(1)
يبدو لي أن الروائي العالمي غابرييل غارسيا ماركيز مرَّ على جميع أدباء العالم، بمن فيهم أدباء البلدان العربية، منذ أن تُرجمت رواياته إلى أغلب لغات الأرض، ومنها العربية. ولم تكن الترجمة مقتصرة على الأعمال الروائية فحسب، بل سبقتها مقالاتٌ ودراساتٌ ومقابلاتٌ وإعلاناتٌ عنه وعن تجربته، حتى سحرنا جميعًا بما سمّي بـ”الواقعية السحرية”. تحوّلت هذه المقولة إلى ما يشبه الفنار الذي يهتدي به الشعراء والساردون والنقّاد والقرّاء المتذوّقون، على حدٍّ سواء، وكأنها ميناءٌ رمزيٌّ ترسو عنده سفن الخيال القادمة من جهاتٍ شتّى.
ومع توالي الترجمات، واتّساع دائرة القراءة، أصبح ماركيز واحدًا من عمالقة الأدب العالمي، لا بسبب فرادة الحكايات وحدها، بل بفضل منظومةٍ كاملةٍ من المقومات التي شرعت أبواب انتشاره: قوة المخيلة، وجرأة البناء، وسحر اللغة، وقدرة السرد على تحويل اليومي إلى أسطورة. حتى صرنا نقرأ عن تسابق دور النشر على شراء حقوق رواياته قبل أن يشرع في كتابتها، وكأن اسمه وحده ضمانةٌ لـ “ولادة حدثٍ أدبيٍّ عالمي”.
لقد غدا ماركيز علامةً تتجاوز معظم علامات الأدباء السابقين واللاحقين، وصار أسلوبه ميزانًا تُقاس به الكتابات السردية الجديدة. فكلُّ روايةٍ تصدر، أو حوارٍ يُنشر، أو مقابلةٍ تُبث، لا بد أن يُسأل، أين أثر ماركيز هنا؟ وكيف تتجلّى روحه؟ حتى تحوّل حضوره إلى مرجعيةٍ عقلانيةٍ وعاطفيةٍ في آنٍ واحد، تخضع لها الذائقة الأدبية قبل الأحكام النقدية.
(2)
أصبحت قراءة ماركيز في البلدان العربية أمرًا يكاد يكون واجبًا ثقافيًّا، ولا سيما في المشرق، بينما كان المغرب العربي أسبق إلى استقباله بحكم القرب الجغرافي وسهولة التواصل اللغوي، وحضور النقّاد والمترجمين. ومن هناك انتقلت عدوى القراءة إلى الشرق، وخصوصًا إلى العراق، حيث بدأنا نقرأ إصداراته متأخرين زمنيًّا، لكن بشغفٍ مضاعف… الشغف الذي جعلنا كساردين ننتظر معارض الكتب لنحصل على نسخةٍ من أي عمل مترجم، قبل أن تنفتح أمامنا شاشات الغوغل، وما عرف بالشبكة العنكبوتية.
كانت روايتا “مائة عام من العزلة”، و”الحب في زمن الكوليرا”، هما الأشهر في السباق القرائي، وصارت “الواقعية السحرية” مفتاحًا لفهم العالم، لا لفهم ماركيز، والعكس صحيح. ثم جاءت أعمالٌ أخرى، مثل “خريف البطريرك”، و”ليس لدى الكولونيل من يكاتبه”، وتحول كتابه “عشت لأروي” وكأنه حكاية كل سارد، فبدت كأنها خرزاتٌ تكتمل بها مسبحة القراءة. ومع الزمن، تحوّل القبول المسبق إلى موقفٍ عام، لا حرف يسقط من نصّه، ولا جملة تُقرأ بلا صداها السابق، ولا فصل بلا تأويل، ولا مقطع بلا حاشيةٍ استنطاقية.
حتى الكتابات النقدية العربية لم تعد تخلو من الاستناد إلى روايةٍ له، أو مقولةٍ من كتبه، بل إن بعض النقّاد راحوا يكيّفون آراءهم لتتطابق مع ما توصّل إليه ماركيز، لا مع ما توصّلت إليه مناهجهم الخاصة. وهكذا تحوّل الكاتب إلى معيارٍ تُقاس به القراءة ذاتها، لا إلى موضوعٍ لها فحسب.
(3)
قرأنا ماركيز لأنه حوّل الرواية إلى كائنٍ ساحر، لغةً وفكرةً وحكاية. ربما كان ذلك أثر أميركا اللاتينية، ومن سبقه، من أمثال بورخس، لكنه صعد بالقمّة إلى علوٍّ آخر. فالسحر عنده ليس في اللغة وحدها، بل في إدارة الحدث، وليس في الحدث وحده، بل في المناورة الفكرية التي تمنحها اللغة مفعولها الخفي.
دخل ماركيز إلى عقل القارئ العربي، والعراقي خصوصًا، لأنه اختلف عن سابقيه ومجايليه. لم يعتمد على الحكاية التي تسرق العاطفة فحسب، ولا على التماهي الساذج مع البطل، كما في سردياتٍ تشبه الأفلام الهندية، حيث تكون العاطفة لعبة المنتج الروائي، مضافًا إليها شيءٌ من اللغة المثقلة، والجنس، والصراع السياسي، ومواجهة التابوات الثلاثة لإثبات “شجاعة” الكاتب.
لقد جاء ماركيز بشيءٍ آخر جعل المتلقّي ينساب مع اللغة، حتى وهي مترجمة، إذ لم تُفسد الترجمات نصَّه، بل راكمت عليه مفاعيل عقليةً جديدة. النص لديه مواجهةٌ مع الحكاية عبر الفكرة، وانسياقٌ مع الفكرة عبر روح الحكاية. لذلك تبقى أسماء الأبطال والأماكن مخزونةً في ذاكرة القراءة، لا بوصفهم شخصياتٍ روائية فحسب، بل باعتبارهم أسس التفاعل بين الفكرة المسنَدة واللعبة التي تدير الفاعلية السردية.
وهكذا لم نقرأ ماركيز لنتعلّم كتابة الرواية فقط، بل لنتعلّم كيف يمكن للحياة أن تُروى بطريقةٍ أخرى، وكيف يصبح الواقع أكثر دهشةً من الخيال حين يُدار بعقلٍ أسطوريٍّ يعرف أن الحقيقة ليست ما نراه، بل ما نستطيع أن نحكيه.
(4)
قرأنا ماركيز ليس بوصفه صانعَ قصصٍ تقليديًّا يحمل عُدّة الحكاية الجاهزة، بل بوصفه كاتبًا يجعل القصة مجالًا للتطوير، وفضاءً لمنح السحر عبر لغةٍ ساحرة. كان شغله الأعمق تنظيم الدلالات كي يمنح المدلول مكانته، ورسم المشهد عبر مستوى تصويريّ يجعله أساسًا لسينمائية اللوحة اللغوية. فالوصف عنده غايةٌ في ذاته، لا مجرّد استكمالٍ لفراغ سردي، وربما هنا يكمن تفوّقه على المستوى الإخباري الذي ساد الروايات قبله، إذ مازج بين الإخبار والتصوير بروح الفكرة، ومنح نتاج المستويين حياة الحكاية.
السرد لديه معنى لا اكتفاء دلالة، والخلاصة إنتاج حقلٍ واسع تتداخل فيه المستويات الستة التي توصلت إليها من خلال كتاباته، ونشرتها على شكل مقالاتٍ توّجت بثلاثة كتبٍ نقدية، الإخباري، التصويري، التحليلي، الفلسفي، القصدي، والمستوى التأويلي بحيث يتمتّع القارئ ويتأمّل المتلقّي، والفرق بين المتعتين هو أن ماركيز خلخل البنية القرائية وفاعلية التلقي، ومنح الساعات القرائية مهلةً لاستنطاق المفردة والجملة والمقطع، حتى غيّر مفاهيم النقد التي كانت تقلّل من شأن الوصف والمستوى التصويري.
إن أغلب رواياته مشبّعة بوصفٍ كثيف، كأنه يردّ عمليًّا على مقولة ناتالي ساروت إن الرواية “كيسٌ منفوخ نضع فيه أي شيء”، ليحوّل هذا “الكيس” إلى حضانةٍ حيّةٍ لكلّ ما يرغب الروائي في بثّه من رؤى وأصوات. أمام هذا الفيض، لم يعد النقّاد قادرين على طرح أسئلتهم القديمة، لماذا يطول الوصف هنا؟ ولماذا يتّسع التحليل هناك؟ ولماذا يرتفع منسوب الإخبار في موضعٍ من دون آخر؟ فقد جعل القصدية فلسفية أحيانًا، وتأويلية أحيانًا أخرى، بحيث يحصد المستوى القصدي ما يزرعه المستوى التأويلي.
(5)
قرأنا ماركيز بهذا الشغف لأننا كنّا محكومين بقراءاتٍ أقرب إلى الشفاهية، وإن كُتبت بالحبر. كان القارئ يقرأ الرواية وكأنه يستمع إلى راوٍ يجلس بقربه، ولذلك بالغ كثير من النقّاد في رفض “الراوي العليم”، من دون أن يدركوا أن ماركيز يمتلك عددًا من الرواة العالمين، لكنه لعب لعبةً ذكيّةً حين دمج بين صوت الرواية وصوت الروائي في نسيجٍ واحد.
كانت قراءاتنا الأولى تبحث عن المتعة وحُسن سبك الحكاية، فجاء ماركيز ليحوّلها إلى تفكيرٍ واستمتاعٍ ومقارنةٍ ومشاركة. لم يتفوّق لأنه امتلك نوعيةً مختلفة من القصص، فالجميع يملكون مخيّلة صناعة الحكايات، بل لأنه امتلك القدرة على اللعب في كيفية إدارة الإنتاج التدويني، لغةً، ومحاورةً، ومحاور. لذلك تنوّعت القراءات مثلما تنوّع الحصاد، وصار “الاستهلاك الفني” تابعًا لمساحات القراءة الواسعة التي فتحها، فكسر أفق التلقي السابق وديناميكيته.
غير أن هذه السحرية لم تولد من فراغ، بل من واقعٍ غرائبيّ استلّه ماركيز لا بوصفه نقلًا مباشرًا، بل بوصفه إعادة خلق. ومع ذلك، ما زلنا نقرأ رواياتٍ تميل إلى التسجيل المباشر يفضّلها بعض النقاد لأنها لا تُتعبهم بعُسر التفكير، بل تمنحهم كذلك سهولة الحكم، فيكتفون بتفسير الحكاية والمرور السريع على الفعاليات النقدية الأخرى.
(6)
حين قرأنا ماركيز تأثّرنا به، كونه جاء بشيءٍ جديد، لكننا بقينا أسرى الإعجاب أكثر من الغرق في التأثير الحقيقي. فالأثر الماركيزي في الإنتاج الروائي العربي ظلّ محدودًا، لأن السرد العربي بقي، في رأيي، أسير مركوناتٍ ثابتةٍ أسهل على المنتج والناقد والقارئ. ومع ذلك يظلّ المتلقّي الحاذق واقفًا أمام مرايا ماركيز، يعيد قراءة كتبه، ويستعيد مقابلاته، وذلك بحثًا عن السرّ الذي يجعل الرواية ممكنةً بوصفها دهشةً لا تنتهي، وطريقةً أخرى لرؤية العالم، حيث يصبح الواقع أكثر اتّساعًا كلما اقترب من تخوم الخيال.