توماس فريدمان
…………:
واشنطن -الخدمة الخاصة
،،،،،،،،،،،،،؛
عندما تجلس في مقهى بوسط واشنطن وتستمع إلى التصريحات الرسمية الصادرة من عواصم الشرق الأوسط، يتهيأ لك أن المنطقة تُدار بروابط الأخوة والتضامن الديني. ولكن عندما هبطت طائرتي في الرياض، ثم انتقلت إلى إسلام آباد واستمعت لخلفيات المشهد، أدركت الحقيقة البسيطة التي أرددها دوماً: الشرق الأوسط ليس مسطحاً، بل هو لعبة شطرنج ثلاثية الأبعاد تُعتبر فيها الاتفاقيات الرسمية مجرد “شاشات توقف” تدار خلفها صراعات القوة والنفوذ الحقيقية.
إن ما شهدناه في مكة بين السعودية وباكستان وتركيا ليس مجرد قمة دبلوماسية أخرى أو بيان ختامي صيغ بكلمات فضفاضة؛ إنه في جوهره محاولة لإعادة ضبط “البرنامج التشغيلي” (Operating System) للتوازن الإقليمي، بعيداً عن الأضواء والبيانات الصحفية الناعمة.
1. الأهداف الخفية لاتفاق مكة: مثلث القوة الصلبة
إذا قشرت الطبقة الخارجية لاتفاق مكة، فلن تجد مجرد تعاون ثنائي أو نصوص عن التعاون الإسلامي. الواقع الأكثر صرامة يخبرنا بوجود ثلاثة أهداف غير معلنة:
* مظلة نووية وعسكرية بديلة: تشعر الرياض بعمق أن المظلة الأمنية الأمريكية القديمة لم تعد مضمونة بنسبة 100%. التلويح بالعمق الباكستاني (بما يملكه من قدرات عسكرية ونووية) وإدخال المصانع العسكرية التركية والطائرات المسيرة إلى المعادلة، هو رسالة تحذير مسبقة لكل من يظن أن الغطاء الأمني للخليج يمكن أن يُفرغ من محتواه.
* كبح القوة الناعمة والصلبة لأبوظبي: لم تعد المنافسة الشرسة بين الرياض وابوظبي سراً يُحفظ في الصدور. الدعم التركي والباكستاني يمنح السعودية عمقاً جيوسياسياً يوازن الاندفاعة الإمارتية في الموانئ، والخطوط التجارية، والشبكات الأمنية الممتدة من القرن الأفريقي إلى المحيط الهندي.
* رسالة تحذير لطهران وقرونها: بينما تبدو إيران وكأنها تحارب إسرائيل علناً، فإنها تستمر عبر وكيلها الحوثي الذي يُطلَق عليه العنان لإزعاج الحدود الجنوبية للسعودية، وعبر الميليشيات العائلية في العراق التي توزع ضرباتها الصاروخية لابتزاز المنطقة. اتفاق مكة هو رد صريح يلوّح لطهران بأن أي تصعيد يتجاوز الخطوط الحمراء سيواجه بمستودع استراتيجي يمتد من أنقرة إلى إسلام آباد.
1. الاتفاق الإبراهيمي ضد محور مكة: الصراع على روح “الشرق الأوسط الجديد”
هل أُقيم اتفاق مكة للوقوف في وجه “الاتفاق الإبراهيمي” الذي يقود خطط التطبيع والشراكات التكنولوجية والأمنية بين إسرائيل والإمارات؟
الجواب في تقديري هو: نعم، ولا في الوقت نفسه.
لا تريد السعودية الاصطدام المباشر بقطار الاتفاقات الإبراهيمية، لكنها تدرك أن ذلك المسار كاد أن يجعل من أبوظبي وتل أبيب مركز الثقل الجديد للشراكة الاقتصادية والتكنولوجية في المنطقة، على حساب الدور التاريخي للرياض. اتفاق مكة يعيد فرض السعودية كمحرك أساسي ومركز للثقل في العالم الإسلامي، عبر التحالف مع قوتين إقليميتين كبريين (تركيا وباكستان)، لتقول للعالم: “إذا أردتم استقرار الشرق الأوسط، فالطريق يمر من هنا، وليس عبر تحالفات جانبية تتجاوز المركز”.
في المقابل، تلعب طهران لعبة مزدوجة؛ فهي ترفع شعارات المناهضة لإسرائيل جهاراً، بينما تستمر من تحت الطاولة في تسخير وكلائها للإبقاء على حالة عدم الاستقرار في الخليج، مراهنة على أن الصدمات الصاروخية المتقطعة من اليمن والعراق ستضعف العواصم الخليجية وتمنع قيام أي مشروع استثماري أو تنموي ضخم.
1. معركة “تكسير الرؤوس”: الرياض وأبوظبي وصورة “الملابس اليومية”
قبل فترة قصيرة، التقطت العدسات صورة جمعت الشيخ منصور بن زايد بوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان وهما بملابس يومية غير رسمية. بدا الأمر وكأنه “هدنة سريعة” أو إشارة لإنهاء التوتر. لكن في عالم الجيو-اقتصاد الحديث، الصور لا تلغي واقع التنافس المالي والاستراتيجي.
سريعاً ما عادت الأسطوانة القديمة، وانطلقت حرب إعلامية وسياسية غير معلنة بين العواصم. وسعَت بعض الدوائر الإعلامية في المحور المقابل إلى تقزيم اتفاقية مكة باعتبارها “مجرد حبر على ورق” لا يملك آليات تنفيذية على الأرض.
الحقيقة هي أن الصراع بين الرياض وأبوظبي يتجاوز الخلاف الشخصي؛ إنه صراع على من يملك “السيرفر الرئيسي” للشرق الأوسط الجديد:
* هل هو نموذج دبي وأبوظبي القائم على شبكات التجارة المفتوحة، والموانئ، والتحالفات التكنولوجية السريعة بما فيها إسرائيل؟
* أم نموذج الرياض القائم على الحجم الديموغرافي والاقتصادي الهائل، والرؤية الاستثمارية الضخمة، والتحالفات الأمنية العابرة للإقليم كما في مكة؟
هذا التنافس الشرس جعل المنطقة ساحة لشد الحبل، حيث يحاول كل طرف استقطاب الشركاء وتضييق الخناق على نفوذ الآخر.
1. واشنطن المأزومة: خسائر أكثر من الأرباح
وماذا عن الولايات المتحدة؟ إن واشنطن تجد نفسها اليوم في حيرة استراتيجية لم تشهدها منذ عقود.
دخلت إدارة واشنطن معارك الشرق الأوسط بهدف إعادة تشكيل المنطقة ودمجها، لكن الحرب الأخيرة والتصعيد المتواصل كشفا أن أمريكا خسرت نفوذاً ورصيداً استراتيجياً أكثر مما كسبت. فالإستراتيجية الأمريكية القائمة على الانكفاء التدريجي والتركيز على الصين تركت فراغاً كبيراً تسللت إليه إيران عبر وكلائها، واستغلته القوى الإقليمية للبحث عن خياراتها الخاصة.
عندما ترى الرياض تتجه نحو إسلام آباد وأنقرة لبناء غطاء أمني، فهذا دليل صارخ على أن الدول لم تعد تؤمن بـ “الشيك الأمني على بياض” الذي كانت تقدمه واشنطن. أمريكا خاضت حروباً ودعمت مسارات كلفتها المليارات، لتكتشف في النهاية أن حلفاءها التقليديين يعيدون رسم الخريطة بأيديهم.
الخلاصة: السؤال الأهم للمستقبل
إن الضربات الصاروخية المتقطعة التي يشنها الحوثي والمليشيات العراقية، وتصاعد الحرب الإعلامية، والتكتلات المتنافسة بين اتفاقات إبراهيم واتفاق مكة، كلها أعراض لمرض واحد: الشرق الأوسط يخوض عملية إعادة هيكلة مؤلمة بدون قائد موحد.
السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الجميع اليوم ليس ما إذا كان اتفاق مكة حبراً على ورق أم بداية لحلف شمال أطلسي إسلامي، بل هو: هل تستطيع هذه التحالفات التكتيكية الجديدة صموداً أمام الهزات الارتدادية لصراعات المحاور، أم أن الصواريخ والمنافسات الاقتصادية ستظل تهدم كل ما يُبنى على طاولة المفاوضات؟
إجابة هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كنا نتجه نحو شرق أوسط جديد، أم نحو نسخة أكثر تعقيداً واشتعالاً من الشرق الأوسط القديم.