في عام 1952، جلس الموسيقيّ الأميركيّ جون كيج أمام جمهوره ليقدّم أغرب مقطوعاته: لم يعزف شيئًا! ظلّ صامتًا طوال أربع دقائق وثلاثٍ وثلاثين ثانية، بينما امتلأت القاعة بأصواتها الخاصّة من حركة المقاعد والسعال، إلى تململ الجمهور ونفاد صبره. وضع كيج الصمت في قلب مقطوعته الأشهر “4:33″، كأنّه عزل عيّنة من الحياة اليوميّة عن مجرى الزمن كي ننظر إليها قبل أن تمضي، وحين اعترض الجمهور على صمته، ملأت أصوات احتجاجهم الفراغ الذي صنعه، ليصبحوا من دون أن يدركوا جزءًا من المقطوعة نفسها.
كان كيج يشبّه الصمت في الموسيقى بالزجاج في العمارة: مادّة لا تختفي تمامًا، لكنّها تتخلّى عن مظهرها الخاصّ لتأخذ شكل العالم الذي يحيط بها، ولعلّ هذا ما يجعل الصمت غريبًا إلى هذا الحدّ. إنّه لا يملأ المكان بشيء، لكنّه يكشف ما يختبئ فيه، فمنذ أن اكتشف الإنسان أنّه يستطيع تنظيم الصوت وصنع المعنى منه، ظلّ يراكم الأصوات حتّى جاء من يكتشف أنّ التخلّي عنها طوعًا قد يكون، في لحظة ما، فعلًا موسيقيًّا أيضًا. كأنّ الموسيقى التي بدأت من الصمت عادت إليه، ليس كصفحة فارغة، بل كصفحة مفتوحة على كلّ الأصوات الممكنة.
بعد أكثر من ستّة عقود، اختبر علماء النفس ما يحدث حين يُسحب الصوت من الخارج، ففي عام 2014، نشر عالم النفس تيموثي ويلسون وفريقه دراسة في مجلّة “ساينس” عن سؤال إنسانيّ مقلق: ماذا يحدث للمرء حين يُترك وحيدًا مع أفكاره؟ وُضع المشاركون في غرفة هادئة، بلا هاتف أو كتاب، وطُلب منهم الجلوس ربع ساعة مع أفكارهم. كان المشاركون قد جرّبوا صدمة كهربائيّة خفيفة سابقة، وأُعطوا الخيار بين البقاء مع أفكارهم أو الضغط على زرّ يمنحهم الصدمة مجدّدًا، والمثير أنّ بعضهم اختار الصدمة على البقاء مع ذواتهم.
تكشف تجربة ويلسون أنّ الإنسان قد لا يحتمل ما يفعله الهدوء به، ففي الحياة اليوميّة، تكفي شاشة أو رسالة لنبتعد عن أنفسنا ونقطع طريق أيّ فكرة لا نريد الوصول إليها، فيغدو الانشغال وسيلة لتأجيل المواجهة. ولذلك قد يكون الصمت مخيفًا ليس لأنّه خالٍ، بل لأنّه ممتلئ. إنّه يردّ إلينا الأشياء التي أضعناها في زحام الأيّام: سؤالًا لم نجب عنه، حزنًا لم نمنحه حقّه، قرارًا نؤجّله، أو صورة عن أنفسنا لم نعد نعرف إن كانت تشبهنا حقًا. في الضجيج نستطيع أن نعيش إلى جوار هذه الأشياء بدون أن نراها، أمّا في الصمت، فإنّها تجلس معنا في الغرفة نفسها. لذلك قد لا يكون الصمت غيابًا للصوت بقدر ما يكون حضورًا مكثّفًا للذات.
لكن ماذا لو لم يكن ما نخافه في الصمت أفكارنا وحدها؟ ربّما لهذا يبدو الصمت ثقيلًا على بعض الناس، إذ ينتزع منهم الأشياء التي اعتادوا أن يختبئوا خلفها. تذهب عالمة النفس إيرين ويستغيت، في أبحاثها عن الملل، إلى أنّ الإنسان يحتاج إلى الانتباه والمعنى كي ينخرط فعلًا في ما يعيشه. فإذا عجز عن التركيز، أو لم يجد فيما يفعله ما يتّصل بشيء ذي قيمة بالنسبة إليه، ظهر الملل بوصفه إشارة إلى أنّ علاقته بما يفعله قد انقطعت. والأكثر إثارة أنّ هذا يمكن أن يحدث حتّى مع أفكار الإنسان نفسه، فقد لا يكون المرء عاجزًا عن التفكير، بل عاجزًا عن العثور في أفكاره على ما يشدّه إليها.
هنا ربّما نقترب من سرّ آخر للصمت: نحن لا نهرب منه دائمًا لأنّنا نخشى ما سيقوله لنا، بل لأنّنا نخشى ألّا يقول شيئًا. عندها لا يعود الصمت مجرّد غياب للضجيج، بل يصبح مرآة، وقد لا يعكس لنا بالضرورة صورة نحبّها، ولا حتّى صورة نعرفها، لكنّه قد يكشف المسافة بين الحياة التي نعيشها والحياة التي كنّا نظنّ أنّنا سنعيشها، بين ما نقوله عن أنفسنا وما نعرفه عنها حين لا يكون هناك أحد يستمع، وبين الأشياء التي نجري خلفها والأشياء التي كنّا نحتاج إليها حقًا. ولعلّ هذا هو السبب الذي يجعل الإنسان أكثر براعة في الحديث عن العالم من الحديث عن نفسه. يستطيع أن يفسّر أخطاء الآخرين، وأن يضع أسماء لأزمات المجتمع، وأن يحمّل الظروف مسؤوليّة ما لم يحقّقه، وأن يستدعي الماضي كلّما ضاق الحاضر. لكنّه حين يبقى وحده، يصعب عليه أن يواصل هذه اللعبة طويلًا، فالصمت لا يجادله، ولا يهاجمه، ولا يبرّر له شيئًا. إنّه يتركه أمام السؤال وحده. ومن هنا تبدأ الهزائم التي لا يراها أحد.
ليست الهزيمة دائمًا حدثًا يقع أمام الناس، قد تكون شيئًا أكثر خفاءً: أن تعرف في داخلك أنّك لم تصبح الشخص الذي كنت تظنّ أنّك ستصبحه، وأن تمرّ سنوات طويلة بدون أن تجد الشجاعة الكافية لتسأل نفسك لماذا. قد تتعايش مع عمل لا تحبّه، وحياة لا تشبهك، وأحلام أعدت ترتيبها حتّى صارت تبدو لك أقلّ إلحاحًا، ليس لأنّها فقدت قيمتها، بل لأنّك تعبت من النظر إليها. وربّما تكون الهزيمة الأشدّ قسوة أن يعتاد الإنسان شيئًا كان في البداية يؤلمه، حتّى يصبح بعد زمن جزءًا من تعريفه لنفسه. في الضجيج يمكن تأجيل هذه المواجهة إلى ما لا نهاية، هناك دائمًا ما يكفي من الأخبار كي لا نفكر في أنفسنا، ومن مشكلات الآخرين كي لا نسأل عن مشكلاتنا، ومن الأحداث العاجلة كي نؤجّل الأسئلة التي لا موعد لها عاجلًا. بل إنّ الإنسان يستطيع أن يبني حول نفسه عالمًا كاملًا من التبريرات يشرح فيه لماذا لم يحدث ما أراده، ومن كان السبب، وما الذي منعه، وماذا كان يمكن أن يكون لو تغيّرت الظروف. وقد يكون بعض هذه التبريرات صحيحًا فعلًا، لكنّ المشكلة تبدأ حين تتحوّل الحقيقة الجزئيّة إلى جدار كامل نختبئ خلفه.
| جلال الدين الروميّ: “أنصِت، فالصمتُ له لغته الخاصّة، ينطق بها حين تعجزُ الأبجديّة” |
لذلك ربّما كان الصمت أكثر قسوة من النقد. الناقد يمنحك فرصة للدفاع عن نفسك، أمّا الصمت فلا يتّهمك بشيء، إنّه فقط يتركك وحدك مع ما تعرفه. يعيد السؤال إليك في صورته الأولى: ماذا فعلت أنت بما كان في يدك؟ وهذه ليست مسألة فرديّة تمامًا، فالجماعات أيضًا تصنع ضجيجها الخاصّ، وربّما كانت أكثر حاجة إليه من الأفراد. تستطيع جماعة كاملة أن تعيش سنوات طويلة وهي تتحدّث عن قوّتها، وعن ماضيها، وعن المظالم التي لحقت بها، وعن المؤامرات التي أحاطت بها، بدون أن تمنح نفسها لحظة صمت تسأل فيها سؤالًا أقلّ راحة: ماذا فعلنا نحن في الوقت الذي كان ينبغي أن نفعل فيه شيئًا؟ ولعلّ الإنسان العربيّ المعاصر يعرف هذا النوع من الصمت أكثر ممّا يعترف به، فالحضارات لا تُقاس بمقدار ما تحفظه من أمجادها، بل بما تستطيع أن تفعله بها في حاضرها. لكن ثمّة لحظة مؤلمة تفصل بين أن تعرف أنّك كنت قادرًا على شيء، وأن تكون قادرًا عليه الآن. وما بين الذاكرة والواقع، تتّسع أحيانًا فجوة لا تستطيع الخطب والاحتفالات والحنين أن تردمها.
لقد حاول مالك بن نبي، في عدد من كتبه، أن ينقل سؤال النهضة من مجرّد الحسرة على الماضي إلى البحث في الشروط التي تجعل الإنسان قادرًا على بناء الحضارة. لم يكن السؤال عنده: لماذا كان لنا ماضٍ عظيم؟ بل: ما الذي يجعل الإنسان قادرًا على تحويل الأفكار إلى فعل، والوقت إلى عمل، والمعرفة إلى قوّة اجتماعيّة؟ وبصرف النظر عن اتّفاقنا أو اختلافنا مع تفاصيل مشروعه، تبقى قيمة هذا التحوّل في السؤال نفسه: أن نتوقّف عن النظر إلى الهزيمة باعتبارها حادثة خارجيّة فقط، وأن نبحث أيضًا في الشروط الداخليّة التي تجعل تجاوزها ممكنًا أو مستحيلًا. لكنّ المشكلة أنّ مثل هذا السؤال يحتاج إلى صمت. يحتاج إلى لحظة لا ندافع فيها عن أنفسنا، ولا نبحث سريعًا عن متّهم، ولا نستدعي الماضي ليشهد لنا، ولا المستقبل ليعدنا بأنّ كلّ شيء سيتغيّر. يحتاج إلى أن نقف في المسافة العارية بين ما نحن عليه وما نريد أن نكونه.
ليس غريبًا إذًا، أن يكون للصمت تاريخٌ طويلٌ في الفلسفة والأدب، فقد أدرك الإنسان منذ وقت مبكّر أنّ اللغة، على الرغم من قدرتها الهائلة على تسمية الأشياء، تصل في لحظة ما إلى حدودها. هناك أشياء قد نكتشف أنّ محاولة التعبير عنها تفسد شيئًا من حقيقتها، فحين قال فتغنشتاين، في خاتمة “رسالة منطقيّة فلسفيّة”: “إنّ ما لا يمكن الكلام عنه ينبغي الصمت عنه”، كان يضع حدًّا لطموح اللغة، فليست كلّ حقيقة قابلة لأن تتحوّل إلى جملة، وليس كلّ ما يمكن أن نشعر به يمكن أن نضعه في تعريف. وفي الأدب، لم تكتسب الكلمات قوّتها ممّا تقوله فقط، بل أحيانًا ممّا تتركه بدون قول. قد تكون المسافة بين جملتين أبلغ من الجملة نفسها، وقد يحمل الصمت، الذي يلي اعترافًا ما، من المعنى أكثر ممّا حملته الكلمات التي سبقته. ولهذا ظلّ الصمت حاضرًا في الشعر والمسرح والرواية بوصفه كلامًا لم يجد صورته في اللغة.
غير أنَّ الخوف ليس المعنى الوحيد الذي يحمله الصمت؛ فإذا كان الضجيج هو الملاذ الذي نلوذ به لنسيان أنفسنا، فإنَّ الصمت هو المحراب الذي نعود إليه لنلتقي بها. منذ أقدم التجارب الإيمانيّة، تجسّد الصمت كعهدٍ مع الله، وطريقٍ إلى حضورٍ شفّاف تستغني فيه الروح عن ثقل الكلام، ففي قصّة مريم عليها السلام جاء الصمتُ في أشدّ لحظات التجربة إرباكًا وكثافة ليمنحها ملاذًا إلهيًّا وسكينة: “إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا”، وكان صمت زكريا عليه السلام آيةً على البشرى والتمكين: “آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا”؛ حيث يتجلّى التوقّف عن كلام الناس كقوّةٍ تفتح أبواب المناجاة. وفي تقاليد التأمّل البوذيّ، يتجلّى “الصمت النبيل” كحالة يهدأ فيها الحوار الداخليّ المتواصل الذي يحاكم الأشياء ويبدّد الطاقة، وكما يُروى في الحكمة البوذيّة: “الصمت هو الحقيقة العارية، والكلمات مجرّد ظلال نلقيها عليها”. أمّا في أروقة التصوّف، فقد احتلّ الصمت مقام المرتبة الأولى في السلوك وشرط المعرفة، إذ يقول جلال الدين الروميّ: “أنصِت، فالصمتُ له لغته الخاصّة، ينطق بها حين تعجزُ الأبجديّة”. وكذلك قول النفّريّ الشهير: “كلّما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة”.
تلتقي هذه التجارب الإنسانيّة والمقدّسة عند حدسٍ واحد: الصمت هو التعبير الأكمل عن المعنى. نحن نخاف الصمت لأنّنا نخشى السقوط في ذواتنا، غير أنّنا حين نملك شجاعة العبور من خلاله، نكتشف أنّه الباب الوحيد الذي يرتقي بالنفس لتصغي إلى ما هو أعمق وأصدق في هذا الوجود.