حمل الصيف ما يكفي من دولارات المغتربين لتخفيف الضغوط عن الليرة، لكنّ الشتاء المقبل يحمل اختباراً أكثر دقّة من كلّ ما سبق في حربَي الإسناد، مع تحوّل الحرب الأميركيّة على إيران وأذرعها في المنطقة من السلاح الحربيّ إلى السلاح الماليّ “الساحق”، وفق تعبير المسؤولين الأميركيّين.
ليس استشعار لبنان للضغوط جديداً تماماً، بل إنّه ظهر على الورق من خلال تراجع الاحتياطيّات الأجنبيّة لدى مصرف لبنان بنحو 450 مليون دولار في الشهرين الأوّلين من حرب إيران، إلّا أنّ الضغوط تراجعت بفضل تدفّقات العملة الصعبة التي حملها المغتربون والسيّاح في موسم الصيف، والتي رفعت الاحتياطيّات بنحو 120 مليون دولار بين شهرَي حزيران وآب.
مستويات الخنق الماليّ
غير أنّ الاختبار سيدخل مرحلة مختلفة تماماً مع توالي المفاعيل العمليّة لإجراءات الخنق الماليّ الكامل لإيران وأذرعها على مستويات عدّة، أهمّها:
1- تصفير الإيرادات النفطيّة من خلال حصار مشدّد على الموانئ الإيرانيّة. وقد بدأ هذا الحصار يؤتي نتائجه بشكل متسارع، مع انخفاض مبيعات النفط الإيرانيّ إلى نحو نصف مليون برميل يوميّاً الشهر الماضي، أي ثُلث ما كانت تبيعه إيران في نيسان الماضي. ومن المؤكّد أنّ الانخفاض سيزداد حدّة إذا استمرّ الحصار، لأنّ ما تبيعه إيران حاليّاً هو النفط الذي تحمله الناقلات في البحار. وقد انخفض هذا المخزون بالفعل من نحو 90 مليون برميل عند بدء الحصار إلى أقل من 30 مليون برميل حاليّاً. وتشير تقديرات بلومبرغ إلى أنّه سينضب بحلول منتصف تشرين الأوّل إذا بقيت الأوضاع على حالها. وعندها ربّما لا تجد إيران ما تبيعه وتقبض ثمنه.
2- الإجراءات المشدّدة لقطع الشرايين الماليّة الإيرانيّة، من خلال ملاحقة الكيانات “الواجهة” التي تستخدمها إيران للالتفاف على العقوبات ونقل الأموال إليها، ومنها إلى أذرعها.
3- تطبيق العقوبات على الأطراف الثالثة التي تشتري السلع الإيرانيّة أو تسهّل عمليّات نقل الأموال لمصلحة طهران، ومن آخرها فرض عقوبات على فروع بنك مصر في الإمارات.
4- بالتوازي مع ذلك، أعادت الخزانة الأميركيّة الشهر الماضي تصنيف “الحزب” بوصفه كياناً تحت إمرة “فيلق القدس”، وعاقبت عشرة أشخاص في شبكة تتولّى نقل النقد عبر رحلات تجاريّة بين عدد من دول المنطقة.
الحزب “ميزان الحرارة”
لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتّى بدأت آثار تلك العقوبات تظهر على أذرع إيران في المنطقة. ولا شكّ أنّ “الحزب” يُعِدّ “ميزان الحرارة” الأهمّ لقياس مدى نجاح الحصار الماليّ الأميركيّ. ويمكن في هذا الصدد الركون إلى معلومات متواترة تؤكّد أنّ “الحزب” بدأ يواجه صعوبات كبيرة في الحصول على التمويل التشغيليّ المعتاد من إيران، لمزيج من نقص الموارد لدى إيران نفسها، وصعوبة نقل الأموال إذا توافرت أصلاً.
تكمن المعضلة هنا في وحدة ساحات “الحرب الماليّة”، ما دامت ميزانيّة “الحزب” الإيرانيّة جزءاً لا يُستهان به من معادلة ميزان المدفوعات. فالأرقام المتداولة عن ميزانيّة “الحزب” والأموال التي يتلقّاها من إيران تعادل نصف قيمة الصادرات اللبنانيّة، وأكثر من 10% من مجمل قيمة تحويلات المغتربين السنويّة.
يكمن جوهر المعضلة اللبنانيّة، تقنيّاً، في طغيان “اقتصاد الكاش”، لا سيما منذ 2019، بما يخدم الشبكة الماليّة الموازية التي يديرها “الحزب” خارج النظام الرسميّ. قدّر البنك الدوليّ حجم الاقتصاد النقديّ الدولاريّ بنحو عشرة مليارات دولار عام 2022، أي ما يعادل 46% من حجم الاقتصاد، في حين أنّ المصارف الخاضعة لرقابة مصرف لبنان لا تمرّر سوى أقلّ من 5% من التحويلات الواردة إلى البلاد، وتتولّى شركات تحويل الأموال نحو 30% أخرى، ما يعني أنّ 65% من الدولارات التي تظهر في السوق المحليّة تأتي من خلال قنوات غير رسميّة، إمّا عبر حقائب المغتربين والسيّاح، وإمّا عبر حقائب “الحزب”، قبل أن تدخل جزئيّاً أو كليّاً إلى النظام الرسميّ من خلال المشتريات وشركات الصرافة. ولذلك، عندما تنقطع شرايين الدولارات الإيرانيّة لا بدّ أن يظهر أثر ذلك سريعاً في السوق من خلال شحّ السيولة الأجنبيّة المتداولة.
“الحزب” في ميزان المدفوعات
قبل الحرب الأخيرة، قدّرت الخارجيّة الأميركيّة التمويل الإيرانيّ لـ”الحزب” بنحو 700 مليون دولار سنويّاً. وحين فرضت وزارة الخزانة الأميركيّة عقوبات على بعض شركات الصرافة المرتبطة بـ”الحزب” العام الماضي، قالت إنّ إيران حوّلت نحو مليار دولار إلى “الحزب” خلال تلك السنة، يمرّ جزء كبير منها عبر التحويلات.
لا شكّ أنّ العقوبات على شركات الصرافة بدأت تفعل فعلها، وتضاف إليها الضغوط الأميركيّة على بعض الدول القريبة التي كانت عمليّات تهريب الأموال تتمّ عبرها. وسبق ذلك الضغط الدوليّ لإيقاف الرحلات الجوّيّة المباشرة من إيران إلى بيروت، لمنع نقل “الكاش” في حقائب على متن رحلات مدنيّة.
وعقّدت إسرائيل العمليّات الماليّة بين “الحزب” ومنتسبيه عندما استهدفت في آذار الماضي اثني عشر فرعاً لـ”القرض الحسن”، ثمّ محالّ صرافة ومحطّات وقود مرتبطة بتمويل “الحزب”.
لا مفرّ من الإقرار بأنّ انقطاع قنوات السيولة الإيرانيّة إلى “الحزب” لا بدّ أن يكون ملموساً في الاقتصاد اللبنانيّ على المدى القصير. لكنّ الرهان يبقى على الآثار الإيجابيّة التي يمكن أن تظهر على المدى الأبعد، من خلال عودة الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة وارتفاع إيرادات السياحة عندما تخفّ قبضة “الحزب” على الأمن والسياسة في البلاد.
