-
مسلم عبد طالاس… الجمهورية .نت
-
-
-
حين أعلن رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور تراجعه عن مشاريعه الاستثمارية في سوريا، سارعت التحليلات إلى تفسير الخطوة من زوايا مألوفة؛ فتحدّثت عن غياب الأمن، وتخبط التشريعات، والمخاطر السياسية المعتادة. ورغم وجاهة هذه الأسباب، إلا أن الوقوف عندها وحدها يحجب عنا سؤالاً أكثر عمقاً يمس عصب الاقتصاد السياسي السوري: من هي الجهة أو القوة الفاعلة التي ستوجه الاستثمار في البلاد وتمنحه الاستقرار؟ وبصيغة أخرى: من هو «وكيل الاستثمار» في سوريا الجديدة؟ الاستثمار، في جوهره، ليس مجرد حسابات رياضية لربح وخسارة يتخذها مستثمر في معزل عن الواقع؛ بل هو عملية اجتماعية وسياسية مُعقّدة تُولَد وتتحرك داخل بنية مؤسساتية تُحدّد من يصل إلى السوق وكيف تُوزّع الفرص. من هنا، لا يمكننا قراءة قرار الحبتور بوصفه موقفاً فردياً عابراً، بل هو مؤشر واضح على حالة الضبابية وعدم اليقين التي تلف المرحلة الانتقالية في سوريا، وحيرة رأس المال أمام فاعل غائب لم تتحدّد ملامحه بعد لتنظيم الدورة الاقتصادية.
هذه الزاوية التحليلية تذكرنا بما طرحته الباحثة ليندا مطر في كتابها «الاقتصاد السياسي للاستثمار في سوريا». فقد رفضت «مطر» بذكاء فكرة أن الاستثمار مجرد استجابة آلية لأسعار الفائدة أو حوافز السوق، وربطته بالتحولات التاريخية والتحالفات الاجتماعية التي حكمت تراكم رأس المال. ومن هذا المنطلق، يبرز مفهوم «وكيل الاستثمار» كأداة لتفسير من يملك القدرة الفعلية على اتخاذ القرارات الاقتصادية الكبرى وتوجيه الموارد نحو قطاع دون غيره. تاريخياً، تبادلت جهات عدة هذا الدور في سوريا؛ ففي الستينيات والسبعينيات، كانت الدولة البعثية هي «وكيل الاستثمار» الأوحد عبر نموذج رأسمالية الدولة. تولت الدولة حينها تعبئة الموارد نحو الصناعة، والزراعة، والبنية التحتية، لا رغبةً في إلغاء الرأسمالية بقدر ما كانت رغبة في الحلول محل برجوازية محلية ضعيفة عجزت عن قيادة التنمية.
لكن المشهد تبدل كلياً مع أواخر الثمانينيات، وتسارع بشكل لافت في العقد الأول من حكم بشار الأسد. تحوّل مركز الثقل من «الدولة المنتجة» إلى تحالف هجين ضم البيروقراطية السياسية، ورجال الأعمال المحاسيب، وشبكات الزبائنية المرتبطة بالسلطة. وبدلاً من ضخّ الأموال في قطاعات إنتاجية طويلة الأجل، جرى توجيه الاقتصاد نحو العقارات، والخدمات، والأنشطة الريعية. لم تختفِ الدولة، بل تحولت من قائدٍ للاستثمار إلى مديرٍ لشبكةٍ مُعقّدة من الاحتكارات والامتيازات الشخصية.
هذا التحوُّل له تفسير اقتصادي بنيوي؛ فالاستثمار الصناعي يختلف جذرياً عن التجاري أو العقاري. إنه يتطلب رؤوس أموال ضخمة، ويتحمل «تكاليف غارقة» مرتفعة، ويحتاج إلى سنوات طويلة قبل استرداد الأرباح، فضلاً عن حساسيته العالية تجاه توقعات المستقبل والتكنولوجيا. ولأن رأس المال «جبان» بطبيعته – حتى في بيئة خالية من الفساد – فإنه سيهرب تلقائياً نحو الربح السريع والأقل مخاطرة، ما لم تتدخل سياسة صناعية واعية تعيد توجيه الحوافز.
إن سقوط نظام الأسد لا يعني زوال هذه البنية العميقة بين ليلة وضحاها؛ فالتغيير السياسي لا يُفكِّك تلقائياً الشبكات غير الرسمية التي تجذّرت عبر عقود. وهنا يكمن التحدي السوري اليوم: هل ستنجح البلاد في إفراز «وكيل استثمار» جديد، أم ستظل أسيرة مرحلة انتقالية رمادية بلا قواعد واضحة؟
من هذه الرؤية يتضح أن مشكلة سوريا ليست في شح الفرص؛ فالبلاد بعد دمار الحرب تشهد حاجة استثمارية هائلة في الإسكان، والنقل، والطاقة، وإعادة الإعمار. لكن وجود الفرصة وحده لا يُغري رأس المال. وهنا تتقاطع أطروحة القوى الاجتماعية مع ما أشار إليه جون ماينارد كينز منذ ثلاثينيات القرن الماضي حول «حالة الثقة». فالمستثمر لا يكتفي بحساب الأرباح المتوقعة، بل يحتاج إلى «قدرة على تصور المستقبل». وعندما تهتز المؤسسات وتصبح الرؤية ضبابية، ينكمش الاستثمار فوراً مهما كانت المغريات قوية.
ما تواجهه سوريا اليوم يتجاوز عدم اليقين الكينزي بالمعنى التقليدي، ليدخل في صلب المسألة المؤسسية: من يملك السلطة الفعلية لتنظيم السوق؟ هل هي المؤسسات الرسمية؟ أم شبكات النفوذ القديمة المتخفية؟ وهل ستوزّع الفرص بشفافية أم عبر صفقات الغرف المغلقة؟ هذه الأسئلة لا تُجيب أرقام الاقتصاد الكلي عنها، لكنها تُحدِّد مصير قرار أي مستثمر. المستثمر الكبير يبحث عن قضاء مستقل ينفِّذ العقود، وإدارة عامة يمكن التنبؤ بخطواتها، وآليات واضحة لحل النزاعات. ومن دون هذه الحزمة، تتحول المخاطرة إلى نفق مظلم من مجهول لا يمكن احتسابه.
هذه المؤسسات لا تُولَد في الفراغ، بل هي نتاج «التسوية السياسية» التي تصيغها. الدولة ليست فاعلاً مصمتاً بأهداف متجانسة، بل هي مرآة لتوازنات القوى الاجتماعية والاقتصادية المهيمنة على القرار. لذلك، لا يبحث المستثمر عن قوانين جيدة مكتوبة على الورق فحسب، بل يبحث عن جبهة سياسية واجتماعية مستقرة قادرة على حماية هذه القوانين وإنفاذها على المدى الطويل. في المشهد السوري الحالي، تبدو إعادة بناء الدولة مشروطة بإعادة تشكيل تحالفات جديدة داخلياً وإقليمياً ودولياً. وبما أن القوى المنخرطة في هذا الانتقال تتباين مصالحها – بين مَن يرى الاستثمار أداةً للتنمية، ومن يراه وسيلة للنفوذ، أو قناةً لتوزيع الموارد – فإن السؤال الجوهري ليس «كم من الأموال ستتدفق؟» بل «ما طبيعة التحالفات التي ستوجه هذه الأموال؟» وتجارب النمور الآسيوية (كوريا الجنوبية، تايوان، اليابان) تخبرنا بأن النجاح لم يأتِ من تحرير الأسواق المطلق، بل من وجود دولة قوية امتلكت رؤية لتوجيه الاستثمار نحو قطاعات محددة، وربطت الدعم بالأداء والإنتاجية والتصدير، وهو ما أسماه داني رودريك بـ«السياسة الصناعية المقصودة».
التحدي في سوريا إذن مزدوج: جذب رأس المال، وتحديد نوعيته. فليست كل الأموال متساوية في أثرها التنموي؛ الاستثمار العقاري والخدمي قد يدر أرباحاً سريعة، لكنه يعجز عن بناء قاعدة إنتاجية تخلق فرص عمل مستدامة أو ترفع قيمة الاقتصاد في السلاسل العالمية. النجاح الحقيقي في إعادة الإعمار يكمن في جعل الاستثمار الإنتاجي والتكنولوجي أكثر جاذبية من الاستثمار الريعي. ومن دون هذا التحول الهيكلي في نظام الحوافز، قد تتدفق مليارات كثيرة، لكنها ستُعيد إنتاج دورة التراكم الريعي المشوّهة نفسها التي عانت منها المنطقة لعقود.
معيار النجاح ليس حجم الأموال المتدفقة، بل مدى مساهمتها في رفع الإنتاجية، وتوسيع الصناعة، وخلق وظائف مستقرة. التنمية هي تحوّل هيكلي يُغيّر موقع البلاد في التقسيم الدولي للعمل، وليست مجرد ورشة بناء ضخمة.
في النهاية، قرار الحبتور ليس حكماً بالإعدام على اقتصاد سوريا، لكنه جرس إنذار يكشف معضلة الدول الخارجة من الحروب: الفرص هائلة، لكن رأس المال يظل واقفاً على العتبة ما دامت قواعد اللعبة مهتزة، و«وكيل الاستثمار» غائباً. التحدي الأكبر أمام سوريا الجديدة ليس في كيفية استجداء المستثمرين وطرق أبوابهم، بل في كيفية بناء مؤسسات وتحالفات قادرة على إنتاج وكيل استثمار شرعي ومستقر، يُعيد رسم العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع. وما لم تنجلِ هذه الصورة، ستبقى الفرص معلقة، وسيبقى الاستثمار الكبير متردداً في طرق الباب.
-