طالب عبد العزيز… جريدة المدى
في مجلس بكازينو (اسبيرسو2) الذي يقع عند نهاية شارع الاستقلال؛ من جهة الجسر الإيطالي، بالبصرة، وصحبة صديقي الكاتب والباحث د. لؤي حمزة عباس أخذَنا الحديثُ الى عالم ابي العلاء المعري، فخضنا في حياته، وشعره، ونثره، وعصره، وعماه، ومحنته في عقله، ثم قلبتنا المواجعُ الاكاديمية فتوقفنا عند كتاب بنت الشاطئ (الحياة الإنسانية عند ابي العلاء- لِمَ خلقنا، وكيف نحيا، والى اين المصير) والكتاب بحث نوقش في كلية الاداب، بجامعة فؤاد الأول سنة 1941 ونالت بموجبه درجة الماجستير مع مرتبة الشرف، ونشرته مطبعة المعارف بمصر سنة 1944 وبما أنَّ نسخة الكتاب الورقية مفقودة في اسواقنا، فقد أخذتني خطاي الى درابين محلة البجاري، الضيقة حيث تقع مكتبة (دار الفكر) لصاحبها د. شهاب أحمد كاظم، التي أحسب أنّها ضالة الباحث عن المفقود والنادر، لكنه أعلمني بأنَّ الكتاب لم يطبع ثانية، لكنه، وقبل أن أكمل شرب فنجان القهوة؛ كان قد استلها من خزانة العم كوكل، فأنجدني بنسخة الكترونية منه، أسعدتُ بها.
أسوق المقدمة (الطللية) هذه بقصد إطلاع القارئ على أهمية الكتاب، الكتاب الذي لا بدَّ لك منه، ويستحق السعي والبحث عنه، بل وتتبع أثره في المكان والزمان، وربما قضَّ مضجعَك عدمُ قراءته. تقول بنت الشاطئ(عائشة عبد الرحمن) بأنّها كانت تضيق بقراءة ابي العلاء المعري، وأوشكت أن تنصرف عن قراءته الى كاتب أو شاعر آخر، هو الذي اشاع في نفسها الملل والجفوة، لكنَّ أستاذها طة حسين في مقدمته لــ (رسالة الغفران) هو الذي نفض عن قلبها ألغاز ما وجدته في شعر ونثر ابي العلاء من غامضٍ ومستَغلق. أتذكرُ أنني أمضيت الساعات الأجمل في حياتي؛ يوم قرأتُ كتاب طه حسين (مع ابي العلاء في سجنه) كان ذلك منذ أكثر من ثلاثين سنة ربما. ومن يقرأ في كتاب بنت الشاطئ هذا سيقف إكباراً وإجلالاً، مأخوذا بعبقرية طه حسين في إدخال المعري- وهو العصيّ- على قلوب طلابه، هذا المُقلِق الذي لم يثبتْ على إيمانه بالعقل، وغيرالمطمئِن الى عجز وقصور العقل ذاته، والذي نظم 100 ألف بيت من الشعر في السنوات العشر من وفاته.
ولكي أقف أكثر على سعادتي في قراءة الكتاب وجهد الباحثة بعثتُ بنسخة منه الى د. لؤي، ومثلها الى د. مشتاق عيدان، وأصدقاء آخرين، عملاً مني في إشاعة المعرفة ونشر العلم، ولأنَّه سعى في البحث عن الكتاب؛ ثم أسِف لعدم عثوره عليه، في أدراج مكتبته الضخمة، فقد أهديته نسخةً ايضاً، أخصُّ هنا صديقي وزميل الدراسة الاولى د. سامي علي جبار، هو الذي أهداني كتابها الثاني عن ابي العلاء(أبو العلاء المعري) الصادر عن سلسلة أعلام العرب سنة 1965 والذي جمعت فيه ما لم تحصده في رحلتها البحثية الأولى. ربما أجدُ من يسأل:لماذا أكتب هذه، فيما المواضيع كثيرة من حولي، والحاجة الى فحصها أكثر وأجدى، أو أين أنا مما يُكتب ويُطبع ويُنشر الآن؟ فأقول متأسفاً بأنَّ 90% مما يصدر من كتب اليوم لا أجدني في ضرورة تصفحها، ولا تلجئوني رغبةٌ اليها، ذلك لأنَّ الكتابة لم تعد عند الكثير همّاً معرفياً، وثراءً علمياً، فهي عند هؤلاء لا تعدو أن تكون ترفاً ووجاهةً لا أكثر، أما عزائي في ذلك فهو قول ابي العلاء:
إذا طفِئتْ في الثرى عيونٌ…. فقد أمنتْ من عمىً أو رمدِ.
أو:
ومراثٍ لو أنهنَّ دموعٌ… لمحونَ السطورَ في الإنشاد.
أو قوله:
والله، ما في الوجود شيئٌ… تأسى على فقده العيونُ.
والسلام عليكم.