ملخص
يرى بيل براودر أن فلاديمير بوتين لن يبرم السلام مع أوكرانيا، لأن إنهاء الحرب قد يهدد بقاءه في السلطة ويطلق غضباً شعبياً على خلفية الفساد والخسائر البشرية الهائلة. ويتوقع استمرار النزاع في صورة جمود طويل الأمد، شبيه بالحالة الكورية، من دون اتفاق سلام رسمي.
يتزايد تراجع شعبية فلاديمير بوتين داخل روسيا، إلى درجة أنه لم يعد قادراً على تحمل كلفة إنهاء الحرب مع أوكرانيا، لأن شعبه قد ينقلب عليه، بحسب تحذير أطلقه أحد أبرز خصوم الرئيس الروسي الشخصيين في الغرب.
وقال السير بيل براودر في بودكاست “عالم من المتاعب” التابع لصحيفة “اندبندنت”، “إذا أبرم اتفاق سلام، فسيفقد السلطة، وإذا فقد السلطة فسينتهي به الأمر معلقاً على عمود إنارة”.
ويقود الناشط المناهض للفساد، الذي أدار في السابق أكبر صندوق استثماري في روسيا، مواجهة مع بوتين منذ ما يقارب عقدين من الزمن.
وتأتي تصريحاته الأخيرة بعد أيام من اجتماع قادة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في تركيا واتفاقهم على السماح لكييف بإنتاج صواريخ “باتريوت” الخاصة بالدفاع الجوي محلياً، وهي خطوة حيوية لتعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة الهجمات الروسية.
وقد قدم بوتين تفسيرات متعددة لغزو أوكرانيا، مدعياً تارة أن الهدف كان منع احتمال انضمام كييف إلى “الناتو”، وتارة أخرى حماية الناطقين بالروسية في شرق البلاد، أو حتى أداء “واجب وطني” يقضي بإعادة أوكرانيا للإمبراطورية الروسية.
غير أن الحقيقة، وفقاً للسير بيل، هي أن الحرب تشكل جزءاً من محاولة يائسة يبذلها الرئيس الروسي للبقاء في السلطة، بعدما سيطر هو والدائرة المحيطة به على ثروات البلاد لسنوات طويلة.
وقال “لقد سرق تريليون دولار، أي ألف مليار دولار، من أموال الدولة الروسية على يد بوتين ونحو ألف شخص من دائرته المقربة”.
وأضاف “والسبب في أن الناس يعيشون حياة سيئة في روسيا هو أن هذه الأموال كان ينبغي أن تنفق على المدارس والمستشفيات والطرق والخدمات العامة، لكنها أنفقت بدلاً من ذلك على الطائرات الخاصة واليخوت والفلل في جنوب فرنسا”.
وتابع “ومع مرور الوقت أدرك بوتين أنه سرق أموالاً أكثر مما ينبغي، وأنه في يوم ما سيحدث أمر ما، وسيغضب الناس بسرعة كبيرة، وينظمون أنفسهم بسرعة، ثم يسيرون نحو الكرملين”.
وقال السير بيل إن الرئيس الروسي يستطيع التخلص من خصومه السياسيين، لكن إذا قدم تنازلات في الملف الأوكراني، بعدما تكبدت روسيا أكثر من 1.2 مليون إصابة بين قتيل وجريح، فإن الروس سيثورون غضباً بسبب هذه الخسائر الهائلة في الأرواح.
وأضاف “يمكنه استهداف أشخاص وقتلهم أو سجنهم أو نفيهم كل على حدة، لكن إذا سار مليون شخص إلى الساحة الحمراء، فسينتهي أمره، وهو يدرك ذلك”.
وتابع “فماذا تفعل إذا كنت رجلاً ضئيلاً جداً، وهو بالفعل رجل صغير جداً، وجباناً جداً؟ إذا كنت خائفاً حتى الموت من شعبك؟ عندها تخلق عدواً خارجياً وتبدأ حرباً”.
وأضاف “ولهذا السبب لن تنتهي هذه الحرب”.
ورأى السير بيل أنه مع ما يبدو ابتعاداً تدريجياً للولايات المتحدة من “الناتو” ومن منظومة الدفاع الأوروبية في ظل قيادة دونالد ترمب، أصبحت أوكرانيا أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وقال “أعتقد أنه بعد بضع سنوات سيجد الأوروبيون أنفسهم، ضمن حلف ناتو جديد لا يضم الولايات المتحدة، يتوسلون إلى أوكرانيا كي تكون جزءاً من منظومتهم الدفاعية”.
وأضاف “أستطيع أن أتخيل نوعاً من الاتفاق تقول فيه أوكرانيا: إذا ساعدتمونا مالياً في إعادة الإعمار، فسنساعدكم عسكرياً في الدفاع عن أنفسكم، لأن أوكرانيا أصبحت الآن القوة القتالية الأبرز في هذا الجزء من العالم”.
ويبلغ السير بيل 62 سنة، وقد تجنب محاولات عدة لتسليمه إلى موسكو خلال حملته المستمرة منذ 17 عاماً لتحقيق العدالة لمحاميه سيرغي ماغنيتسكي، الذي تعرض للتعذيب وقتل أثناء احتجازه في روسيا بعد كشفه عن عملية احتيال ضخمة استهدفت أموال الدولة الروسية.
كما تعرض السير بيل لمحاولات اغتيال متعددة، وقليلون ممن لا يزالون على قيد الحياة لديهم دوافع شخصية لدراسة بوتين تفوق دوافعه.
ويشكل “قانون ماغنيتسكي” الأميركي، الذي جاء استجابة لمقتل المحامي عام 2009، الأساس القانوني للعقوبات الأميركية الموجهة ضد أفراد في روسيا وضد مسؤولين فاسدين في أنحاء العالم.
كما أقرت تشريعات مماثلة في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا ودول أخرى لمعاقبة منتهكي حقوق الإنسان والمسؤولين الفاسدين، وهي تشكل العمود الفقري لنظام العقوبات الدولي المفروض على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا.
وكان السير بيل، الذي كثيراً ما قوبل بالتجاهل من أوساط المؤسسة البريطانية في لندن، التي كانت تعد مركزاً رئيساً لغسل الأموال الروسية القذرة، قد منح لقب فارس عام 2024 تقديراً لجهوده في مكافحة هذه الظاهرة.
ولم تعد الأموال الروسية تتدفق بسهولة عبر حي المال في لندن، لكنه حذر من أن كثيراً من المسؤولين الفاسدين والزعماء حول العالم لا يزالون يستخدمون العاصمة البريطانية ملاذاً آمناً لإخفاء الأموال المنهوبة.
ويواجه الرئيس الروسي ضغوطاً متزايدة مع تعرض البنية التحتية للطاقة في بلاده لضربات من صواريخ بعيدة المدى تطلقها كييف، فيما بدأت مؤشرات الضعف تظهر على الاقتصاد الروسي.
كما ظهرت بوادر على أن مسؤولين كباراً بدأوا يشككون في جدوى الحملة العسكرية ضد أوكرانيا.
ونتيجة لذلك، يتوقع كثيرون أن تحقق كييف انتصاراً على الكرملين.
إلا أن السير بيل يعتقد أن الحرب ستستمر وتنتهي إلى حالة جمود، من دون أن يتمكن أي من الطرفين من تحقيق النصر.
وقال “أعرفه جيداً من خلال معركتي الشخصية معه، وأعرف أنه لا يفعل أبداً ما قد يبدو الخيار العقلاني، فأسلوب عمله يقوم دائماً على التصعيد مهما كانت الظروف”.
ويرى أن أفضل نتيجة محتملة هي أن تنجح أوكرانيا في تحميل روسيا كلفة باهظة للحرب، بما يؤدي إلى تحولها تدريجاً إلى نزاع مجمد على غرار ما حدث في شبه الجزيرة الكورية.
وقال “لا أعتقد أننا سنرى بوتين يوقع معاهدة سلام في أي وقت، ولا أظن أن الحرب ستنتهي رسمياً أبداً، لكنني أستطيع أن أتخيل أنها ستتراجع تدريجاً إلى مستوى منخفض من القتال، وربما إلى جبهة هادئة تماماً، على النحو الذي حدث بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية”.
بالنتيجة، تمتعت كوريا الجنوبية بعقود من الازدهار والديمقراطية، بينما ظلت كوريا الشمالية ترزح تحت حكم ديكتاتوري وتعاني مجاعات متكررة.
وأضاف السير بيل “تعرفون ما الذي سيحدث بعد 20 عاماً من ذلك؟ ستكون أوكرانيا كوريا الجنوبية: اقتصاداً مزدهراً، وديمقراطية نابضة بالحياة. أما روسيا فستكون كوريا الشمالية: معزولة عن الجميع… وفي وضع أسوأ بكثير”.
© The Independent
