ملخص
أهمية عودة حسين طائب لا تكمن في شخصه بقدر ما تكمن في توقيتها وما تعكسه من أولويات. فهي تأتي بعد حرب أضعفت بنية القيادة العسكرية، وفي وقت تتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتزايد مخاوف السلطة من عودة الاحتجاجات، ولا سيما إذا تزامنت تحركات الأقاليم مع اضطرابات المدن الكبرى. وفي مثل هذا السيناريو، لا يحتاج النظام إلى قائد معارك بقدر حاجته إلى رجل يجيد إدارة المجتمع أمنياً.
لم يكن تعيين حسين طائب قائداً لقوات الباسيج مجرد تغيير في أحد المناصب الأمنية داخل الحرس الثوري، ولا خطوة تندرج ضمن إعادة ترتيب القيادة العسكرية بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدها النظام الإيراني في الحرب الأخيرة. فبينما جاءت تعيينات شخصيات مثل أحمد وحيدي، وعلي عبداللهي، ومحسن رضائي في إطار إعادة بناء هرم القيادة العسكرية والأمنية، حملت عودة طائب رسالة مختلفة تماماً، إذ تعكس أن القيادة الإيرانية الجديدة ترى أن التحدي الأكثر إلحاحاً لم يعد يقتصر على الجبهة الخارجية، بل يمتد إلى الجبهة الداخلية أيضاً، في ظل تصاعد المخاوف من موجة اضطرابات جديدة قد تكون أكثر تعقيداً من سابقاتها.
ولا تكمن أهمية حسين طائب في كونه أحد أكثر القادة الأمنيين تشدداً، أو في سجله الطويل في قمع الاحتجاجات، فهذه السمات لا تقتصر عليه داخل الحرس الثوري. وما يميزه هو طبيعة علاقته بمجتبى خامنئي، وهي علاقة تعود إلى أعوام سبقت تولي الأخير موقع القيادة، حين تشكلت بينهما شبكة من الثقة داخل المؤسسات الأمنية المرتبطة بمكتب المرشد. وعلى مدى العقدين الماضيين، ارتبط اسم طائب، في كثير من التحليلات الخاصة ببنية السلطة الإيرانية، بأنه أحد أقرب الشخصيات الأمنية إلى مجتبى خامنئي، وأكثرها التصاقاً بدائرته الأمنية.
لكن فهم دلالة هذا التعيين يقتضي النظر أولاً إلى طبيعة المؤسسة التي عاد إليها. فالباسيج لم يعد مجرد تشكيل شبه عسكري أنشئ خلال الحرب العراقية – الإيرانية، بل تحول تدريجاً إلى شبكة أمنية واجتماعية واسعة تمتد إلى الأحياء، والمساجد، والجامعات، والمدارس، والدوائر الحكومية، والقطاعين العام والخاص. ومن خلال هذا الانتشار، أصبح يؤدي وظائف تتجاوز التعبئة العسكرية، ليضطلع بأدوار المراقبة المجتمعية، وجمع المعلومات، والتعبئة الأيديولوجية، واحتواء الاحتجاجات، وصولاً إلى المشاركة المباشرة في قمعها عند اندلاعها. ولهذا، فإن قيادة الباسيج تعني عملياً الإشراف على أكبر شبكة أمنية متغلغلة داخل المجتمع الإيراني، لا مجرد قيادة قوة شبه عسكرية.
ولعل هذا ما يفسر اختيار رجل استخبارات، لا قائد عمليات تقليدي، لقيادة هذه المؤسسة. فقد أمضى حسين طائب أعواماً طويلة على رأس جهاز استخبارات الحرس الثوري، وهو الجهاز الذي توسعت صلاحياته بصورة كبيرة عقب احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، بعدما خلصت القيادة الإيرانية إلى أن الأدوات الأمنية التقليدية لم تعد كافية لاحتواء الاحتجاجات الواسعة. ومنذ ذلك الحين، تعزز الدور الاستخباراتي للحرس الثوري، ومنح طائب صلاحيات واسعة في متابعة النشاطين السياسي والاجتماعي داخل البلاد، إلى جانب الإشراف على عدد من أكثر الملفات الأمنية حساسية. وارتبط اسمه، على مدى الأعوام اللاحقة، بمعظم الحملات الأمنية التي استهدفت المعارضين والناشطين والصحافيين وممثلي الشعوب غير الفارسية، داخل إيران وخارجها، فضلاً عن دوره المحوري في إدارة ملفات الاحتجاجات الكبرى.
غير أن قراءة هذا التعيين في سياقه الحالي تقود إلى استنتاج مختلف، فالنظام الإيراني لا يعيد اليوم إنتاج أدوات القمع التي استخدمها قبل عقد أو عقدين، بل يستعد لواقع داخلي أكثر تعقيداً مما عرفه سابقاً. فالحرب الأخيرة لم تضعف القدرات العسكرية للنظام فحسب، بل عمقت أزمته الاقتصادية والسياسية، ووسعت دائرة السخط الشعبي، وفرضت عليه تحديات أمنية جديدة في وقت واحد. والأهم أن سجل الاحتجاجات يكشف عن تحول واضح. فبعدما كانت إيران تشهد موجة احتجاج واسعة كل أعوام عدة، أصبحت خلال العقدين الأخيرين تواجه انتفاضات متكررة ومتقاربة زمنياً، مما جعل ضبط الجبهة الداخلية أولوية لا تقل أهمية عن إعادة بناء القدرات العسكرية، بل ربما تتقدم عليها في حسابات القيادة الجديدة.
في هذا السياق، لا تبدو إعادة طائب إلى قيادة الباسيج مجرد إعادة تدوير لمسؤول أمني، بل استدعاءً لخبرة استخباراتية راكمها على مدى أعوام في إدارة الأمن الداخلي ومراقبة المجتمع واحتواء الاحتجاجات. وهو ما يعزز الانطباع بأن القيادة الإيرانية الجديدة تراهن على خبرته في مواجهة مرحلة قد تشهد اضطرابات داخلية أكثر تعقيداً، ولا سيما إذا تزامنت الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية مع التحركات التي تشهدها أقاليم الشعوب غير الفارسية.
إذا كانت عودة حسين طائب تعكس أولوية أمن الداخل، فإنها تكشف أيضاً عن طبيعة التحديات التي تستعد لها القيادة الإيرانية، فقد واجه النظام موجات احتجاج متكررة طوال العقود الماضية، لكنه لم يعد ينظر إليها بوصفها أحداثاً متفرقة يمكن احتواؤها محلياً، بل باعتبارها مسارات احتجاجية متعددة قد تتزامن داخل أكثر من إقليم ومدينة في وقت واحد، مما يضاعف تعقيد التعامل معها ويزيد كلفتها الأمنية.
ولعل أكثر ما يميز الاحتجاجات خلال العقدين الأخيرين أنها، باستثناء الحركة الخضراء عام 2009، والاحتجاجات الاقتصادية الواسعة التي انطلقت من طهران وامتدت إلى مدن المركز الفارسي في يناير (كانون الثاني) الماضي، لم تعد تنطلق في معظمها من قلب المركز الفارسي، بل من الأقاليم التي تقطنها الشعوب غير الفارسية، قبل أن تمتد آثارها إلى مدن أخرى داخل البلاد. فقد تحولت الأحواز وكردستان وبلوشستان وأذربيجان إلى ساحات احتجاج متكررة، لكل منها دوافعها السياسية الخاصة، لكنها تلتقي جميعاً عند نقطة واحدة، هي الاعتراض على سياسات السلطة المركزية.
في الأحواز، لم تعد الاحتجاجات مرتبطة بمطلب خدمي أو اقتصادي بعينه. فمنذ انتفاضة أبريل (نيسان) 2005، التي اندلعت عقب تسريب وثيقة نُسبت إلى مكتب الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي وتضمنت خطة لإحداث تغيير ديموغرافي في الإقليم، مروراً بـ”انتفاضة العطش” في صيف 2021، التي عمت معظم المدن العربية، وصولاً إلى موجات الاحتجاج التي رافقت الحرب الأخيرة، أصبحت الأحواز إحدى أكثر الجبهات حساسية بالنسبة إلى المؤسسة الأمنية الإيرانية.
ولا يرتبط ذلك فقط بتكرار الاحتجاجات، بل أيضاً بالأهمية الاستراتيجية للإقليم، الذي يضم نحو 87 في المئة من الثروات النفطية والغازية الإيرانية، فضلاً عن احتضانه معظم الموانئ الرئيسة والمرافق الحيوية المرتبطة بقطاع الطاقة. ومع مرور الوقت، تداخلت المطالب البيئية والاقتصادية مع قضايا الهوية والحقوق السياسية والتمييز وإدارة الثروات، مما جعل تعامل السلطات مع الاحتجاجات يتجاوز الأساليب الأمنية التقليدية إلى مقاربة أكثر تشدداً.
أما في كردستان فقد ترسخت الاحتجاجات بوصفها جزءاً من مشهد سياسي واجتماعي مستمر، تعززه البنية التنظيمية للأحزاب الكردية وخبرة طويلة في العمل السياسي والمدني. ولم تكن قضية مهسا أميني عام 2022 سوى أحدث محطة في هذا المسار، إذ تحولت من حادثة فردية إلى شرارة أشعلت واحدة من أوسع موجات الاحتجاج التي شهدتها إيران خلال العقود الأخيرة، وامتدت آثارها إلى معظم المحافظات الإيرانية.
وفي الجنوب الشرقي، تمثل بلوشستان تحدياً أمنياً من نوع مختلف. فمنذ أحداث “الجمعة الدامية” في زاهدان عام 2022، التي اندلعت على خلفية الاحتجاجات الواسعة إثر مقتل الفتاة الكردية مهسا أميني، لم تنقطع الاحتجاجات بصورة كاملة، مستفيدة من الدور الذي تؤديه المرجعيات الدينية والبنية الاجتماعية المحلية في الحفاظ على استمرارية الحراك، على رغم القبضة الأمنية المشددة. وإلى جانب الاحتجاجات المدنية، تواجه السلطات هناك بيئة أمنية أكثر تعقيداً في ظل نشاط جماعات مسلحة ذات مطالب سياسية وقومية على جانبي الحدود.
أما في أذربيجان، فقد اتخذت الاحتجاجات مساراً مختلفاً، ارتبط في جانب كبير منه بقضايا الهوية واللغة، وأزمة بحيرة أرومية، إضافة إلى الإضرابات التجارية في الأسواق. وعلى رغم اختلاف أدوات الحراك الأذري عن غيره، فإنه احتفظ بقدرته على التحول إلى احتجاجات واسعة كلما توافرت الظروف السياسية والاقتصادية المناسبة، خصوصاً أن الأذريين يمثلون، وفق تقديرات غير رسمية، أكبر الشعوب في إيران أو واحدة من أكبر مكوناتها السكانية، وهو ما يمنح أي اضطراب في الإقليم وزناً ديموغرافياً وسياسياً يصعب على السلطة تجاهله.
لكن اختلاف هذه الاحتجاجات لا يكمن في أسبابها فحسب، بل في طبيعة التهديد الذي تمثله. فلكل إقليم دوافعه الخاصة، غير أن النتيجة التي تخشاها المؤسسة الأمنية واحدة، وهي احتمال تزامن هذه الحركات الاحتجاجية في أكثر من جبهة داخلية في وقت واحد. فالتعامل مع احتجاجات محلية معزولة يختلف جذرياً عن مواجهة اضطرابات متزامنة تمتد من الأحواز إلى كردستان وبلوشستان وأذربيجان، وتتقاطع في الوقت نفسه مع احتجاجات المدن الكبرى في الوسط الإيراني.
وهنا تحديداً تبرز أهمية الباسيج في حسابات القيادة الإيرانية، فهذه المؤسسة ليست مجرد قوة تستدعى بعد اندلاع الاحتجاجات، بل شبكة أمنية واجتماعية منتشرة في الأحياء والجامعات والمدارس والدوائر الحكومية والقرى، وتعمل على مراقبة المزاج العام وجمع المعلومات ورصد بوادر الاحتجاج قبل تحولها إلى حراك واسع. ومن هذا المنطلق، فإن من يقود الباسيج لا يدير قوة ميدانية فحسب، بل يشرف على المنظومة التي يعتمد عليها النظام في الإنذار المبكر واحتواء الأزمات الداخلية. وقد ازداد هذا الدور وضوحاً منذ احتجاجات عام 2009، حين تحولت أولويات الباسيج تدريجاً من التعبئة العسكرية إلى الأمن الداخلي ومراقبة المجتمع.
ومن هنا أيضاً، يبدو اختيار حسين طائب منسجماً مع طبيعة المهمة أكثر من كونه مجرد مكافأة سياسية. فالرجل راكم خبرة طويلة في العمل الاستخباراتي، وفي بناء الشبكات الأمنية، ومتابعة النشاط السياسي والاجتماعي، وإدارة ملفات الاحتجاجات، وهي خبرة تتوافق مع الدور الذي تؤديه الباسيج في هذه المرحلة أكثر مما تتوافق مع قيادة تشكيل عسكري تقليدي.
غير أن تعيين طائب لا يرتبط فقط بوظيفته الأمنية، بل يكشف أيضاً عن جانب آخر من عملية إعادة ترتيب السلطة داخل النظام. فمجتبى خامنئي ورث موقع القيادة، لكنه لم يرث تلقائياً شبكة العلاقات الشخصية ومراكز النفوذ التي تشكلت خلال العقود الماضية في عهد والده. لذلك، تبدو إعادة شخصيات تدين له بالولاء الشخصي، وفي مقدمها حسين طائب، جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل مراكز القوة داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية، بحيث تصبح أكثر ارتباطاً بالقيادة الجديدة وأقل اعتماداً على التوازنات التي حكمت مرحلة علي خامنئي.
ولا يقتصر التقارب بين مجتبى خامنئي وحسين طائب على أعوام العمل داخل المؤسسات الأمنية، بل تعود جذوره إلى الحرب العراقية – الإيرانية، حين خدم الاثنان ضمن “كتيبة حبيب بن مظاهر” التابعة للواء “محمد رسول الله”. وقد تحولت تلك العلاقة، التي بدأت في جبهات القتال، إلى شبكة من الثقة استمرت داخل أجهزة الدولة بعد انتهاء الحرب، وأنتجت ما يصفه عدد من الباحثين والمتابعين بـ”حلقة حبيب”، وهي مجموعة من الشخصيات الأمنية والسياسية التي ارتبطت بمجتبى خامنئي، وتولت لاحقاً مواقع مؤثرة داخل المؤسسات الأمنية والإعلامية والقضائية وغيرها من مفاصل الدولة.
ومن هنا، فإن اختيار طائب لم يكن نتيجة خبرته الأمنية وحدها، بل لأنه جمع بين عاملين نادراً ما يجتمعان في شخصية واحدة داخل النظام، خبرة طويلة في إدارة الأمن الداخلي، وثقة شخصية بناها مع مجتبى خامنئي منذ أعوام الحرب.
ومن هذه الزاوية، فإن عودة طائب تتجاوز كونها تعييناً في منصب أمني رفيع، لتصبح مؤشراً إلى التحول الذي تشهده أولويات النظام الإيراني. فبعدما انشغلت مؤسساته لأعوام طويلة بإدارة التهديدات الخارجية، يبدو أن القيادة الجديدة باتت تمنح الجبهة الداخلية أولوية مماثلة، إن لم تكن أعلى، انطلاقاً من قناعة بأن التحدي الأكثر خطورة قد لا يأتي من الحدود بل من الداخل.
لكن البعد الأمني لا يفسر وحده عودة حسين طائب إلى هذا المنصب. فالرجل لا يمثل مجرد مسؤول استخباراتي سابق، بل أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت ببناء المنظومة الأمنية التي اعتمد عليها النظام في مواجهة الاحتجاجات منذ عام 2009. وشهدت فترة توليه أيضاً إعادة هيكلة الجهاز الاستخباراتي للحرس الثوري، وتحويل “معاونية استخبارات الحرس” إلى “منظمة استخبارات الحرس الثوري”، وهو تحول منح هذا الجهاز صلاحيات ونفوذاً غير مسبوقين داخل بنية النظام، ورسخ مكانته بوصفه أحد أهم مراكز القرار الأمني في البلاد.
وتعكس إعادته اليوم إلى قيادة الباسيج، في جانب منها، حرص مجتبى خامنئي على الإحاطة بشخصيات ترتبط به بعلاقات ثقة قديمة، في مرحلة يعمل فيها على ترسيخ نفوذه داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية، وإعادة بناء الحلقة الأمنية المقربة منه. ولذلك، لا تبدو عودة طائب مجرد استعادة لمسؤول أمني مخضرم، بل جزءاً من عملية أوسع لإعادة رسم موازين القوة داخل النظام بعد الحرب.
ولا يقتصر هذا التحول على الأشخاص، بل يمتد إلى طبيعة العقيدة الأمنية نفسها. فخلال العقود الماضية، بنى النظام الإيراني جزءاً كبيراً من استراتيجيته على مواجهة التهديدات الخارجية، معتمداً على الحرس الثوري وشبكة حلفائه الإقليميين. أما اليوم، وبعد ما خلفته الحرب من خسائر في القيادات العسكرية، وتراجع اقتصادي، واتساع دائرة السخط الشعبي، يبدو أن حماية الجبهة الداخلية أصبحت ركناً موازياً، وربما متقدماً، في أولويات القيادة الجديدة. وتنسجم إعادة طائب مع هذا التحول، بوصفه شخصية ارتبط اسمها بإدارة الأمن الداخلي أكثر من إدارة المواجهات العسكرية التقليدية.
ويبعث هذا التعيين برسالة إلى مؤسسات النظام نفسها. فاختيار رجل استخبارات لقيادة الباسيج، بدلاً من قائد ميداني تقليدي، يعكس أن المرحلة المقبلة ستعتمد بدرجة أكبر على جمع المعلومات، ومراقبة المجتمع، وتوسيع شبكات الرصد، والاستجابة المبكرة لأي بوادر احتجاج، أكثر من اعتمادها على احتواء الاضطرابات بعد اندلاعها. فالباسيج، بحكم انتشاره في الأحياء والجامعات والمدارس والدوائر الحكومية، يمثل الأداة الأنسب لتنفيذ هذه المقاربة الأمنية.
ولهذا، فإن أهمية عودة حسين طائب لا تكمن في شخصه بقدر ما تكمن في توقيتها وما تعكسه من أولويات. فهي تأتي بعد حرب أضعفت بنية القيادة العسكرية، وفي وقت تتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتزايد مخاوف السلطة من عودة الاحتجاجات، ولا سيما إذا تزامنت تحركات الأقاليم مع اضطرابات المدن الكبرى. وفي مثل هذا السيناريو، لا يحتاج النظام إلى قائد معارك بقدر حاجته إلى رجل يجيد إدارة المجتمع أمنياً.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا عاد حسين طائب إلى قيادة الباسيج، بل لماذا اختارت القيادة الإيرانية أن تعيد، في هذه اللحظة تحديداً، أحد أكثر رجالها ارتباطاً بالاستخبارات وقمع الاحتجاجات إلى المؤسسة الأكثر التصاقاً بالمجتمع الإيراني. وربما تكمن الإجابة في أن النظام بات يدرك أن بقاءه لن يتحدد فقط بقدرته على إعادة بناء قوته العسكرية، بل أيضاً بقدرته على منع تلاقي الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية والقومية في لحظة واحدة. وإذا صح هذا التقدير، فإن تعيين حسين طائب لا يمثل مجرد تغيير في قيادة الباسيج، بل يعكس تحولاً أعمق في أولويات النظام، عنوانه أن معركة الحفاظ على السلطة قد تبدأ من الداخل قبل أن تأتي من الخارج.
