُعد تهديدًا للدول الثلاث مجتمعة، وهو بند يمنح الاتفاقية بعدًا يتجاوز التعاون العسكري التقليدي نحو مفهوم الدفاع الجماعي.
لكن هذه الصياغة تطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا يتعلق بطبيعة التهديد نفسه. فهل يقتصر تطبيق الاتفاقية على الاعتداءات المباشرة بين الدول، أم يشمل أيضًا الهجمات التي تنفذها جماعات حليفة لإيران، مثل الحوثيين في اليمن أو الفصائل المسلحة في العراق؟ وهل يصبح الرد العسكري التزامًا تلقائيًا، أم يبقى قرارًا سياديًا تتخذه كل دولة وفق تقديراتها السياسية والعسكرية؟
◄ الغموض الذي يحيط بآليات التنفيذ قد يكون مقصودًا، لأنه يمنح الدول الثلاث هامشًا واسعًا للتحرك وفق طبيعة كل أزمة
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة بالنسبة إلى السعودية، التي واجهت خلال السنوات الماضية هجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت نفطية ومطارات وبنى تحتية حيوية، في وقت اعتمدت فيه إيران بصورة متزايدة على استراتيجية الردع عبر الوكلاء، بما يجعل تحديد مفهوم “الاعتداء المسلح” عنصرًا حاسمًا في تفسير الاتفاقية.
ومن هذه الزاوية، تبدو “اتفاقية مكة” أقرب إلى محاولة لبناء شبكة ردع إقليمي، تقوم على رفع كلفة أي هجوم محتمل ضد المملكة، أكثر من كونها إعلانًا عن حلف عسكري جاهز لخوض حرب مشتركة. فمجرد إدراك الخصوم أن استهداف السعودية قد يفتح الباب أمام تنسيق عسكري مع قوتين إقليميتين بحجم تركيا وباكستان، قد يشكل بحد ذاته عنصر ردع سياسي وعسكري.
وتنظر الرياض إلى الاتفاقية باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لتنويع شراكاتها الدفاعية وعدم الاكتفاء بالمظلة الأمنية التقليدية. فإلى جانب علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، تعمل المملكة خلال السنوات الأخيرة على بناء شبكة من الشراكات الإقليمية والدولية تمنحها خيارات أوسع في مواجهة التهديدات المتغيرة.
أما تركيا، فتمثل إضافة نوعية إلى الاتفاق بفضل قدراتها العسكرية المتقدمة وصناعاتها الدفاعية، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية. كما تمنح عضويتها في حلف شمال الأطلسي الاتفاقية بعدًا سياسيًا إضافيًا يعزز مكانتها الإقليمية.
ومع ذلك، يبقى مدى استعداد أنقرة للمشاركة في أي مواجهة عسكرية مباشرة سؤالًا مفتوحًا. فتركيا تحرص على الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف القوى الإقليمية، بما فيها إيران، وقد تفضل في حال اندلاع أزمة تقديم دعم استخباراتي أو تقني أو لوجستي، بدل الانخراط المباشر في عمليات قتالية واسعة.
وينطبق الأمر ذاته على باكستان، التي ترتبط بعلاقات دفاعية تاريخية مع السعودية، لكنها تحافظ أيضًا على حدود طويلة ومصالح أمنية مع إيران، وهو ما قد يفرض عليها حسابات دقيقة إذا تعرضت المملكة لهجوم جديد. ورغم امتلاكها قوة عسكرية كبيرة وسلاحًا نوويًا، فإن إسلام آباد تميل تقليديًا إلى تجنب الانخراط في نزاعات إقليمية قد توسع دائرة المواجهة.
ولهذا، فإن نجاح الاتفاقية لن يقاس فقط بوجود بند للدفاع المشترك، وإنما بقدرة الدول الثلاث على الاتفاق على آليات واضحة للتنفيذ، تشمل طبيعة الالتزامات العسكرية، وسرعة اتخاذ القرار، ومستوى التنسيق العملياتي، وإمكانية إنشاء منظومات مشتركة للدفاع الجوي والإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
◄ تنص الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد تهديدًا للجميع، لكن طبيعة الرد وآلياته وحدوده العسكرية لا تزال رهينة الترتيبات التنفيذية
ومن المرجح أيضًا أن تتطور الاتفاقية تدريجيًا، عبر تكثيف المناورات المشتركة، وتوحيد بعض إجراءات القيادة والسيطرة، وتعزيز التعاون في الصناعات العسكرية، قبل الانتقال إلى مستويات أعلى من التكامل الدفاعي إذا استدعت البيئة الأمنية ذلك.
وفي المقابل، فإن الغموض الذي يحيط بآليات التنفيذ قد يكون مقصودًا، لأنه يمنح الدول الثلاث هامشًا واسعًا للتحرك وفق طبيعة كل أزمة، دون فرض التزامات تلقائية قد تجرها إلى مواجهة لا ترغب فيها. وهذا النموذج يشبه العديد من الترتيبات الدفاعية الحديثة التي تعتمد على الردع السياسي أكثر من اعتمادها على التدخل العسكري الفوري.
ولا يقتصر البعد الاستراتيجي للاتفاقية على مواجهة التهديدات الحالية، بل يحمل أيضًا رسالة سياسية إلى القوى الإقليمية بأن السعودية باتت قادرة على بناء تحالفات متعددة الأطراف بسرعة، وجمع قوى عسكرية مؤثرة حول رؤية أمنية مشتركة، وهو ما يعزز مكانتها بوصفها لاعبًا محوريًا في إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي.
وفي ظل استمرار التوترات في الخليج والبحر الأحمر، قد تصبح “اتفاقية مكة” نواة لترتيبات أمنية أوسع، سواء بانضمام دول جديدة إليها أو بربطها بمبادرات دفاعية أخرى، مثل التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات الذي تقوده السعودية لحماية الملاحة.
وفي نهاية المطاف، لن يكون الاختبار الحقيقي للاتفاقية في نصوصها، بل في أول أزمة أمنية تواجه إحدى الدول الثلاث. فإذا تعرضت السعودية لهجوم جديد من إيران أو الحوثيين أو الفصائل العراقية، فسيكون على أنقرة وإسلام آباد تحديد شكل التزامهما العملي. وعندها فقط سيتضح ما إذا كانت عبارة “الهجوم على أحدنا هو هجوم علينا جميعًا” تمثل التزامًا دفاعيًا قابلًا للتنفيذ، أم أنها تبقى في المقام الأول رسالة ردع سياسية تهدف إلى منع الحرب أكثر من خوضها.