توقّفت لأجل غير مسمّى المفاوضات اللبنانيّة مع إسرائيل بعد اجتماع تامبا الأخير في الولايات المتّحدة. وفي الداخل اللبنانيّ ما تزال السلطات متردّدةً في إحالة قضيّة شاحنات المتفجّرات على المجلس العدليّ خوفاً من “زعل” “الحزب” وخوفاً من تهديداته بالتفجير. دائماً يرينا “الحزب” نموذجاً من قدراته في زحف الموتورسيكلات بشوارع بيروت وقد فعل قبل أيّام، فهل تملك السلطات أن تفعل شيئاً أم أنّ الخوف شلَّها؟
منذ تسعينيّات القرن الماضي تقوم “سيبة السلم” في لبنان على التشارك بين ثلاثة أطراف: العسكر السوريّ وغازي كنعان، عسكر الحزب المسلَّح وقائده حسن نصر الله، والطبقة السياسيّة اللبنانيّة التي قبلت مرغمةً ثمّ راضية هذا التشارك.
تصدّعت هذه الشراكة عام 2005 بمقتل الرئيس رفيق الحريري فضعُف السوريّون بعض الشيء من دون أن يزول نفوذهم تماماً إلّا بخروج عسكرهم واستخباراتهم من لبنان. وسدّ الحزب المسلَّح ثقوب الفراغ باحتلال بيروت عام 2008، والاستيلاء العلنيّ على الحكومات ومجلس النوّاب، ورئاسة الجمهوريّة، ثمّ التدخّل في سورية لدعم حكم الأسد بعد العام 2011، وبذلك صارت إيران، بواسطة الحرس الثوريّ والتنظيمات المسلّحة التابعة له، هي القوّة المسيطرة على مصائر “الهلال الخصيب” في العراق وسوريا ولبنان.
ما بقي خارج السيطرة إلّا الأردن رغم محاولات الاختراق بالسلاح والمخدّرات. وما حصل تغيير رغم الحروب الصغيرة إلّا عام 2024 عند سقوط حكم الأسد، ثمّ تعرّض إيران للحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة.
السّياسة في قفص السّلاح
غياب نظام الأسد، وتراجع النفوذ الإيرانيّ، والخسائر التي مُنيت بها حروب الإسناد، مجتمعةً، فتحت الباب أمام طموحات التغيير. وإذا كانت آليّات انتخاب رئيس الجمهوريّة لم تشهد تحوّلاً يُذكر، فإنّ التغيير طال آليّات تشكيل الحكومة، وصولاً إلى استحداث موقع لرئيس حكومة من خارج الطبقة السياسيّة التقليديّة، من دون المرور بالمفاوضات والتفاهمات التي كانت تجري سابقاً بين الأطراف الثلاثة.
بدأ التغيير المأمول في خطاب القسم لرئيس الجمهوريّة، ثمّ في الدخول من جانبه في مفاوضات مع إسرائيل بوساطة أميركيّة. أمّا التغيير الآخر فبدا في قرارات الحكومة بشأن حصريّة السلاح، ثمّ بشأن اعتبار سلاح “الحزب” غير قانونيّ أو غير شرعيّ. وهذا أمرٌ لم يجرِ مثله منذ الطائف وما قبله. إنّما منذ ذلك الحين ما تغيّر شيءٌ كثير أو كبير. فالمفاوضات مع إسرائيل ما حدث فيها تقدُّم ملموس باستثناء زيادة مساحات الاحتلال والاستمرار في تخريب العمران وإجلاء السكّان، بينما مطالبات لبنان بالانسحاب الإسرائيليّ ما أفادت فيها الجولات العشر للمفاوضات. كما بقي سلاح “الحزب” مشهوراً من دون تغيير.
إذا كان التقدّم رغم التفاوض المباشر لم يحصل، فقد حصل ما هو سلبيّ وأكثر في مسألة حصريّة السلاح. فقد تبيّن أنّ “الحزب” ما يزال يزيد سلاحه من سوريا ولبنان، وما يزال يتلقّى أموالاً طائلةً من إيران. ثمّ جاءت المصادفة باكتشاف شاحنة المتفجّرات بضهر البيدر التي اعترف “الحزب” بامتلاكها وطالب بردّها، ثمّ استقبال نائب وزير الخارجيّة الإيرانيّ سعيد خطيب زاده الذي طالب بالإبقاء على سلاح المقاومة، فضلاً عن كلام الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم عن ضرورة بقاء السلاح ما دام الاحتلال موجوداً، ليبرز السؤال: ماذا فعلت السلطات في مواجهة السلاح وحامليه؟
باستثناء مصادرة شاحنة المتفجّرات والقبض على اثنين، واعتبار الشاحنة خطراً على أمن الدولة، لم تجرؤ الحكومة على إحالة القضيّة على المجلس العدليّ. وفي حين تلوح نُذُرُ الحرب أو تجدّدها بين أميركا وإيران، يقول رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي إنّ “الحزب” أكّد له أنّه لن يشارك فيها، في حين يرجّح مراقبون أنّ “الحزب” شأنه في ذلك شأن الحوثيّين سيشارك ويجرّ ليس الجنوب فقط بل كلّ لبنان إلى تجربة أخرى.
حكمٌ بلا حيلة.. وجنوبٌ بلا غطاء
بعد اجتماع التفاوض الأخير في تامبا بالولايات المتّحدة، يبدو الحكم اللبنانيّ عديم الحيلة. ووسط “ازدهار” التفاوض بين أميركا وإيران، يعود الإيرانيّون لطرح إفادة لبنان من مفاوضاتهم مع الولايات المتّحدة إذا نجحت. وباستثناء تقديس السلطة للجيش وأنّ الشعب يحميه وليس العكس، تبدو كلّ الأبواب مسدودة، وبخاصّةٍ أنّ “اليونيفيل” ينتهي وجودها آخر العام، ويحدث فراغٌ آخر ينال مزيداً من أمن الجنوب، ومن هيبة الجيش. وليس هذا فقط، فنوّاب وعاملو الحزب المسلَّح يهدّدون بتفجير النزاع الداخليّ إذا ازدادت الضغوط على “الحزب”.
إنّ الواضح الآن أنّ السلطة هي في مكانها الذي كانت فيه قبل سنتين، أي قبل قرار أو قرارَي حصر السلاح واعتباره غير قانونيّ. ولا أحد يأمل أو يصدّق أنّ الجيش سيتابع عمليّة حصر السلاح لا في الجنوب الذي تحتلّ إسرائيل معظم أجزائه، ولا في البقاع الذي يتمركز فيه “الحزب” بصواريخه ومدفعيّته ومسيّراته.
كما يبدو من تصرّفات المسؤولين فإنّهم يأخذون تهديدات “الحزب” على محمل الجدّ، ولذلك لا يتحرّكون وكأنّما هم في التسعينيّات من القرن الماضي وليس في أواخر العام 2026.
السلام المستدام أو المؤقّت يحتاج إلى هذا التسليم لـ”الحزب” بدون خوفٍ من التعيير أو التبرير. ومن لا يعجبه الحال فليذكر البدائل التي يمكن اتّباعها. أمّا من يصرّ على المواجهة فتتّهمه السلطات بالمزايدة والشعبويّة. أمّا “الحزب” الذي يتابع استعداداته فيريد من السلطة إقفال باب التفاوض والاعتماد على نتائج المفاوضات الإيرانيّة مع أميركا.
