ملخص
مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والعسكرية داخل روسيا، تظهر مؤشرات تململ شعبي وتصدعات متزايدة في أوساط النخبة الحاكمة. لكن مأزق الكرملين لا يبشر بالتهدئة، إذ يحذر الكاتب من أن شعور بوتين بتضييق الخناق عليه قد يدفعه إلى مزيد من التصعيد بحثاً عن نصر يعزز موقعه.
في صباح أحد أيام الأسبوع الماضي، استيقظ إيغور كاربوف، وهو صاحب سيارة من موسكو، قبل الفجر لينضم إلى طابور لشراء الوقود. وكان الحد الأقصى المسموح به 20 ليتراً لكل سيارة، بعدما أدت أسابيع من الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيرة إلى تعطيل أو إلحاق أضرار بمعظم مصافي التكرير في الجزء الأوروبي من روسيا. وقضى كاربوف، المهندس المتقاعد ورجل الأعمال، ست ساعات متنقلاً بين خمس محطات وقود لتعبئة خزان سيارته الرياضية متعددة الاستخدامات من طراز “ميتسوبيشي”، فضلاً عن ملء عبوتين للطوارئ.
وللمرة الأولى خلال أربعة أعوام من الحرب، بدأ الروس العاديون يشعرون بوطأة نقص الوقود وارتفاع التضخم وتباطؤ الاقتصاد. وتوحي عشرات المقاطع الغاضبة المنشورة على تطبيق “تيليغرام” بأن طوابير الوقود في موسكو لا تكاد تذكر مقارنة بالاختناقات الممتدة لمسافة 60 كيلومتراً في إقليم كراسنودار، والانهيار الكامل للإمدادات في داغستان وتوفا ومناطق نائية أخرى.
وفي الوقت نفسه، يكافح مديرو الكرملين السياسيون للتوفيق بين الحاجة العسكرية النهمة إلى الأموال والقوى البشرية لمواصلة الحرب في أوكرانيا، وبين الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي الذي شكل السمة الأبرز لحكم بوتين.
ويكمن العنصر الرئيس في الأزمة المتفاقمة حالياً في القدرة التي اكتسبتها كييف أخيراً على توجيه طائرات مسيرة صغيرة بدقة لضرب مصافي التكرير ومستودعات الوقود والمصانع الواقعة على بعد آلاف الأميال خلف خطوط العدو. ووفقاً لصحيفة “نوفايا غازيتا”، تعرضت 31 مصفاة من أصل 38 مصفاة روسية كبرى للاستهداف منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، فيما تشهد 78 منطقة من أصل 93 أزمة وقود بدرجات متفاوتة.
واضطرت روسيا إلى استيراد الديزل مرتفع الكلفة من بيلاروس وكازاخستان والصين والهند. وينعكس نقص الوقود على قطاعي النقل والزراعة وعلى كلف المعيشة، مما يزيد الضغط على اقتصاد متعثر أساساً بفعل العقوبات وكلفة الحرب، التي تلتهم الآن بصورة مباشرة وغير مباشرة أكثر من 45 في المئة من الموازنة الفيدرالية.
ويرتفع معدل التضخم السنوي بوتيرة متسارعة، فيما تشهد أسعار المواد الغذائية قفزات كبيرة. وفي الوقت نفسه، تراجعت إيرادات النفط والغاز في الموازنة الروسية بنسبة 38.3 في المئة خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، على رغم الارتفاع الموقت للأسعار الناجم عن الحرب مع إيران، بحسب وزارة المالية الروسية، بينما انخفضت الإيرادات المجمعة لـ28 من أكبر الشركات الروسية بنسبة 16.7 في المئة مقارنة بالعام السابق.
وليس مفاجئاً أن يترك ذلك كله أثراً سياسياً متنامياً. فقد أفاد “مركز ليفادا” في موسكو، وهو آخر مؤسسة مستقلة لاستطلاعات الرأي في روسيا، بأن تأييد مواصلة العمليات العسكرية تراجع إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 24.3 في المئة، فيما باتت غالبية الروس تؤيد مفاوضات السلام. وقد يشكل ذلك مصدر قلق للكرملين مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر (أيلول) المقبل. وعلى رغم الحظر الكامل تقريباً لأي معارضة سياسية حقيقية في روسيا، فإن تحولاً واسعاً في الأصوات بعيداً من حزب “روسيا الموحدة” الحاكم لمصلحة أحزاب “المعارضة الموالية” سيبقى بمثابة إهانة سياسية كبيرة.
وباتت الانتقادات العلنية للكرملين واسعة الانتشار ومألوفة على نحو غير مسبوق منذ بداية الحرب. فمنذ موجة مقاطع الفيديو التي نشرها مؤثرون ومشاهير كانوا يوماً من الموالين للنظام خلال الربيع الماضي، امتلأت قنوات “تيليغرام” الروسية بمشاهد لسائقين غاضبين ينددون بفساد الحكومة، ومارة مذهولين يلعنون غياب الدفاعات الجوية بينما تضرب المسيرات محطات النفط، بل وحتى ما يُعرف بـ”مدوني زد” القوميين [في إشارة إلى شعار الحرب الروسية وهو حرف Z] الذين يهاجمون عدم الكفاءة العسكرية وسوء إدارة الحرب على أعلى المستويات.
وكان رد فلاديمير بوتين على كل هذه المؤشرات هو الإنكار. لكن الشهر الماضي أقر للمرة الأولى بوجود أزمة وقود، مع أنه وصف النقص بأنه “موقت” و”غير حرج”. وجدد في إطلالاته الأخيرة تأكيد دعمه لمواصلة الحرب.
ولا تزال قبضة الكرملين الحديدية على الإعلام والمجتمع الروسي راسخة. وقد يكون الروس منهكين من الحرب، لكن فكرة أن يواجه بوتين اضطرابات داخلية لأنه “خسر” الحرب لا تزال، ما لم ينهر الجيش الروسي بالكامل وهو احتمال مُستبعد، أمراً يصعب تصوره. وكما أظهرت وثيقة مسربة أخيراً من إدارة الكرملين، تمتلك الحكومة خطة مفصلة لتقديم أي نتيجة تقريباً على أنها انتصار.
لكن متاعب بوتين الحقيقية باتت أقرب إلى دائرته الداخلية. ففي الأشهر الأخيرة، أشارت تقارير عدة إلى تنامي التوتر داخل النخبة الروسية بين أوساط الأعمال المرهقة والمحبطة من الحرب، وبين رجال الأجهزة الأمنية الذين يحققون أرباحاً منها ويستمدون نفوذهم ومداخيلهم من استمرارها.
وقال مسؤول حكومي رفيع لمجلة “كوميرسانت فلاست” أخيراً: “الجميع سئم الحرب. لا شيء يحدث. كل شيء يبدو عالقاً في نوع من الهلام، لا يتقدم ولا يتراجع. ومكاسبنا يجري تحييدها إلى حد كبير، بل أكثر من ذلك، بفعل الضربات الأوكرانية بالطائرات المسيرة”.
وقال الرئيس التنفيذي لبنك “سبيربنك” الحكومي غيرمان غريف للمساهمين في الـ30 من يونيو (حزيران) الماضي: “لا أعتقد أن هناك شخصاً واحداً في هذا البلد يشغله أمر أكثر من إنهاء الأعمال القتالية في أسرع وقت ممكن”. وفي مقالة حديثة نشرتها مجلة “ذي إيكونوميست”، حذر أندريه ميلنيتشينكو، ثامن أغنى رجل في روسيا والملقب بـ”ملك الأسمدة”، من أن البلاد تواجه “طريقاً مسدوداً”، داعياً إلى منح النخب والمواطنين على حد سواء دوراً أكبر “في صنع القرار” بدلاً من الاستبداد. وبحسب تاتيانا ستانوفايا من مؤسسة كارنيغي، فإن “النظام الروسي يبدو للمرة الأولى منذ أعوام الحرب وكأنه على وشك انقسام داخلي”.
ومع ذلك، وعلى رغم كل هذا التململ، لا يزال بوتين صاحب القرار النهائي، ولا يظهر أي استعداد للإنصات إلى المتذمرين. وعلى العكس من ذلك، فهو يستعد لتصعيد الحرب لا للبحث عن السلام. فقد نقلت وكالة “رويترز” الأسبوع الماضي عن مصدرين كبيرين في الكرملين، أحدهما يلتقي الرئيس بانتظام، توقعاتهما بوجود “احتمال مرتفع” للتصعيد خلال الأشهر المقبلة.
وقال أحد المصدرين إن بوتين “ثبت على موقفه” في شأن السيطرة على ما تبقى من منطقة دونيتسك، وإنه “وبخ أخيراً مستشارين اقترحوا تسوية تقوم على وقف إطلاق النار عند خطوط الجبهة الحالية”. أما المصدر الآخر فقال إن بوتين “يحتاج إلى نوع من الانتصار”.
وترتفع أصوات في الإعلام الروسي مطالبة بالتصعيد، بما في ذلك استهداف قواعد حلف شمال الأطلسي في دول البلطيق ورومانيا، ومصانع الأسلحة الأوروبية التي تزود أوكرانيا بالمعدات العسكرية. وصرح المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحافيين في وقت سابق من هذا الشهر بأن “لا شك في أن التصعيد يأتي من الجانب الأوروبي”، مدعياً أن حلف “الناتو”، “سلك طريق العسكرة وكرس نفسه للمواجهة مع الاتحاد الروسي… ولا يمكننا غض الطرف عن ذلك”.
وفي وقت لاحق من هذا العام، سيطلق وزراء بريطانيون حملة توعية عامة لإرشاد الأسر إلى كيفية الاستعداد للطوارئ، بما في ذلك تكوين مخزون من الأغذية والأدوية وأدوات البقاء الأساس تحسباً لهجوم إلكتروني روسي. وكان دارين جونز، كبير أمناء الخزانة لدى رئيس الوزراء، أعلن الثلاثاء الماضي أن الحكومة ستجري العام المقبل مناورات تحاكي هجوماً “هجيناً” تشنه “جهة أجنبية معادية” على المملكة المتحدة.
ومن الناحية الموضوعية، لا شيء يمكن أن يكون أكثر كارثية أو أضراراً بالمجهود الحربي الروسي من الإقدام على استفزاز مباشر ضد أي دولة عضو في حلف “الناتو”. فمثل هذه الخطوة من شأنها أن تقلب موجة الإرهاق من الحرب والتشكيك في دعم أوكرانيا داخل عدد من الدول الأوروبية، وأن تعيد توحيد حلف يتزايد انقسامه، وأن تدفع سريعاً نحو تشديد إضافي للعقوبات، بما يدفع مشكلات روسيا الاقتصادية إلى دوامة انهيار.
لكن الموضوعية ليست من نقاط قوة بوتين، كما يظهر من قناعته الراسخة بأن روسيا ما زالت في موقع المنتصر. ووفقاً لستانوفايا من مؤسسة كارنيغي، فإنه يبدو أنه يفسر الزيادة المفاجئة في قدرة كييف على توجيه الضربات على أنها محاولة غربية خفية لتقويض موقعه.
وفي سلسلة مقابلات نشرت عام 2000 ضمن كتاب “شهادة شخصية” First Person، استعاد بوتين حادثة وقعت في طفولته عندما حاصر جرذاً في مدخل أحد المباني في لينينغراد. وقال: “فجأة استدار بعنف وانقض علي. فوجئت وخفت. وفجأة أصبح الجرذ يطاردني”.
وقد استخدم بوتين هذه الحكاية لتوضيح الأخطار الكبيرة المترتبة على دفع الخصم إلى الزاوية. لكن قادة غربيين استشهدوا بالقصة ذاتها للتحذير من عدم القدرة على التنبؤ بردود فعل بوتين واستعداده للاندفاع بعنف إذا تعرض لضغوط كبيرة. وقال بيسكوف أخيراً: “يجب ألا يساور أحد شك في أمر واحد، وهو أن أمن الاتحاد الروسي ومصالحه الوطنية سيجري ضمانهما في جميع الأحوال”. أما بالنسبة إلى بوتين، فعلى رغم الكلفة الاقتصادية والسياسية المتعاظمة والمقيدة لقدراته، فإن ذلك يعني مواصلة حربه الكارثية حتى تحقيق النصر.
© The Independent
