لم تعد أزمة السويداء شأناً سورياً داخلياً يمكن فصله عن محيطه الإقليمي. فالمحافظة الواقعة في جنوب سوريا أصبحت عند تقاطع حسابات دمشق وعمّان وواشنطن وتل أبيب، فيما يحاول الأردن منع تحولها إلى بؤرة فوضى أو منطقة نفوذ مفتوحة أمام إسرائيل. في هذا السياق، حاولت عمّان فتح مسار للحوار بشأن السويداء. لكنه اصطدم برفض الشيخ حكمت الهجري. وهنا لا يعود السؤال فقط لماذا تعثر الحوار، بل ماذا يعني هذا الرفض لمستقبل السويداء؟ وما البديل؟
الأردن ليس بعيداً عما يجري في السويداء. فالأزمة ترتبط مباشرة بأمن حدوده الشمالية، وبملفات تهريب السلاح والمخدرات، واحتمالات الانفلات الأمني وتحول الجنوب السوري إلى ساحة مفتوحة أمام قوى إقليمية ودولية.
لهذا تحركت عمّان منذ بداية الأزمة، وشاركت إلى جانب دمشق وواشنطن في صياغة مسار سياسي أفضى إلى خريطة طريق بشأن السويداء، تقوم على وقف التصعيد وحماية المدنيين ومعالجة الملفات الأمنية والإنسانية، والأهم الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها.
هنا تحديداً يصبح موقف الهجري بحاجة إلى قراءة سياسية أوسع. فالجهات المرتبطة به رفضت الخطة وتمسكت بمطلب “تقرير المصير”. وإذا كان المقصود بهذا المطلب تجاوز إدارة المحافظة والضمانات الأمنية إلى الانفصال عن الدولة السورية، فإن النقاش ينتقل من تسوية أزمة داخلية إلى سؤال يتعلق بمستقبل منطقة ودولة وحدود، في واحدة من أكثر ساحات المشرق حساسية.
إسرائيل في المشهد
كان يمكن لحضور الهجري إلى عمّان أن يشكل اختباراً سياسياً مهماً. فالجلوس إلى طاولة الحوار لا يعني الموافقة على كل ما تطرحه عمّان، ولا التخلي عن مطالب السويداء، بل يتيح تحويل هذه المطالب إلى تفاوض مباشر للحصول على ضمانات بشأن الأمن والحقوق والمحاسبة والإدارة المحلية. أما رفض المسار من أساسه، فيترك فراغاً سياسياً لن يبقى فارغاً طويلاً، لأن الجنوب السوري ليس معزولاً عن الحسابات الإقليمية.
الأردن يدرك ذلك جيداً. وتمسكه بوحدة سوريا ليس موقفاً دبلوماسياً فقط، بل يرتبط بحسابات أمنية مباشرة. فقيام كيان أو منطقة نفوذ مسلحة على حدوده الشمالية يعني معادلة أمنية أكثر تعقيداً بالنسبة إلى عمّان.
لكن إسرائيل طرف لا يمكن تجاهله أيضاً. فقد شهد الجنوب السوري خلال الأزمة تدخلات إسرائيلية مباشرة وغير مباشرة، فيما قدمت تل أبيب نفسها باعتبارها معنية بحماية الدروز في سوريا. وفي آب الماضي نُقلت عن الهجري تصريحات أكثر وضوحاً تجاه إسرائيل، تحدث فيها عن إمكانية ارتباط مستقبل السويداء بها، وهو ما يرفع مستوى القلق من تحويل القضية إلى ورقة في مشروع إقليمي أوسع.
هذا لا يعني اتهام الهجري بأنه يعمل لحساب إسرائيل، فهذا يحتاج إلى دليل مباشر. لكن من المشروع سياسياً طرح سؤال آخر: من يستفيد من بقاء السويداء خارج أي تسوية سورية؟ من يستفيد من تحويل جنوب سوريا إلى منطقة نفوذ مفتوحة على الحدود الإسرائيلية؟
الهجري يرفض.. فما البديل؟
الأردن لا يملك رفاهية التعامل مع السويداء كخلاف سياسي بعيد. فما يحدث هناك ينعكس على أمنه وحدوده واستقراره. من وجهة النظر الأردنية، فإن خريطة الطريق التي دفعت بها عمّان وواشنطن ودمشق تمثل محاولة لإغلاق الباب أمام الفوضى والتقسيم ومناطق النفوذ. قد تكون الخطة قابلة للنقاش والتعديل، وقد تحتاج إلى ضمانات إضافية. لكن رفضها بالكامل يطرح السؤال الأهم: ما البديل؟
يمكن للهجري أن يرفض، وأن يطالب بضمانات أكبر، وأن ينتقد دمشق، وأن يدافع عن حقوق الدروز، وأن يفاوض على ترتيبات أمنية وسياسية خاصة بالسويداء. كل ذلك مفهوم في السياسة. لكن ماذا بعد الرفض؟ هل توجد خريطة طريق أخرى؟ هل يمكن الوصول إلى تسوية قابلة للحياة من دون دمشق وعمّان وواشنطن؟ هل تستطيع السويداء أن تبقى خارج الدولة السورية من دون أن تتحول إلى ساحة صراع بين مشاريع إقليمية متناقضة؟
ربما كان الحضور إلى عمّان سيضع الهجري أمام هذه الأسئلة مباشرة. أما رفض الحوار، فيجعل الإجابة أكثر إلحاحاً. عمّان لا تستطيع فرض حل على السويداء، لكنها تستطيع طرح مسار والدفع باتجاهه. والهجري يستطيع رفضه، لكنه لا يستطيع تجاهل حقيقة أن السويداء تقع في جنوب سوريا، وأن مستقبلها سيظل مرتبطاً بمستقبل الدولة السورية وبموازين القوى المحيطة بها. لذلك، فإن السؤال الأهم: ماذا يريد بعد هذا الرفض؟
إذا كانت القضية ضمانات وحقوقاً وأمناً للسويداء، فهذه ملفات قابلة للتفاوض. أما إذا كان “تقرير المصير” يعني فتح الطريق أمام الانفصال أو النفوذ الخارجي، فالقضية تصبح أكبر بكثير من خلاف على خريطة طريق.
عمّان ليست المشكلة، والحوار ليس المشكلة. المشكلة هي مستقبل السويداء، فهل تبقى جزءاً من سوريا وتُعالج أزمتها عبر تسوية سياسية، أم تتحول إلى ورقة مفتوحة في صراع إقليمي لن يصعب إغلاقه؟
*كاتب وصحافي أردني
