سعد سلوم… جريدة المدى
في حديث عابر، فاجأني الأكاديمي (مؤيد آل صوينت) بنبرة واثقة لا تخلو من انحياز فئوي لطيف لأبناء جلدته: لا يوجد اليوم أساتذة بارزون في العلوم السياسية، والدليل أن حيدر سعيد -وهو في الأصل لساني- أبرع منكم جميعاً!. يبدو أن مؤيد لم يجد حرجاً في ممارسة هذا الاستعلاء اللغوي المرح، وكأنه يرى أن موازين القوى وفلسفة الحكم لا تستقيم إلا بمشارط اللغويين وقواعدهم، لكن دعابته تلك لامست في داخلي وتراً حساساً يتجاوز مجرد المناكفة بين التخصصات، فقد كانت تعبيرا عن عقيدة شائعة تختزل العلم في حدود الشهادة، وكأن المعرفة أسوارٌ مغلقة لا يحق لأحد تجاوزها.
كانت هذه القضية بالنسبة لي دوماً خيارا معرفيا أعيش مخاضه يوميا، فأنا أضرب بنفسي اليوم أبرز مثال على هذا التجاوز. إذ لم تكن بوصلتي يوما موجهة نحو استحقاقات الترقية العلمية أو تكديس النقاط في استمارات التقييم الجامعي، بل كان قلبي وعقلي معلقين بحقول تلامس نبض الأرض وتحديات الواقع الصعبة. لقد نذرتُ جهدي البحثي ومؤلفاتي لدراسة الأقليات والتنوع في العراق، وهو حقل يفرض عليك بالضرورة تحطيما للأسوار التخصصية. فكيف يمكن فهم ديناميات المكونات العراقية، وهوياتها القلقة، وتاريخها المسكوت عنه، من خلال ثقب إبرة العلوم السياسية التقليدية وحدها؟ لقد وجدتُ نفسي أهجر جفاف النظريات الجاهزة لأغوص في أنثروبولوجيا الواقع وتاريخ المهمشين، باحثا عن الحقيقة في تفاصيل حياة الناس لا في أروقة النظم الرسمية.
وقد طبقت هذا النهج عمليا في تدريسي للطلاب، فمع انتهاء كورس الدكتوراه لهذا العام في كلية العلوم السياسية بالجامعة المستنصرية، كنت أرتكب ما تصفه الأكاديميا المحافظة بخيانة التخصص. حيث تنقلت بين قاعات العلاقات الدولية والنظم السياسية لا بوصفها حقولا منفصلة، بل باعتبارها أدواتاً لفهم قضية واحدة: كيف نكتب تاريخ العراق من هوامشه؟. كنت أدرّس النظم السياسية هناك، وأتمرد هنا عبر دراسة الهامشية في العلاقات الدولية، مدفوعا بقناعة أن الفكر الحقيقي يبدأ تماماً حيث تنتهي الأسوار.
لقد بقيت أغلب مؤلفاتي ودراساتي حول المكونات خارج حسابات المؤسسة الرسمية، ولم أستفد منها في ترقياتي العلمية، لا لنقص في منهجها، بل لأنها رفضت أن تُسجن في خانة إدارية جاهزة. لقد دفعتُ -وما زلت- ضريبة هذا العبور الأكاديمي، لكنني ربحتُ في المقابل امتيازا لا تمنحه الألقاب: حرية التفكير في قضايا الإنسان بلا تأشيرة مرور تفرضها البيروقراطية.
إن براعة العابرين (أمثال حيدر سعيد أو حتى آل صوينت في نقده اللساني اللاذع) ليست صك إدانة لأهل الاختصاص، بل هي الشاهد الأكبر على أن المعرفة الحقيقية لا تعترف بالحدود المصطنعة التي رسمتها البيروقراطية الجامعية أكثر مما رسمها العقل. فالتاريخ يخبرنا أن أعظم التحولات ولدت من رحم العبور، تماما كما فعل نعوم تشومسكي حين حطم زنزانة اللسانيات ليصبح الصوت الأكثر تأثيرا في النقد السياسي العالمي.
إن الحدود بين العلوم ليست طبيعية كما نظن، بل هي اصطناعات مؤسسية. لذا، أقولها دوما لطلابي: لا تخافوا من خيانة التخصص، ففي بعض الخيانات فضيلة معرفية. قد لا تكافئكم لجان الترقيات، لكنكم ستكسبون ما هو أبقى: عقلا يرى العالم في اتساعه، لا كما صُمّم له أن يُرى من ضيق الاختصاص الدقيق.
لم يمر هذا التمرد المعرفي الذي أمارسه دون فيتو أكاديمي، فقد تصدى لهذا الطرح الصديق عادل بديوي، عميد كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد، مقدما رؤية تمثل حراس المنهج. يرى الدكتور بديوي أن المسألة ليست ثنائية (تخصص جامد أو تمرد فوضوي)، بل هناك خيار ثالث يتمثل في (البين تخصصية) التي تشترط التعمق العمودي أولا قبل التوسع الأفقي. فالتخصص في نظره ليس وهمًا أو أسطورة، بل هو ضمانة منهجية تحمي المعرفة من وهم الكفاءة ومن مخاطر الادعاء.
يضرب بديوي مثلا حادا بالواقع العراقي؛ فالباحث الذي يحلل النظام السياسي العراقي من زاوية النظم يحتاج لأدوات (كالهندسة الدستورية ونظرية الدولة) تختلف جذريا عن أدوات العلاقات الدولية (كتوازن القوى ونظرية الأدوار). وبناء عليه، فإن القفز بين القاعات دون إتقان أدوات كل حقل، لا ينتج في نظره فكرا مركبا، بل تحليلا مبتورا. بل إنه يذهب أبعد من ذلك بوصفه معايير الترقية والبيروقراطية الجامعية بأنها ليست قيوداً قمعية، بل هي جواز سفر منهجي وآلية لضمان الجودة والاهلية.
أمام هذا المنطق المؤسسي، لم أجد بُداً من الاشتباك معه، فمداخلته دفعتني للتساؤل: هل بقيت الحدود التخصصية في عالمنا المعاصر حصينة كما كانت، أم أن الواقع صار أوسع من أن يُحاصر داخل غرفة واحدة مهما كانت مرتبة؟.
أقول لبديوي: إن كلامك عن التخصص والمنهج هو العمود الفقري لأي معرفة جدية، ولا خلاف على ذلك، لكن أحيانا يحتاج هذا العمود أن يرى باقي الجسد حتى لا يظل حاملا لفكرة وحيدة في الفراغ. التداخل المعرفي ليس بديلا عن التخصص، بل هو امتداد إجباري فرضته طبيعة الأسئلة الكبرى التي نعيشها اليوم.
وإذا استعرنا تشبيه جواز السفر، فإن المشكلة -كما أراها- ليست فيمن يحمل جواز تخصصه، بل في كون الطريق نفسه صار يمر بأكثر من دولة معرفية، حيث لم يعد يكفي ختمٌ واحد لتفهم المشهد العراقي بكل تعقيداته. إن الأسئلة التي لا تتعبنا في البحث عن أجوبتها، لا تستحق منا عناء الكتابة أصلاً، وهذا السجال هو في جوهره محاولة لتحويل التخصص من هوية مغلقة إلى أداة منفتحة قادرة على الحوار مع العالم.
لم يقف الجدل عند حدود الثنائية بين التمرد والمؤسسة، بل اتسع ليأخذ منحىً أكثر توازنا مع مداخلة عبد الوهاب كريم الإستاذ في جامعة السلطان قابوس، الذي حاول جسر الهوة عبر ما أسماه النموذج الطبي. يرى الدكتور كريم أن التخصص ليس عائقا، بل هو حصانة منهجية تشبه تخصص جراح القلب وجراح العيون، فكلاهما يشترك في جذع معرفي واحد، لكن لا يمكن لأحدهما الحلول محل الآخر في غمار الممارسة. إلا أن هذا التوصيف المنهجي يصطدم، كما يروي كريم، بجمود المؤسسة الذي يحول التخصص من أداة تمكين إلى أداة إقصاء، مستشهدا بتجربته الشخصية حين حُجب عن مناقشة أطروحة في صميم تخصصه الدقيق (القانون الدولي والعلاقات الدولية) بدعوى عدم “تطابق العنوان الإداري».
إن هذا الموقف يثير تساؤلا جوهريا حول الهوية الأكاديمية: هل نبحث عن القيمة العلمية أم نكتفي بحراسة القوالب الإدارية؟ وفي سياق تعقيبي على رؤية الدكتور كريم، أجدني أتفق تماماً مع توصيفه لواقع المؤسسة التي يحكمها أحياناً جبنٌ معرفي وإداري، يعيد إنتاج معاييره بصورة تعطل الكفاءة بدلا من حمايتها.
والمفارقات في هذا السياق لا تنتهي، فبينما كنت أنشر بحوثا في مجلات فرنسية عريقة احتضنت قامات مثل سارتر وسيمون دي بوفوار، او في منصات تمثل مؤسسات دولية مثل منظمة الهجرة الدولية كانت البيروقراطية الجامعية ترفض احتسابها ضمن معايير الترقية بحجة أنها خارج التخصص الأكاديمي. وكذلك هو حال كتبي التي صدرت بلغات منها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية، حيث بقيت خارج الاعتراف المؤسسي لأنها رفضت أن تُسجن داخل القفص الإداري للتخصص الدقيق.
هنا تبرز المفارقة الكبرى: أن المؤسسة التي يُفترض بها مكافأة الإبداع، تتحول أحيانا إلى جهاز تصنيف يقيّم المعرفة وفق العنوان لا القيمة. إن جوهر النقاش، كما تبلور في هذا السجال، ليس في إلغاء التخصص، بل في تحريره من تحوله إلى سلطة إقصاء. فالتخصص ضرورة لا غنى عنها، لكنه يفقد روحه حين يمنع الحوار بين الحقول؛ لأن أعظم التحولات الفكرية في العصر الحديث وُلدت دائماً في مناطق التماس لا في الجزر المعزولة.
إن المستقبل، كما أؤمن وكما تلاقت فيه الأفكار في هذا الحوار، هو للتخصص المنفتح، ذلك الذي يجمع بين عمق المنهج وسعة الخيال، ويؤمن بأن النور يظهر دائما في نقاط الالتقاء، لا في الزوايا المنعزلة. فالحقيقة ليست ملكا لتخصص واحد، بل هي الثمرة التي نقتطفها حين نجرؤ على العبور بين الضفاف بعقل منفتح وجسر معرفي رصين.
في نهاية المطاف، لا يبدو هذا السجال مجرد اختلافٍ على توصيف إداري أو ترقية علمية، بل هو صراعٌ بين رؤيتين للعالم: رؤية ترى في المعرفة قلعة حصينة يجب حراسة بواباتها بكل صرامة، ورؤية تراها نهرا يتدفق ولا يعترف بالسدود.
إن محنة التخصص الدقيق اليوم تكمن في تحوله من مجهر نرى به التفاصيل، إلى قناع يحجب عنا الرؤية الشاملة. فالعالم الذي نعيشه بجميع تعقيداته، من أزمات الهوية في هوامش المدن إلى صراعات القوى الكبرى، لا يقدم نفسه لنا مصنفا وفقاً لأقسام الكليات. ومن هنا، تصبح خيانة التخصص -بالمعنى الذي طرحناه- ضرورة أخلاقية قبل أن تكون معرفية، لأنها خيانةٌ للجدران من أجل الوفاء للحقيقة.
لقد علمتنا هذه الرحلة بين آراء الزملاء وتجاربنا الشخصية، أن التخصص هو المنطلق وليس المستقر. هو الأرض الصلبة التي نقف عليها لنقفز نحو المجهول، لا السجن الذي نقضي فيه عمرنا نكرر ذواتنا. إننا بحاجة إلى أكاديميا شجاعة، لا تخشى من عبور الحدود، ولا ترتعد أمام التداخل، أكاديميا تؤمن بأن جواز السفر الحقيقي للباحث هو عمق أثره وقيمة ما يقدمه للإنسان، لا ختم المؤسسة على ورقة قديمة.
لذا، سأظل أقول لطلابي ولنفسي: ابحثوا عن المعرفة حيثما وُجدت، تسلقوا أسوار التخصصات، واكسروا ثقب الإبرة لتنظروا إلى اتساع الأفق. قد لا تفتح لكم لجان الترقيات أبوابها، ولكن يكفيكم فخرا أنكم لم تكونوا حراسا لزنازين المعرفة، بل كنتم رُسلها العابرين للحدود، الباحثين عن الضوء في نقاط الالتقاء، حيث تولد الأفكار الكبرى، وحيث يبدأ الفكر الحقيقي.. تماما حيث تنتهي الأسوار.