-
زين سالم… الجمهورية .نت
-
-
-
هبطت طائرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء أمس الاثنين 6 تموز (يوليو)، في مطار دمشق الدولي، واستقبله على المدرج وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، قبل أن يجلس الرئيس الفرنسي إلى عشاء عمل مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع. المشهد بسيط في شكله، لكنه غير مسبوق في مضمونه، إذ لم يطأ رئيس فرنسي أرض دمشق منذ زيارات الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي عامي 2008 و2009، ولم يزر سوريا أي رئيس دولة أوروبية كبرى منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024. كل ذلك يدفع إلى وصف هذه الزيارة بغير المعتادة.
لكن الصورة البروتوكولية، من الاستقبال إلى العشاء، ومن المنتدى الاقتصادي إلى توقيع الاتفاقات، تُخفي أكثر مما تكشف. فما تختبره باريس في دمشق ليست فقط قابلية أحمد الشرع، القائد الجهادي السابق الذي صار رئيساً، لأن يتحول إلى شريكٍ يُعتمد عليه. السؤال الأبرز أعمق من ذلك، وهو يتعلق بموقع فرنسا في شرق أوسط تُعيد قوى أخرى، من تركيا والخليج إلى واشنطن وروسيا، رسم خرائط النفوذ فيه، بينما تتراجع باريس نفسها في ساحات اعتادت التعامل معها كامتداد طبيعي لحضورها، من بيروت إلى باماكو.
قبل عام، في 7 أيار (مايو) 2025، كان الشرع هو من يزور قصر الإليزيه بدعوة من ماكرون، في أول زيارة أوروبية له منذ توليه السلطة. اليوم ينقلب الاتجاه، الرئيس الفرنسي هو من يذهب إلى دمشق، ومعه وفد من المستثمرين ورؤساء شركات فرنسية. في السياسة من يستقبلُ ضيفاً يمنحه فرصة، ومن يذهب إلى الآخر يُقرُّ، ولو ضمنياً، بأن مركز الثقل تحرك أو بأن عليه أن يلحق به قبل أن يستقر في أيدي الآخرين.
و«العهد الجديد» الذي يردده الخطاب الرسمي في العاصمتين ليس حقيقة مكتملة بقدر ما هو دعوى سياسية لا تزال قيد الاختبار. سوريا التي يزورها ماكرون لم تنجز بعد توحيد جيشها، ولم تقفل ملف الأقليات فيها، ولم تحسم علاقتها بالأكراد شمالاً ولا بإسرائيل جنوباً. في هذا السياق بالذات، لا تذهب فرنسا إلى دمشق لتطبّع علاقتها بسلطة جديدة فحسب، بل لتحجز مقعداً في لعبة نفوذ إقليمية ودولية لم تُحسم قواعدها بعد.
الفارق بين الاستقبال والحضور نوعي لا بروتوكولي فقط. حين استقبل ماكرون الشرع في باريس، كان يمنحه أول اعتراف أوروبي مباشر، لكن الشرع بقي، رمزياً، طالباً يقرع الأبواب هنا وهناك. أما حين يذهب ماكرون بنفسه إلى دمشق، فإن الشرع يستقبل رئيس دولة كبرى على أرضه، وهو ما يمنحه صورةً في غاية الأهمية مع استمرار طرح سؤال شرعية ما يقوم به منذ وصوله إلى القصر الجمهوري. هذا الفارق سيستثمره الشرع في اتجاهين متلازمين: تثبيت شرعيته الدولية أمام خصومه وأمام التيارات الأكثر تشدداً في محيطه، وإقناع الداخل السوري المنهك اقتصادياً بأن «العهد الجديد» قادر ليس فقط على فتح أبواب الإقليم، وإنما أيضاً على فتح أبواب أوروبا.
هذا ما حاول الشرع تكريسه بوضوح في مقابلة خاطفة أجرتها قناة بي إف إم الفرنسية بالتزامن مع زيارة ماكرون. مقابلة كانت أشبه بتصريح مقتضب أكثر من كونها مقابلة متكاملة وفق القواعد المتعارف عليها صحفياً، إذ كانت أقل من 8 دقائق، وهو ما دفع محاور الشرع الفرنسي والموفد الخاص للقناة إلى تل أبيب، إيغور ساهيري، إلى وصفها بالمقابلة «غير العادية»، وبأنها كانت مثيرة من كل النواحي، بدءاً بالعدد الهائل من الحراس الشخصيين ورجال الأمن عند وصول فريق القناة إلى القصر الرئاسي، وصولاً إلى لحظة تشغيل الكاميرا.
الشرع وصف زيارة الرئيس الفرنسي بأنها «تَقدّمٌ جديد لتعزيز العلاقات» بين بلدين يملكان «مصالح مشتركة»، وقدّم فرنسا بوصفها «صديقاً للشعب السوري منذ الثورة السورية»، لأنها، بحسب تعبيره، دعمت حركة السوريين لاستعادة «حريتهم وكرامتهم» من النظام السابق طيلة «الحرب الأهلية التي دامت 14 عاماً»، بحسب الترجمة الحرفية التي بثّتها القناة الفرنسية. هذا الخطاب ليس مجاملة إعلامية فقط؛ إنه محاولة واعية لإعادة كتابة العلاقة مع باريس ضمن سردية سياسية مفادها أن فرنسا تعود إلى دمشق من باب علاقة قديمة مع الثورة السورية نفسها.
في المقابل، ما تريده باريس أكثر تعقيداً. هي تريد استعادة دور في المشرق بعدما خسرت أوراقاً تقليدية عديدة، وتريد تفادي ترك سوريا بالكامل لتركيا أو الخليج أو واشنطن، أو في أسوأ الأحوال، للفوضى مجدداً. لكن السؤال الذي تطرحه الزيارة نفسها: هل الشرع قابل فعلاً للتحوّل إلى شريك سياسي وأمني، أم أن ما يجري مجرد انفتاح مبكر على سلطة لم تُثبِت بعد قدرتها على الصمود بالشكل الذي تَعِد به؟ الأدق أن ما يحدث ليس اعترافاً سياسياً كاملاً، ولا مجرد انفتاح دبلوماسي عابر كما يُقدِّمه الخطاب الرسمي، بل محاولة فرنسية لحجز موقع مبكر قبل أن يكتمل شكل النظام السوري الجديد. الملف الذي يحكم حسابات باريس تجاه سوريا الجديدة فعلياً هو الأمن قبل أي شيء آخر. قبل أربعة أيام فقط من وصول ماكرون، قُتل عشرة أشخاص، بينهم ستة محامين، في تفجيرٍ استهدف مقهى قرب قصر العدل في وسط دمشق. لم تُعلِن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، لكنه جاء بعد تفجير سابق استهدف كنيسة «مار إلياس» في منطقة الدويلعة، تبناه تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي كان قد أعلن في شباط (فبراير) الماضي ما يُشبِه حرباً مفتوحة على سلطة الشرع، واصفاً إياها بـ«غير الشرعية بسبب ارتباطها بتركيا والولايات المتحدة». تقارير غربية تتحدث عن تضاعف قوة التنظيم في البادية السورية إلى ما بين خمسة وعشرة آلاف مقاتل، فيما لا تزال آلاف العناصر المرتبطة به معتقلة في معسكرات شمال شرق البلاد، شهد بعضها فرار عشرات المعتقلين خلال اشتباكات مطلع العام.
هذا الملف يمس فرنسا مباشرة، فهناك مقاتلون فرنسيون، من بينهم مجموعة يقودها عمر ديابي المعروف باسم «عمر أومسن»، ما يزالون متمركزين في سوريا، وباريس شاركت مطلع العام الجاري في ضربات جوية مشتركة مع لندن ضد مواقع للتنظيم في البادية. لذا، فإن أي انهيار أمني جديد يعني بالنسبة لباريس خطر عودة هؤلاء المقاتلين إلى فرنسا نفسها، إلى جانب مخاطر هجرة غير منضبطة إذا فشلت السلطة الجديدة في الصمود، فضلاً عن ملف تجارة المخدرات التي عادت إلى الظهور ببطء.
الشرع يعرف أن هذه هي اللغة التي تسمعها باريس جيداً، لذلك شدّد في مقابلته مع بي إف إم على أن سوريا «بدأت بتفكيك» شبكات المخدرات منذ وصوله إلى السلطة، بعدما تحوّلت البلاد في عهد بشار الأسد إلى «منصة» لتصنيع المخدرات. ثم ربط ذلك مباشرة بفرنسا قائلاً إن بين البلدين «أهدافاً أمنية مشتركة» جرى تثبيتها مع زيارة ماكرون، فيما يشبه تقديم نفسه كحاجز أمني محتمل أمام ثلاثة هواجس أوروبية متداخلة: الجهادية، والهجرة، والمخدرات.
هنا يظهر التناقض الفرنسي الأعمق. باريس تعرف أن الشرع ليس شريكاً عادياً، لكنها تخشى أن تكون مقاطعته أخطر من الانخراط المباشر معه، لأن البديل عن دولة مركزية، ولو هشّة، هو فراغ تملؤه الفصائل، لا حكومة يمكن التعامل معها. هذا المنطق نفسه يطرح سؤال ضبط السلاح والانتقام الطائفي. مجازر الساحل التي طالت العلويين في آذار (مارس) 2025، ومجازر السويداء التي تلتها في تموز (يوليو)، ثم توترات حمص لاحقاً، كلها مؤشرات على أن الدولة السورية ما تزال، في أجزاء واسعة من جغرافيتها، غطاء سياسياً لتحالفات مسلحة أكثر منها سلطة مركزية فعلية. اندماج قوات «قسد» الكردية في الجيش السوري يبقى بدوره مُعلّقاً وقابلاً للانفجار رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرِم مطلع العام، وكانت باريس طرفاً ضغطَ من أجل التوصل إليه مع ميل واضح إلى الأكراد الذين تصفهم الخطابات الرسمية لوزارة الخارجية الفرنسية بأنهم «رفاق السلاح»، في إشارة إلى قتالهم تنظيم «داعش» مع فرنسا، فضلاً عن لقاءات مكثفة مع ممثلين عن القوات الكردية تزامنت مع التوترات التي شهدتها مناطق شمال وشمال شرق سوريا بين الفصائل الكردية وعناصر السلطة الانتقالية.
وتحمل الزيارة، بحسب مصادر دبلوماسية، توقيع نحو 14 مذكرة تفاهم بين البلدين، إلى جانب منتدى اقتصادي مُخصّص لإعادة الإعمار والممرات الاستراتيجية. لكن الحديث عن «إعادة الإعمار» كعبارة عامة يُخفي حجم المهمة الفعلي، لأن شبكة الكهرباء في سوريا منهارة، وإنتاج الغاز لا يغطي ربع الطلب المحلي، إضافة إلى أن الموانئ والمطارات تحتاج إلى تأهيل كامل، والبنية المصرفية والقانونية شبه معدومة أمام الاستثمار الجاد. البنك الدولي يُقدِّر كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، في بلد لا يتجاوز ناتجه المحلي الإجمالي الحالي 21 مليار دولار أميركي.
التقط الشرع هذه النقطة في مقابلته التلفزيونية مع القناة الفرنسية، لكنه حوّلها إلى رسالة موجهة مباشرةً للمستثمرين الفرنسيين. قال إن سوريا تعيش اليوم مرحلة «إعادة بناء»، وإنها بلد يملك في الوقت نفسه كثيراً من المقومات وتعرّض لكثير من الدمار خلال حرب استمرت 14 عاماً. ثم تحدّث عن حاجة دمشق إلى شراكات واسعة في قطاعات مختلفة، من بينها الطيران، مشيراً إلى عقد لطلب ثماني طائرات إيرباص، وإلى مشاركة فرنسية محتملة في السياحة والزراعة والصناعة، وصولاً إلى القطاع المالي الذي قال إنه يحتاج بدوره إلى إعادة هيكلة يمكن أن تُساهم فيها شركات فرنسية كبرى.
استناداً إلى تصريحات الشرع، يبدو أنه لا يخاطب الرأي العام الفرنسي فقط، بل يخاطب الشركات والمصارف والبيروقراطية الأوروبية. يريد أن يقول إن سوريا الجديدة ليست مجرد ملف أمني، وإنما سوق مبكرة لمن يجرؤ على الدخول قبل الآخرين. ويريد في الوقت نفسه أن يربط الاقتصاد بالأمن على اعتبار أن الاستثمار يساعد الدولة على الصمود، وصمود الدولة يخفض الهجرة والمخدرات والفوضى.
والمفارقة أن فرنسا تدخل هذا الملف متأخرة نسبياً وبموارد متواضعة قياساً بمنافسيها. شركة سي إم إيه سي جي إم الفرنسية وقعت في أيار (مايو) 2025 عقداً لتطوير جزء من ميناء اللاذقية بنحو 260 مليون دولار، وهو رقم صغير أمام التزامات خليجية تتجاوز 28 مليار دولار في مذكرات تفاهم وقعتها السعودية وقطر والإمارات منذ منتصف 2025، مقابل التزامات غربية متعددة الأطراف، من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي مجتمعين، لا تتخطى نحو 800 مليون دولار. هذه النسبة التي تميل بشكل حاسم لصالح المال الخليجي تختصر إشكالية الانفتاح الفرنسي؛ فبينما كانت الالتزامات الخليجية مُتحرّرة أكثر من القيود والشروط السياسية نوعاً ما، كانت الوعود الاقتصادية الأوروبية أصغر حجماً وأكثر التصاقاً بشروط سياسية وحوكمية.
كل ما سبق يطرح أسئلة أكثر ممّا يُقدّم الأجوبة: هل تسمح العقوبات المتبقية، وسوريا لا تزال رسمياً على لائحة الدول الراعية للإرهاب رغم إلغاء واشنطن معظم عقوباتها الاقتصادية نهاية 2025، بحركة استثمارية جديّة؟ هل توجد بنية قضائية تحمي المستثمرين من ملفات الممتلكات المصادرة واقتصاد الفصائل وشبكات الفساد الموروثة؟ الجواب حتى الآن غامض. فإذا استطاعت سلطة الشرع توفير حدٍّ أدنى من الأمن والشفافية القانونية، ربما يتحول الانفتاح الفرنسي إلى بوابة أوروبية أوسع. أمّا إذا بقي الاقتصاد رهينة شبكات السلاح والولاء، فستبقى زيارة ماكرون خطوة رمزية أكثر منها لحظة تأسيسية لتحوّل اقتصادي حقيقي.
والقول إن خطوة ماكرون قد تكون رمزية أكثر من كونها عملية نابعٌ من حقيقة أنه لم يتجرّأ أي زعيم غربي كبير حتى الآن على الذهاب إلى دمشق ولقاء الشرع على أرضه، لأن الكلفة الرمزية والسياسية لهذه الصورة عالية. الشرع ليس زعيماً انتقالياً عادياً خرج من بيروقراطية الدولة أو من معارضة مدنيّة كلاسيكية؛ إنه قائد جهادي سابق، كان اسمه مدرجاً على لوائح العقوبات والتصنيفات الدولية، وتنظيمه القديم ارتبط، مباشرة أو عبر بيئته الأيديولوجية وشبكاته العابرة، بمخاوف أمنية غربية لم تنته آثارها بعد، بل كان في بعض الأحيان ملهماً لعمليات إرهابية وقعت في أوروبا، وفرنسا خصوصاً، إذا ما استذكرنا عملية قتل مدرس التاريخ الفرنسي صامويل باتي على يد مهاجر شيشاني تم تجنيده من قبل أشخاص في «هيئة تحرير الشام» في إدلب، وما تبع ذلك من رفع صور القاتل في تظاهرات شهدتها إدلب في 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2020. لذلك، فإن صورة رئيس فرنسي يُصافِح جهادياً مخضرماً في دمشق تعني كسراً لمحظور سياسي كانت عواصم غربية كثيرة تُفضِل تجنّبه أو تركه للآخرين.ذلك يقود إلى سؤال مهم، هل كان ماكرون سيقوم بخطوة كهذه في ولايته الأولى، حين كان لا يزال يبني صورته الأوروبية والدولية؟ أو حتى في بداية ولايته الثانية، حين كانت كلفة هكذا خطوة انتخابياً وداخلياً أعلى بكثير؟ الأرجح لا. ما يفعله ماكرون اليوم يقوم به كرئيس يعيش أيامه الأخيرة في الإليزيه، غير مؤهل لولاية ثالثة مع حزب أسّسه وأصبح من الماضي غالباً، ومتحرّر من حسابات الصندوق المباشر. الانتخابات الرئاسية المقبلة تقترب، وخلافة ماكرون بدأت فعلياً. ورغم ذلك، هذا لا يعني أن الزيارة بلا ثمن، بل يعني أن من يدفع الثمن لن يكون بالضرورة ماكرون انتخابياً، فالمعروف عن الرئيس الفرنسي قربه من رجال الأعمال الذين رافقوه في زيارته إلى دمشق وهي علاقة كانت محور مواجهات سياسية عنيفة مع المعارضة وحتى مع الشارع الفرنسي الذي كان يتهم ماكرون بتضارب المصالح، لذلك تبدو دمشق، بالنسبة إليه، مساحة مناسبة لما يُفضّله في السياسة الخارجية، قرار عالي المخاطر، كبير الصورة، يسمح له بالظهور كرئيس يتحرك حيث يتردد الآخرون، لكنه في الوقت نفسه قرار يكشف حدود لحظة يستغلها ماكرون للتوجه إلى دمشق لا لأنه يثق بالشرع، بل لأنه يستطيع تحمل مخاطرة سياسية لم يكن ليتحمّلها لو كان لا يزال في بداية الطريق.
باريس تعرف جيداً أن ماضي الشرع لم يُمحَ تماماً. حين استقبله ماكرون أول مرة، اضطرت فرنسا لطلب استثناء من حظر سفر دولي كان لا يزال مفروضاً عليه، وواجه الإليزيه انتقادات حادة من اليمين واليمين المتطرف اتهمته بـ«تبييض ماضٍ لجهادي خطير»، فيما أُثيرت تساؤلات حول علاقة تاريخية غامضة بين تنظيمه القديم وشبكات مرتبطة باعتداءات باريس عام 2015، نفاها الشرع خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع ماكرون، مؤكداً أن تنظيمه لم يعمل يوماً خارج الحدود السورية.
في مقابلته مع بي إف إم، اختار الشرع أن يُقدِّم نفسه من موقع آخر تماماً، عندما اختار أن يتحدث بلغة المصالح المشتركة، والمؤسسات، والعقوبات، والاستثمار، ومجلس الأمن، لا بصفته ذلك الجهادي السابق الذي يطلب الصفح وتعترض أحزاب فرنسية على التعامل معه والتسرع في عقد الصفقات بحضوره. أشاد بدور فرنسا بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن، وقال إنها أدت «دوراً بنّاءً» في مساعدة سوريا على رفع العقوبات التي فُرِضت بسبب انتهاكات النظام السابق. كما خصَّ ماكرون بإشارة سياسية واضحة حين قال إنه حرص على إبقاء التواصل مع سوريا عبر مراحل الانتقال، مُذكِراً بأن محطته الأوروبية الأولى كانت باريس، وأن الاستقبال الذي لقيه هناك كان «خطوة أولى في الاتجاه الصحيح».
لكن هذه اللغة لا تحسم الأسئلة الكثيرة التي ما يزال ماضي الشرع، وحاضره أيضاً بعد مجازر الساحل والسويداء، يثيرانها. هل تراهن باريس فعلاً على تحوّلٍ داخليٍّ عميق للشرع، أم تكتفي بالمراهنة على سلوكه الخارجي ما دامَ مفيداً؟ خصوصاً وأن شكوكاً كبيرة تدور حول أدوات وآليات التحقّق الفعلية من هذا التحوّل. ماكرون كرّر في باريس، وسيُكرّر في دمشق، أن حماية جميع السوريين دون استثناء شرط لتحسين العلاقات، فالانتهاكات الموثقة التي ارتكبتها جهات تابعة للسلطة أو مقربة منها، والتي استمرت بعد آذار (مارس) 2025، من دون أن تفتح محاسبة قضائية واضحة حتى الآن، تترك باريس أمام مُعضِلة لا تُحل بمصافحة في دمشق، وعلى الأغلب لن تكون ملزمة للرئيس الذي ستعرف فرنسا اسمه في النصف الأول من العام المقبل، ولهذا فإن الزيارة ستُقرأ في باريس بقراءات متعددة. المعارضة اليمينية ستُجدّد اتهام ماكرون بتبييض سلطة ذات خلفية جهادية، كما فعلت عند استقبال الشرع في الإليزيه. اليمين المتطرف سيُركز على الإرهاب والهجرة. واليسار سيُركز على حقوق الإنسان والأقليات، خصوصاً أن رموزه كانوا في صف المقاتلين الأكراد قبل التوصل إلى الاتفاق الأخير في كانون الثاني (يناير) الماضي، لدرجة أنهم استقبلوا في باريس قادة عسكريين من الأكراد.
هذا الجدل الداخلي ليس عرضياً، فماكرون يخوضه في لحظة ضعف سياسي داخلي، بين حكومة تعيش تحت تهديد دائم بحجب الثقة وخلافات على موازنة لم تُحسم، ما يجعله بحاجة إلى تسجيل اختراق خارجي واضح في ملف كبير يُعوِّض ضيق هامش المناورة في باريس نفسها؛ إذ كثيراً ما قيل إن ماكرون من النوع الذي يُفضِّل السفر إلى الخارج عندما تكون الأوضاع الداخلية معقدة، وزيارته إلى دمشق جاءت بالتزامن مع مذكرة لإسقاط الحكومة فشلت المعارضة في الحصول على الأصوات اللازمة لتمريرها.
-