”هل تصبح تركيا إيران الجديدة؟” هو عنوان مادة منشورة في مجلة “ميم” ذات التوجه الإخواني، في 22 آب الماضي. قد تبدو هذه المادة الإعلامية كسابقاتها من المنشورات التي ترصد المزاج الإسرائيلي بعد ضرب إيران منذ حزيران 2025 على الأقل، إلا أنها أكثر من ذلك، بل هي أقرب إلى الأمل المرتجى بأن تصبح تركيا كذلك، فهل لهذا التمنّي من واقع يسنده؟ وهل تأخذ تركيا الأردوغانية مكان إيران الخمينية – الخامنئية؟
لفهم ما إذا كان هذا الطرح يتجاوز حدود التمنّي السياسي إلى إمكانية واقعية، لا بدّ من النظر إلى موقع تركيا اليوم في الإقليم، وإلى طبيعة التحولات التي طرأت على أدوار كلٍّ من أنقرة وطهران.
تطوّر الموقف الإسرائيلي من تركيا
كانت الحرب الإسرائيلية الأميركية الخاطفة على إيران في حزيران 2025 شرارة التفكير الإسرائيلي في العدو التالي بعد إيران، أو في من يمكن أن يحل مكانها في الواقع والمخيال. وفي الشهر التالي، نشر موقع “إسرائيل اليوم” مقالاً للكاتب والمحلل الإسرائيلي شاي غال بعنوان “تركيا هي إيران الجديدة”، ربط فيه بين تركيا وإيران في النفوذ الإقليمي، ودعم حماس، والطموحات النووية والعسكرية، معتبراً صعود تركيا تهديداً استراتيجياً جديداً لإسرائيل.
لكن الباحثة غاليا ليندنشتراوس، في مقال نشرته في 18 تشرين الثاني 2025 في المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي (INSS)، حذرت من شيوع عبارة “تركيا هي إيران الجديدة”، معتبرة أنها تقلل من أهمية التهديد الإيراني المستمر وتتجاهل استمرار العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وتركيا، والتعاون الاستخباري المحدود بينهما. كما أن تركيا عضو في حلف الناتو وتحافظ على علاقات وثيقة مع الغرب، ولا تسعى إلى إنشاء شبكة من الوكلاء ضد إسرائيل كما فعلت إيران لعقود.
مع ذلك، يعكس انتشار هذا الخطاب تصاعد المخاوف الإسرائيلية من أنقرة، ويرتبط خصوصاً بتزايد وجود تركيا في سوريا بعد انهيار نظام الأسد، وبالدور الذي قد تؤديه في ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار في غزة، ولا سيما احتمال وجود قوات تركية ضمن قوة استقرار دولية في القطاع. وفي شرق المتوسط، تتمتع تركيا بقوة بحرية مميزة مقارنة بإسرائيل، فيما يتسارع تطويرها العسكري.
تركيا تستعد عسكرياً؟
حددت أنقرة ثلاث نقاط ضعف رئيسية في قواتها المسلحة وتعمل على معالجتها، مستفيدة من دروس الحرب بين إسرائيل وإيران. أولها تقادم أسطول الطائرات المقاتلة، إذ وقعت تركيا صفقة مع بريطانيا لشراء 20 طائرة “يوروفايتر تايفون”، وتسعى إلى اقتناء نحو 24 طائرة مستعملة من الإمارات وعُمان لتجاوز فترات التسليم الطويلة المرتبطة بشراء طائرات جديدة. وثانيها تطوير الدفاع الجوي، مع هدف بناء نظام يشبه “القبة الحديدية”، إلى جانب توسيع بناء الملاجئ. وثالثها تعزيز قدرات الصواريخ متوسطة وطويلة المدى للردع، فيما تحدثت تقارير صحافية عن سعي تركيا لإنشاء منشأة لاختبار الصواريخ في الصومال.
هكذا حدث تحول جوهري في النظرة الإسرائيلية إلى تركيا خلال العام الماضي: من اعتبارها شريكاً أو منافساً إقليمياً إلى تعريفها بوصفها بديلاً محتملاً لإيران كمركز قوة معادٍ لإسرائيل في سوريا والإقليم. وكانت المؤسسة الاستراتيجية الإسرائيلية قد دعت في البداية إلى التفاهم مع تركيا وحذرت من تحويلها إلى عدو، قبل أن يتصاعد الخطاب. فقد حذرت “لجنة ناغل” برئاسة البروفيسور يعقوب ناغل، التي شكلها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في 2024، في توصياتها الصادرة في كانون الثاني 2025، من أن تصبح سوريا وكيلاً تركياً، بما قد يعمق خطر المواجهة الإسرائيلية التركية.
في أيلول 2025، وصف وزير شؤون الشتات عميحاي شيكلي “تركيا العثمانية الجديدة، وسوريا بعد الأسد، وقطر” بأنها “إيران الجديدة”. كما قال رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت إن محوراً تقوده “تركيا طموحة وعدائية” يمثل تهديداً متزايداً، مؤكداً أن “تركيا هي إيران الجديدة”.
كيف تعاملت مجلة «ميم» مع الفكرة الجديدة؟
واجه الخطاب الإعلامي الإخواني، منذ سقوط بشار الأسد أواخر 2024، ثم اهتزاز محور الممانعة ووصول الحرب إلى إيران في حزيران 2025، قدراً من التخبط، فرحب بسقوط النظام الحليف لطهران، ثم دافع عن إيران بعد الحرب عليها، رغم اعتداءاتها على دول الخليج. وفي هذا السياق بدأت مجلة “ميم” تروج لفكرة أن تركيا هي الهدف التالي، وأنها قد تصبح “إيران الجديدة”، وهو أصلاً مصطلح إسرائيلي.
ففي 18 حزيران 2025 نشرت “ميم” مادة بعنوان “إعلامي إسرائيلي: انتصرنا على حماس وإيران والنهائي سيكون ضد تركيا”، ثم نشرت في 4 تموز ترجمة بعنوان “فايننشال تايمز: تركيا وإسرائيل تتجهان نحو مواجهة محتملة بعد حرب إيران”. وفي 10 أيلول نشرت مادة بعنوان “محلل إسرائيلي: تركيا هي العدو القادم بعد قطر”، تتحدث عن انتقال الاستهداف الإسرائيلي من إيران وقطر إلى تركيا وتربطه بقوة تركيا العسكرية ودور أردوغان. وفي 2026 استخدمت “ميم” العنوان الصريح “تاكر كارلسون: تركيا هي إيران الجديدة لأنها لا ترضخ لإسرائيل”.
أما مادة “هل تصبح تركيا إيران الجديدة؟” المنشورة في 22 آب، فتتجاوز مجرد نقل التعبير الإسرائيلي إلى طرحه كفرضية استراتيجية جدية. فمقدمتها تربط بين استغلال أردوغان للفراغ الإقليمي، وبناء تحالفات خارجية، والتحولات الداخلية في تركيا، وتحذيرات إسرائيلية وغربية من تحولها إلى “إيران جديدة”. وبذلك تبدو “ميم” أقرب إلى تبني الفرضية، أو على الأقل اعتمادها إطاراً تحليلياً جدياً، لا مجرد نقل خبر أو موقف إسرائيلي.
تركيا لن تكون إيران الجديدة
بعيداً عن هواجس إسرائيل، ومزايدات سياسييها توصلاً إلى مكاسب انتخابية، وكذلك عن أماني “الإخوان المسلمون” أو بعض المتحمسين منهم، فإنه ثمة فوارق أساسية بين إيران وتركيا، تمنع تحوّل تركيا إلى نموذج إيراني جديد. وهي على الشكل التالي:
ـ أولاً، النظام السياسي التركي هو ديموقراطي ومفتوح على شتى الاحتمالات، حتى لو كان حزب العدالة والتنمية هو المتصدر حتى الآن. وسبب تصدره الحياة السياسية، هو الحضور الكاريزمي للرئيس رجب طيب أردوغان. ويمكن أن تتغير المعادلات قليلاً أو كثيراً، بين الإسلاميين والعلمانيين عند رحيله أو اعتزاله. بالمقابل، فإن النظام السياسي الإيراني، هو نظام ولاية الفقيه، أي نظام ديني، والديموقراطية فيه منعدمة.
ـ ثانياً، حتى النظام الحالي في تركيا، لا يتبنى سياسات إيران، في خوض الحروب، ولو مع إسرائيل، أو تأسيس وكلاء له في المنطقة على غرار إيران، فكيف يتوقع أحد أن تكون تركيا هي إيران الجديدة فضلاً عن علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة وحلف الناتو عموماً. فتركيا تستفيد من كونها في قلب المعادلات الدولية والإقليمية لا خارجها.
ـ ثالثاً، تركيا تتطور عسكرياً، وتصنع كثيراً من أسلحتها في البر والبحر والجو، وتفوقت في سلاح المسيّرات. لكنها لم تُختبر في أي حرب نظامية ولا سيما مع إسرائيل المتفوقة تكنولوجياً وجوياً. وأي حرب إسرائيلية محتملة مع تركيا ستكون محددة باستهداف قيادات أساسية ومراكز التصنيع الحربي ومجالات أخرى. وستكون سوريا هي الساحة الرئيسية للصدام البري، كي تضرب إسرائيل سوريا الجديدة وتفكك أوصالها. وعلى هذا، ليس من مصلحة أنقرة منح الذريعة لنتنياهو.
