قبل ساعات من تدافع التسريبات الإعلاميّة إلى صحافة العالم، وخصوصاً الأميركيّة منها، كان الرئيس الأميركيّ يعيد ويكرّر أنّ بلاده دمّرت “كلّ شيء” في إيران، لا سيما قواها البحريّة والجوّيّة ومنصّات الصواريخ والبنى التحتيّة العسكريّة. في إحدى إطلالاته الأخيرة كرّر أيضاً مواقف ليست جديدة. قال: “سنحصل على مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب الذي لا نحتاج إليه، وقد ندمّره”. بعد ساعات من تلك التسريبات أتت أخبار إسلام آباد بغير ذلك.
في أوّل خطاب لترامب عند بدء الحرب الأخيرة على إيران في 28 شباط الماضي، تحدّث عن حساب قديم بين بلاده وإيران. ذكّر بمجزرة ارتكبتها “الجمهوريّة الإسلاميّة” عبر أذرعها ضدّ مقرّ قوّات المارينز في بيروت عام 1983. أوحى أنّ الحرب تتجاوز هدفها “الفرعيّ” المتمثّل في القضاء على البرنامج النوويّ، وأنّ حربه ستنال من نظام عدوّ لبلاده. وإذ لم يقُل إنّه ذاهب لإسقاط النظام، إلّا أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، شريكه في هذه الحرب (وقيل إنّه من جرّه إليها)، جاهر علناً بهذا الهدف.
ثلاثة ملفّات أساسيّة
في غياب رواية رسميّة صادرة عن إدارة ترامب، تولّت التسريبات والتحليلات في الصحافة الدوليّة، ومنها أميركيّة وإسرائيليّة، وبغضّ النظر عن احتماليّة هدف إسقاط النظام، الحديث عن أنّ للحرب أهدافاً ثلاثة تطال الملفّات التالية:
1- البرنامج النوويّ.
2- برنامج الصواريخ البالستيّة.
3-سياسة إيران المزعزعة للاستقرار، أي علاقة طهران مع أذرع “المحور”.
غير أنّ تلك الأهداف غادرت مستوى “كلام الجرائد” إلى مستوى رسميّ عبر موقف صدر عن “ابن الإدارة” والدولة العميقة، وزير الخارجيّة ماركو روبيو يقول فيه إنّ منطق معالجة الملفّ الأوّل يقود حكماً وآليّاً إلى معالجة الملفّين الآخرَين.
تكشّفت خلال حوالي 38 يوماً من الحرب وقائع الميدان والمؤشّرات الاقتصاديّة (الأميركيّة خصوصاً) والمواقف الدوليّة والضغوط الإقليميّة، حتّى تلك التي داخل الولايات المتّحدة (الكونغرس والحزب الحمهوريّ و”ماغا”)، عن خارطة تداعيات لم تكن في الحسبان.
بدا أنّ الطابع الارتجاليّ الانفعاليّ للحرب بُني على معطيات وتوقّعات مضخّمة، كثيرها إسرائيليّ، وقام على استشراف متسرّع لنتائج الحرب على إيران، سواء في ما يتّصل بقدرة طهران على استيعاب صدمة الحرب وترتيب صفوف القيادة، أو عدم تمرّد الشارع الذي تمّ على نحو تبسيطيّ التعويل عليه.
ماذا حصل في بكّين؟
من يراقب أداء ترامب أمكن له أن يستنتج أنّ الرئيس الأميركيّ وإدارته أوقفا خلال الأسابيع الأخيرة الحديث عن أهداف الحرب. سقطت الأهداف المتعلّقة بملفّي الصواريخ والعلاقة بالأذرع. تولّى ترامب بكلّ فخر وسعادة الوعد بأنّ إيران لن تمتلك قنبلة نوويّة، وقال في بعض الأحيان إنّه لن يكون مسموحاً لها بالتخصيب، وإنّ “المخزون” الشهير سيتمّ إخراجه من إيران “بطريقة أو بأخرى”، حتّى إنّه أوحى على نحو هوليووديّ، إن لم نقُل “هنديّ”، باحتمال نبش ذلك المخزون من مدافنه في فوردو وغيره والاستيلاء عليه بعمليّة عسكريّة.
حصل شيء ما في بكّين. بعد أسبوع فقط من عودة ترامب من زيارته للصين تحرّك شيء ما دفع وزير الداخليّة الباكستانيّ محسن نقوي إلى تمديد زيارته لطهران. حصل شيء في العاصمة الإيرانيّة استدرج قائد الجيش الباكستانيّ الجنرال عاصم منير، صديق ترامب الشخصيّ، إلى زيارة إيران ولقاء قادتها ناقلاً رواية أميركيّة، منتزعاً تنازلات إيرانيّة سيعتبرها الرئيس الأميركيّ كافية، في هذه المرحلة، لإقناع أميركا والعالم أنّه حقّق انتصاراً لم يحقّقه رئيس أميركيّ من قبله.
تمتلك إيران، التي تمسك بعنق مضيق هرمز، من الحجج ما يتيح لها وللباقي من محورها إعلان النصر. انتزعت أن يتمّ التفاوض على البرنامج النوويّ في مرحلة لاحقة على إعلان وقف الحرب ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانيّة. جعلت طهران من ملفّ المضيق الذي لم يكن ملفّاً قبل الحرب الملفّ الأوّل بعد الحرب. خلا الاتّفاق المبدئيّ من ملفّات غير ذلك النوويّ، وجُعل للاتّفاق 60 يوماً قد لا تقدّم طهران في آخرها “الأوهام” التي أوحت بها حرب أميركيّة إسرائيليّة بقيت ثنائيّة لأنّ “الحلفاء” لم يقبل الانضمام إليها.
لم تنتصر إيران. بقي نظامها وفق قرار أميركيّ لبقائه. أثبتت الحرب قدرة على قتل قادة البلد بقرار والإبقاء على قادة آخرين بقرار. بقي النظام لأنّ الحرب التي أرادتها واشنطن جوّيّة ليست كافية لإسقاط نظام احتاج في العراق وأفغانستان إلى زحف مئات الآلاف من الجنود برّاً. بقي النظام لأنّ مدّة الحرب اقتصرت على 38 يوماً فيما ذكّر ترامب معارضيه بما استغرقته حروب أميركا في العراق (الأولى والثانية) وأفغانستان وفيتنام وكوريا وغيرها قبل ذلك. بقي النظام لأنّه استفاد من قرار صينيّ – روسيّ يجعل من إسقاطه أمراً مكلفاً.
الفريقان يحتاجان إلى التقاط الأنفاس
اختارت واشنطن وطهران بوحي من بكّين ودعم عواصم المنطقة وقف الحرب. يريد العالم فتح مضيق هرمز ووقف الضغط على أسعار الطاقة والإفراج عن ممرّات الأسمدة وسلاسل التوريد الأخرى. تحتاج إيران إلى التقاط أنفاسها ووقف كارثة التدمير الموجعة على الرغم من جوف المكابرة. ينهي وقف الحرب جدل الكونغرس، ويمرّر ألعاب المونديال واحتفالات الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتّحدة، ويريح أجواء حملة الانتخابات النصفيّة في تشرين الثاني المقبل.
إذا ما دوّرت العراقيل الصادرة عن واشنطن وطهران زوايا الاتّفاق وجعلته قابلاً للاستهلاك يتيح لأطرافه زعم الانتصار، فإنّ مهلة الـ60 يوماً تنتهي في الأسبوع الأخير من تمّوز المقبل، ولا شيء يمنع الطرفين من تمديد آخر يؤجّل إلى موعد مناسب عودة واشنطن للحرب وعودة طهران للقبض على المضيق.
