ملخص
لم يقف عدم تنفيذ البند الأول من المذكرة، بحسب وجهة النظر الإيرانية، حائلاً دون صمت إيران على استمرار الخرق الإسرائيلي وعدم التزام الولايات المتحدة ضبط الحليف الإسرائيلي. كانت أولوية طهران ولا تزال الإمساك بمضيق التجارة العالمية، ولذلك تحول التركيز من بند المذكرة الأول إلى بندها الخامس.
تذهب إيران والولايات المتحدة بسرعة إلى حرب مفتوحة لا رجعة فيها، فالبلدان منذ أكثر من أسبوع يتبادلان الهجمات، وعلى وجه الدقة، توجه الولايات المتحدة ضرباتها من مواقع أسطولها حول إيران، وقواعد تنتشر في أوروبا وتركيا وآسيا الوسطى، تضرب منها مواقع منتقاة في إيران، وترد إيران بتكثيف عدوانها على دول الخليج العربي تحديداً، الأمر الذي باشرته منذ اليوم الأول للحرب في فبراير (شباط) الماضي، متناسية إسرائيل، “العدو التاريخي”، الذي كان وراء تنظير خمينيي إيران طوال نصف قرن، لضرورة بناء محور المقاومة ومشتقاته.
نجت إسرائيل تماماً من الهجمات الإيرانية خلال جولة الحرب الراهنة، حتى على مستوى الخطاب الإعلامي، وبدت أنها الطرف الوحيد المستفيد من مذكرة التفاهم.
تعاملت القيادة الإيرانية مع مذكرة التفاهم انطلاقاً من تفسيرها الخاص لموادها. اعتبرت أن المادة الخامسة في هذه المذكرة تعطيها حق السيطرة على مضيق هرمز، وهو ما يختلف مع تفسير الإدارة الأميركية، فتجددت الحرب.
لم تجعل إيران من المادة الأولى في الاتفاق مع أميركا عنصر تفجير، مع أنها حاولت الإيحاء لوكلائها في لبنان والإقليم أن هذا البند يفرض وقف الحرب في لبنان، وفي اجتهادات استطرادية أخرى، يجبر إسرائيل على الانسحاب من هذا البلد.
لم يقف عدم تنفيذ البند الأول من المذكرة، بحسب وجهة النظر الإيرانية، حائلاً دون صمت إيران على استمرار الخرق الإسرائيلي وعدم التزام الولايات المتحدة ضبط الحليف الإسرائيلي. كانت أولوية طهران ولا تزال الإمساك بمضيق التجارة العالمية، ولذلك تحول التركيز من بند المذكرة الأول إلى بندها الخامس.
سبب آخر يقف وراء هذا الخيار الهجومي هو مراقبة إيران حركة السياسة الأميركية خلال الأسابيع الأخيرة وانزعاجها منها. لقد واكبت طهران دعم الولايات المتحدة السلطات اللبنانية في سعيها إلى فصل لبنان عن المصالح الإيرانية، وعملها من أجل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي وفرض سيادة الدولة على الأراضي اللبنانية كافة.
وتابع نظام الملالي بقلق سير العراق في اتجاه إلغاء الميليشيات وتأكيد سلطة الدولة في مواجهة نظام الميليشيات والفساد، ولاحظ هذا النظام أن تظاهرته العراقية في تشييع علي خامنئي لم تغير في وجهة الأحداث.
راقبت إيران هذه التحولات بدقة وحذر، وعشية انعقاد قمة حلف الأطلسي في تركيا قبل أيام، كان عليها تحمل مشهد لقاء آخر بين الرئيس دونالد ترمب والرئيس السوري الذي قضى على الجسر الإيراني نحو المتوسط.
كان لقاء ترمب مع الرئيس أحمد الشرع أكبر من أن يتحمله قادة إيران المصابون بلعنة طردهم من غرب آسيا.
لقد جاء وضع اليد الإيرانية على مضيق هرمز رداً على كل ما سبق، ومحاولة لفرض تفسير إيراني للبند الخامس من مذكرة التفاهم في محاولة ضغط لفرض تراجع على ترمب ضمن تفاوض جديد تقتضيه المذكرة أصلاً، ويمكنه أن يصل إلى أبعد من مقتضيات النص، فيشمل البند الأول، ويستعيد سطوة النظام في محيطه وعلى عملية التفاوض في صورة عامة.
راقبت إيران بقلق أدوار تركيا واهتمام ترمب بالرئيس التركي، ولم تخف غضبها من التحولات في العراق ولبنان. ورأت في موقف نشرته وكالة الحرس الثوري (تسنيم) يتناول سياسة الرئيسين العراقي واللبناني أنه “بينما يسجل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي انحيازه لواشنطن، ويخضع الرئيس اللبناني جوزاف عون لاختبار الضغوط الأميركية، تبقى المعادلة الأهم هي صمود ’حزب الله‘ والمقاومة، ورفض الفصائل العراقية نزع سلاحها، مما يؤكد أن المنطقة ليست ساحة للبيع والشراء، وأن محور المقاومة لا يزال قادراً على فرض معادلاته على رغم كل الرهانات”.
هذا التحليل واستنتاجاته، وغيره مما يماثله، ساد الأدبيات السياسية الإيرانية، وشمل تركيا. وخلاصة القول إن طهران تعود للمربع الأول، مربع التوتير واستعمال الوكلاء، وهو ما قاله مجتبى خامنئي في رسالته الأخيرة ضد “الشيطان الأكبر”.
تهدد طهران بحرب تشمل البحر الأحمر، وقد أعيد تشغيل الحوثي مجدداً خلال الأسبوع الماضي، وكما يتردد، فإن الميليشيات الأخرى في لبنان والعراق يمكن أن يعاد زجها في معركة حصيلتها معروفة سلفاً، تخريب ضد الدولة والجيران العرب في العراق، وشيء مماثل في لبنان يتوج بتوسيع الاحتلال الإسرائيلي.
على أن إيران لا تغامر فقط بإنهاء احتمالات مشاريع السلام في المنطقة، بل هي تلغي الوسطاء المحتملين والمتوفرين، فالحروب الإيرانية تجعل الوساطة الباكستانية محرجة إزاء تصاعد العدوانية الفارسية ضد دول الخليج وفي اليمن، كذلك فإنها تلغي واقعياً الوساطة القطرية والعمانية، فأي بلد سيواصل دور الوسيط وهو يتعرض لعدوان مستمر؟
أضف إلى ذلك أن الوساطات القائمة قامت وتمت رعايتها منذ البداية، من جانب مجموعة الدول الأبرز في المنطقة: السعودية ومصر وتركيا وباكستان، فعن أي وساطات سنتحدث إذا سحبت هذه الدول رعايتها؟
لا تبدو آفاق التسوية متاحة ضمن هذا المناخ، وربما للأسباب التي تحكمت بإنتاج المناخ إياه نشبت الحرب وتستمر حتى إشعار آخر.
