بضع ساعات قضاها الرئيس السوريّ أحمد الشرع في الرياض، يوم الثلاثاء الماضي، أثارت الأسئلة والتكهّنات. الزيارة كانت سريعة وخاطفة ولم يعلَن عنها مسبقاً. في الأمر عجالة تستدرج تسليط المجهر حول ما إذا كانت دمشق تُحضّر لانخراط ما في الحرب اليمنيّة، أو لاصطفاف أوسع ضمن “اتفاق مكّة” الدفاعيّ. جرت الزيارة بعد ساعات من تفعيل الالتزامات المشتركة للاتفاق، يوم الإثنين الماضي، وبعد أيّام من الإعلان عن بدء عمليّة “فجر اليمن”، يوم الأحد، من قبل رئيس المجلس الرئاسيّ اليمنيّ رشاد العليمي.
التقى الشرع وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان بحضور وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان ووزير الخارجيّة الأمير فيصل بن فرحان ومستشار الأمن الوطنيّ مساعد العيبان من الجانب السعوديّ، ووزير الخارجيّة أسعد الشيباني من الجانب السوريّ. اكتفت بيانات “وكالة الأنباء السعوديّة” و”سانا” بالحديث عن آفاق العلاقات الثنائيّة ومستجدّات المنطقة بما يدعم الأمن والاستقرار، مع إشارة سوريّة إلى إعادة الإعمار، من دون ذكر اليمن أو “الاتفاق” بالاسم. لكنّ تأمّلاً لوجوه الوفد السعوديّ يسهّل استنتاج أجواء من سياسة وأمن ودفاع وعسكر.
بين نفي دمشق واختبار التّحالفات الإقليميّة
غادر الشرع الرياض مساء، فنقلت وكالة “رويترز” في صباح اليوم التالي عن مسؤول أميركيّ ومسؤول عسكريّ سوريّ أنّ دمشق تدرس بعناية تقديم مساعدة عسكريّة للسعوديّة، وأنّ الخيارات تشمل دعماً دفاعيّاً لحماية المملكة أو انخراطاً هجوميّاً إلى جانب القوّات اليمنيّة، وأنّ الرياض هي من طلبت نشر قوّات. بدا في نبأ “رويترز” استسهال في الاستنتاج سرعان ما نفته دمشق وتداولت الحسابات السعوديّة الوازنة “تغريدة” النفي على شبكات الإعلام الاجتماعيّ.
نشر أحمد موفّق زيدان، المستشار الإعلاميّ للرئيس السوريّ، على موقعه على منصّة “إكس” (X) الردّ الدقيق. قال إنّ “أمن المملكة العربيّة السعوديّة، وأمن الخليج من أمن سوريا، ونحن في دمشق نقف مع أهلنا في بلاد الحرمين بكلّ قوّة وصلابة، ولكنّ ما تروّجه بعض وسائل الإعلام عن طلب المملكة إرسال قوّات سوريّة للسعوديّة أو اليمن كذب ولا صحّة له”. وأصدرت إدارة الإعلام الخارجيّ في وزارة الإعلام السوريّة بياناً أوضح أنّ السياسة السوريّة ترتكز على الاستقرار والسلام لا على فتح جبهات جديدة، وأنّ أيّ تعاون عسكريّ لا يتمّ إلّا عبر القنوات الرسميّة، مع الإقرار بالوقوف إلى جانب السعوديّة في مواجهة التهديدات.
غير أنّ ذلك الدخان يأتي من نيران ما. في آب الماضي، وفي ختام زيارة له لإسلام آباد، قال الشيباني إنّ دمشق “تدرس” الانضمام إلى اتّفاق مكّة معيداً ومؤكّداً أنّ الأولويّة هي لإعادة الإعمار، وهي جملة كرّرتها البيانات السعوديّة والسوريّة التي تناولت زيارة الشرع الأخيرة للرياض.
دمشق تطرق باب اتفاق مكّة قبل اكتمال الجهوزيّة
لا شيء تسرّب بشكل واضح عن مضمون المداولات التي أجراها الشرع في الرياض. تميل التحليلات إلى الاعتقاد بأنّ الطابع الاقتصاديّ للزيارة رغم حاجة سوريا الملحّة إلى التمويل بعد رفع العقوبات لم يكن جوهر الزيارة وغرضها. والأرجح أنّ السعوديّة التي سهرت على نجاح التحوّل في سوريا والساهرة على نجاح تحوّل ما في اليمن حريصة وما تزال على مواكبة الشرع وتجربته وعدم إثقالها بالعوامل الطارئة والضاغطة.
ما هو يقين أنّ المملكة لم تطلب مدداً عسكريّاً من سوريا وليست بحاجة إليه. تملك الرياض المنعة وموارد الردع والبيئة الإقليميّة الحاضنة التي أظهرها “اتفاق مكّة” من قلب الرياض، كما تحظى بسقوف دوليّة للذهاب بعيداً في الدفاع عن المملكة ودعم اليمن. والمعلومات تقول إنّ دمشق عرفت ذلك وأدركت معانيه، وإنّ الشرع أراد من تلك الزيارة العاجلة بعث رسالة مفادها أنّ دمشق ليست خارج الاصطفاف العربيّ والإقليميّ والدوليّ إلى جانب المملكة، وأنّها جاهزة في التوقيت الذي تقرّره المملكة لترجمة الموقف إلى انخراط عمليّ مباشر دفاعاً عن تحوُّل أعلنت الرياض رعايته فجر سقوط نظام سوريا السابق وتستمرّ في رعايته في “فجر اليمن”.
تنفي دمشق تماماً أن تكون السعوديّة قد طلبت منها نشر قوّات سوريّة في اليمن. لكنّ سوريا لا تنفي رغبتها في الانضمام إلى “اتفاق مكّة”. كان الشيباني أعلن “درس” الأمر من باكستان (الدولة العضو في الاتفاق) التي لا يبرح وزير خارجيّتها محمّد إسحق دار يردّد أنّ دولاً إسلاميّة لم يسمّها ترغب في الانضمام إلى الاتفاق. كما أنّ علاقة الحكم السوريّ الجديد المميّزة بالسعوديّة وتركيا (العضوين الآخرين) ترشّح سوريا لتكون ضلعاً “طبيعيّاً” من أضلع “اتفاق مكّة” الدفاعيّ. لكن هل سوريا في وضع يسمع للحلف بقبولها عضواً؟
من دمشق إلى صنعاء: تفكيك الهلال الإيراني
تعني العضويّة الكاملة في “اتفاق مكّة” التزاماً بالدفاع المشترك الذي يتطلّب تدخّلاً عسكريّاً واسعاً، فيما الجيش السوريّ ما يزال في مرحلة إعادة بناء وتعافٍ بعد دمج فصائل متباينة، والجنوب السوريّ تحت ضغط ضربات إسرائيليّة متكرّرة، والشرعيّة الداخليّة لم تستقرّ بعد. كما أنّ فتح جبهة مع الحوثيّين، المرتبطين بإيران، قد يستدرج ردوداً عبر وكلاء الأخيرة في العراق أو لبنان، في وقت تسعى فيه دمشق إلى تجنّب الاستقطاب الطائفيّ الذي يهدّد تماسكها الداخليّ.
الأرجح أنّ الرياض، التي تعرف “البير وغطاه”، هي التي نصحت الشرع وصحبه بصبّ الجهد وتركيزه على حماية التحوّل في سوريا لأنّه، بالمناسبة، حماية وصون ورفد للتحوّل الجاري في اليمن. ولن يكون مستبعداً أنّ الشرع جاء مستطلعاً التطوّر اليمنيّ لأنّ نجاحه يمثّل مزيداً من ورشة تدعيم لا تتوقّف للتحوّل في سوريا.
ستكون سوريا حاضرة في المشهد اليمنيّ، والأرجح أنها باشرت الحضور إذا ما صدقت تقارير عن وجود تشكيلات عسكرية سورية داخل المملكة. سيكون لدمشق الدور والوظيفة بحكم أنها باتت ركناً أساسياً من مشهد تخرج فيه إيران وأذرعها من أدوارها المنقرضة. فإذا ما قضى التحوّل في سوريا على “هلال” عمل على جرف المنطقة من طهران إلى بيروت، فإن الطرف اليمني من ذلك “الهلال” يشهد الأعراض المتناسلة من ذلك الحدث السوري الذي ما زالت ارتداداته تعيد رسم خرائط وتوازنات بدت جامدة أبدية منذ قيام الجمهورية الإسلامية قبل 47 عاماً.
