TOPSHOT - In this handout photograph released by the US Navy on February 6, 2026, an F/A-18F Super Hornet, attached to Strike Fighter Squadron (VFA) 41, makes an arrested landing on the flight deck of Nimitz-class aircraft carrier USS Abraham Lincoln in the Arabian Sea on January 30, 2026. On February 6, 2026, Iran's foreign minister led a delegation in indirect nuclear talks with the US Middle East envoy in Muscat. The talks followed threats from Washington and its recent deployment of an aircraft carrier group to the region following Iran's deadly crackdown on anti-government protests last month. (Photo by Hannah Tross / US NAVY / AFP) / RESTRICTED TO EDITORIAL USE ñ MANDATORY CREDIT: ìAFP PHOTO / US NAVY / Mass Communication Specialist Seaman Hannah Trossî ñ NO MARKETING ñ NO ADVERTISING CAMPAIGNS ñ DISTRIBUTED AS A SERVICE TO CLIENTS
قد تكون واشنطن وطهران أقرب إلى مواجهة عسكرية من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة، غير أنهما لا تقفان على أعتاب حرب تقليدية. فالسيناريو الأرجح في المرحلة الراهنة لا يتمثل في غزو أميركي لإيران أو اندلاع حرب إقليمية شاملة، بل في ضربة محدودة ومحسوبة بدقة، تستهدف إعادة صياغة معادلات التفاوض لا حسمها.
خلال الأسابيع الأخيرة، بدا التناقض واضحا، الولايات المتحدة تعزز انتشارها العسكري في الشرق الأوسط بصورة لافتة، والمسؤولون الإيرانيون يكررون رفضهم الرضوخ للضغط. ومع ذلك، يواصل الطرفان التحدث عن التفاوض، وأحيانا في التوقيت ذاته. لا يعكس هذا التعارض حال ارتباك، بل يجسد منطقا معروفا في السياسة الدولية يقوم على توظيف الحرب، أو التلويح بها، كأداة تفاوض.
في إطار نموذج المساومة في الحروب، لا تقتصر القوة العسكرية على إلحاق الهزيمة بالخصم، وإنما تسعى إلى تعديل تصورات الكلفة ومستوى الصلابة ونوايا المستقبل، حين تعجز الدبلوماسية وحدها عن إنتاج التزامات موثوقة. وهكذا فإن ما يجري اليوم لا يشير إلى انهيار المسار الدبلوماسي، وإنما إلى عسكرته.
تتزامن هذه الدينامية مع مفاوضات هادئة تدور في سلطنة عمان، حيث يختبر مفاوضون إيرانيون وأميركيون الخطوط الحمراء للطرف الآخر ومدى استعداده لتقديم تنازلات. لا تتناقض هذه المحادثات مع التصعيد القائم، بل تندرج ضمن منطقه. ففي حسابات المساومة، تسير الدبلوماسية والضغط العسكري جنبا إلى جنب، بدل التعاقب.
من منظور واشنطن، تبدو إيران اليوم أضعف مما كانت عليه خلال العقد الماضي. فعلى امتداد العامين الماضيين، تآكلت بنية الردع الإقليمية التي نسجتها طهران تحت اسم محور المقاومة تآكلا ملحوظا. يرزح “حزب الله” تحت ضغط متواصل، وتفككت حركة “حماس” إلى حد كبير بوصفها قوة عسكرية، وانهار نظام الأسد في سوريا. حتى المجال الجوي الإيراني انكشف خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يوما مع إسرائيل العام الماضي، ما أطاح بافتراضات راسخة بشأن حصانته الدفاعية.
لا تزال إيران تمتلك قدرات معتبرة في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة، وربما وسعت بعض جوانب ترسانتها. والأهم أن صواريخها حققت خلال الحرب الأخيرة اختراقا جزئيا لمنظومة القبة الحديدية الإسرائيلية. ولكن بينما يقوم الردع على قوة العتاد، فإنه يقوم أكثر على المصداقية. وهذه المصداقية، ولا سيما القدرة على فرض كلفة باهظة على الخصوم عبر مسارح متعددة، أصابها وهن واضح.
وأشعل هذا التقدير نقاشا محتدما في واشنطن حول كيفية استثمار اللحظة، بوجود تيار يرى أن الفرصة مواتية لتشديد الضغط على إيران، لأنها بحسب هذا الرأي محاصرة استراتيجياً وتعاني بدرجة غير مسبوقة من الضعف. وعليه، ينبغي توظيف المفاوضات ليس لتثبيت الوضع القائم، وإنما لانتزاع أقصى التنازلات فيما يتعلق بالبرنامج النووي والصواريخ والوكلاء الإقليميين. بل يمضي بعض أنصار هذا الاتجاه أبعد من ذلك، فيدعون صراحة إلى جعل تغيير النظام هدفا قابلا للتحقيق إذا استخدمت قوة كافية. يقوم منطقهم على معادلة واضحة: تراجع الردع الإيراني، ضعف الحلفاء، هشاشة القيادة. ويتساءل أصحاب هذا الطرح: لماذا تمنح الولايات المتحدة طوق نجاة للجمهورية الإسلامية التي تغرق أمامنا؟ ولماذا الاكتفاء بمكاسب محدودة إذا بدا ميزان القوى مائلا لمصلحتها؟
وهنالك في المقابل تيار ثان لديه قراءة مغايرة. نعم، تقع إيران تحت ضغط شديد، غير أن هذا الواقع قد يفتح نافذة لنجاح المفاوضات. ويشدد أنصار هذا الاتجاه على أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبدى مرارا معارضته للتدخلات العسكرية واسعة النطاق ولما يسميه الحروب التي لا تنتهي. ومن هذا المنظور، تتيح اللحظة الراهنة لترمب فرصة إعلان نصر سياسي من دون إقحام الولايات المتحدة في صراع جديد في الشرق الأوسط. فالاتفاق الذي يُنتزع تحت وطأة الضغط يمكّن واشنطن من تقييد إيران، ويعزز في الوقت نفسه السردية التي تبناها ترمب طويلا، ومفادها أن الحزم هو الطريق إلى النتائج.
على أن ترمب يواجه الآن معضلة صنعها بنفسه. فمع تعهده المتكرر بدعم المحتجين الإيرانيين، ووصفه قيادة طهران بأنها غير شرعية، رفع سقف التوقعات داخليا وخارجيا إلى ما يتجاوز حدود الملف النووي. تضيّق هذه الالتزامات هامش المناورة أمامه. قد يفسر الإحجام عن الفعل بوصفه وَهنا، فيما يتعارض خوض حرب شاملة مع الصورة السياسية التي حرص على ترسيخها.
هنا يبرز دور استراتيجية ترمب “السلام عبر القوة”. في هذا المنطق، لا تعد القوة العسكرية غاية بذاتها، وإنما تستخدم أداة لفرض التفاوض بشروط مواتية. يهدف العمل العسكري المحدود والحاسم إلى ردع الخصوم وطمأنة الحلفاء وإظهار العزم والإرادة، من غير أن يزج الولايات المتحدة في صراع طويل الأمد.
تفسر هذه المعادلة ميل صانعي القرار في واشنطن إلى تفضيل ضربة محدودة على خيار الغزو. فالضربة المحسوبة تنسجم مع هذا الإطار أكثر من خيار الانكفاء أو الاجتياح، وتبعث رسالة حازمة، وترضي الأصوات المتشددة في الداخل، وتحافظ على صورة ترمب الرافض للحروب الممتدة، والأهم أنها تعيد تشكيل بيئة التفاوض تمهيدا لمباحثات أكثر جدية. ويغدو هذا السيناريو أرجح إذا امتنعت طهران عن تقديم التنازلات التي يحتاجها ترمب لإعلان إنجاز سياسي.
كما عززت العملية الأميركية في فنزويلا قابلية هذا النموذج للتطبيق. فالتجربة الفنزويلية، على اختلاف سياقاتها، كشفت إمكان استهداف رأس السلطة في دولة ذات سيادة، وأضعفت محظورا دوليا استقر طويلا. غير أن ترتيب الخطوات هناك يختلف عما قد يحدث في إيران. ففي فنزويلا سبقت التحرك اتصالات هادئة مع دوائر داخل النظام قبل إلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو. أما في الحالة الإيرانية، فقد ينعكس التسلسل: مفاوضات علنية أولا، تعقبها ضربة تستهدف القيادة، ثم استئناف التفاوض مع شخصيات من الصف الثاني. ومع ذلك، تركت السابقة الفنزويلية صداها في طهران، وأشعرت صناع القرار بأن استهداف قمة هرم السلطة لم يعد أمرا مستحيلا أو باهظ الكلفة إلى حد يردع التفكير فيه، وهو إدراك يعيد تشكيل حسابات التهديد الإيرانية.
يبقى غزو إيران خيارا يفتقر إلى الرشد الاستراتيجي. فكلفته باهظة، وتداعياته الإقليمية عصية على الضبط، والدعم الداخلي له موضع شك كبير. لا تتعلق المشكلة بقدرة الولايات المتحدة على تنفيذ الغزو، بل بغياب المسوغين السياسي والاستراتيجي. وما زال شبح العراق حاضرا في الذاكرة، وقليلون في واشنطن يعتقدون بإمكان إدارة دولة بحجم إيران وسكانها وتعقيداتها الداخلية من غير فتح باب اضطراب طويل الأمد.
وفوق الأعباء العسكرية والسياسية المباشرة، سيشكل غزو إيران جرحا استراتيجيا ذاتيا في سياق التنافس بين القوى الكبرى. فحرب برية ممتدة ستستنزف الموارد العسكرية والمالية والسياسية الأميركية، وتبعدها عن أولويتها الاستراتيجية الأولى، منافسة الصين. كما أن نزاعا استنزافيا في الشرق الأوسط سيرفع أسعار الطاقة عالميا، ويغذي التضخم في الداخل الأميركي، ويضغط على التحالفات، ويقلص قدرة واشنطن على إسقاط قوتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ومن منظور بكين، سيبدو مثل هذا الصراع فرصة لصرف انتباه الولايات المتحدة بينما تعزز الصين مواقعها في تايوان وبحر الصين الجنوبي وسلاسل توريد التكنولوجيا الحساسة. وحتى إذا تحقق نجاح عسكري أولي، فإنه لا يضمن سقوط النظام في ظل بنية سياسية إيرانية متشابكة وقادرة على امتصاص الصدمات، فيما ستجد الولايات المتحدة نفسها غارقة في جهود تثبيت مكلفة بعوائد استراتيجية متناقصة. لذلك، لا يندرج خيار الغزو في خانة ما لا يرغب فيه فحسب، بل يتعارض جذريا مع أولويات الولايات المتحدة العالمية على المدى البعيد.
يدرك المخططون العسكريون هذه الحقائق، وكذلك القادة السياسيون. لذلك انصرف النقاش من فكرة الغزو إلى صيغ أكثر جراحية في استخدام القوة.
في المقابل، قد ترفض طهران منطق الهيمنة الأميركية على التصعيد من أساسه. وعندئذ قد ترى أن ضبط النفس لا يجلب سوى مزيد من الضغط، فترد بخطوات توسع رقعة النزاع عمدا وتختبر قدرة واشنطن على التحكم بوتيرته ونطاقه. وقد يشمل ذلك استهداف أصول أميركية في مسارح إقليمية متعددة، أو التلويح بالممرات البحرية الحيوية، أو تسريع الأنشطة النووية لتعديل الحسابات الاستراتيجية.
هنا يتركز مكمن الخطر. فالمساومة عبر القوة بطبيعتها غير مستقرة. وحتى حين يسعى الطرفان إلى تفادي حرب شاملة، قد يدفع بهما سوء التقدير، أو إساءة قراءة نيات الخصم، أو ضغط الداخل، إلى ما يتجاوز حدود النية الأصلية. وحين تتحول القوة إلى لغة تخاطُب، تتشوه الإشارات، وقد تفضي أفعال ترمي للردع إلى استفزاز غير مقصود. في مثل هذا المناخ، يغدو الفاصل بين تصعيد مضبوط ونزاع منفلت رفيعا، ولا يُتبين إلا بعد فوات الأوان.
لهذا تبدو اللحظة الراهنة شديدة التقلب. فالتسلسل المرجح لا يبدأ بمفاوضات تعقبها القوة، وإنما بقوة تفضي إلى مفاوضات. ويكون السيناريو التالي: تقع ضربة، تعلن الولايات المتحدة تفوقها في إدارة التصعيد، ترد إيران، ثم تنطلق مباحثات جدية حين يقتنع الطرفان بأن مساحة التفاوض أعيد ضبطها. وبهذا المعنى، لا تشكل الضربة إعلانا بالفشل، وإنما الحدة بشرط الدبلوماسية.
لم يعد السؤال ما إذا كانت القوة ستستخدم، بل ما إذا كان يمكن استخدامها من غير أن تنفتح أبواب صراع لا يرغب فيه أي من الطرفين، ويصعب عليهما إذا اندلع احتواؤه. تلك هي مفارقة المساومة بالقوة، فهي توظف لتجنب الحرب، لكنها بدلا من ذلك تقربها. تتحرك إيران والولايات المتحدة اليوم داخل ممر ضيق، لكل إشارة فيه وزنها، ولكل خطوة تبعاتها، فيما يتقلص هامش الخطأ على نحو ينذر بالعواقب.
في السيناريو المتداول في واشنطن، يتجه الخيار الأرجح نحو قطع رأس النظام لا احتلال الأراضي. فمثل هذه الضربة ستستهدف نطاقا محددا من الأهداف: المرشد الأعلى، وقيادات عسكرية وسياسية رفيعة، ومنشآت نووية منتقاة، وبنية تحتية صاروخية، وعقد القيادة والسيطرة. ويرجح أن يعقبها اعتماد استراتيجية الهيمنة على التصعيد، على غرار المقاربة التي انتهجتها واشنطن عقب اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني عام 2020، بهدف ردع طهران عن تحويل ردها الموعود إلى حرب شاملة. لا يتمثل المقصود في تدمير القدرات الإيرانية بالكامل، وهو أمر يتجاوز حدود الممكن، وإنما في إظهار تفوق حاسم في إدارة سلم التصعيد.
الرسالة في هذا التصور لا لبس فيها: تستطيع الولايات المتحدة ضرب قلب النظام الإيراني، وامتصاص رد محدود، والإبقاء على زمام التحكم بدرجات التصعيد. والأهم أن تقترن الضربة بضبط النفس، بحيث تكون مصممة لتنتهي سريعا، بما يوحي بأن واشنطن تسعى إلى تعزيز أوراقها التفاوضية لا إلى إشعال حرب.
من زاوية منطق المساومة، تكمن الغاية هنا. تعيد ضربة من هذا النوع رسم توازن الصلابة في الأذهان، وترفع كلفة التحدي، وتفتح باب التفاوض من جديد، ولكن وفق شروط مغايرة.
ويبقى رد إيران العامل الأكثر غموضا. فقد تختار طهران ردا محسوبا ومحدودا ذا طابع رمزي، للحفاظ على الردع والمصداقية الداخلية من غير الانزلاق إلى تصعيد خارج السيطرة. وقد يتخذ ذلك شكل تحرك غير مباشر عبر شركاء إقليميين، أو ضربات صاروخية أو بطائرات مسيرة مضبوطة الإيقاع، ترسل إشارة صلابة من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية. ينسجم هذا المسار مع تفضيل إيراني راسخ للغموض والتدرج في الرد.
