تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • ما الذي يقوله المشي؟
  • أدب وفن

ما الذي يقوله المشي؟

المحرر Editor 6 مارس، 2026
فدوى العبود
فدوى العبود … ضفة ثالثة

كتب جان جاك روسو: “معلمونا الأوائل في الفلسفة هم أقدامنا”، في إشارة إلى العلاقة بين المشي والتفكير؛ إذ تكشف سِيَرُ الفلاسفة والكتّاب عن كونه ملهمًا للأفكار وطريقةً للتأمل. وقد حلّل فريدريك غرو في كتابه “المشي فلسفة” (1) معنى المشي بالنسبة لكل من روسو وكانط وفولتير، إذ ارتبط بفلسفاتهم وتعبيرهم عن الوجود.

ويُحكى عن طاليس أنه بينما كان يمشي متأملًا السماء، تعثّر وسقط في بئر، فانفجرت خادمته بالضحك. وكان كانط يمشي حين تستعصي عليه مسألة.

كما كتب الروائي الياباني هاروكي موراكامي عن الجري في كتابه “ماذا أتحدث حين أتحدث عن الجري” (2)، فقد أمضى حياته موزعًا بين الكتابة وسباقات الماراثون التي يرى فيها فعل كتابة بالجسد، واختبارًا للإرادة، واكتشافًا لقدرة الذات وحدودها: “كنت مهتمًّا أكثر ببلوغ الأهداف التي وضعتها لنفسي، ولهذا فإن سباقات المسافات الطويلة هي الرياضة المثلى لشخصية كشخصيتي”.

يتحدث موراكامي عن لحظات إخفاق وانتشاء، لحظات يأس وتطلّع، إذ يصف معاناته في ماراثون أثينا 2005، حيث تشنّجت عضلات قدميه ومنعته من المواصلة: “واختبرت ماذا يعني أن يواصل العداؤون من حولك وأنت تعاني”.

يصبح الجري مرادفًا للكتابة والعمل، فما دمنا نكتب فنحن في مأمن عن الألم الوجوديّ والفراغ الشعوريّ. نشعر بالألم حين يتوقف الجري، كما أنّ “جسدك يصبح دافئًا أثناء الجري فلا تشعر بالبرد، لهذا دُهشت من برودة الطقس حين توقفت عن الجري، وما شعرت به أكثر من البرد هو كبريائي المجروحة”.

يصف لسعَ الشمس، وتشنّج العضلات، وتعب الجسد والأفكار، والريح التي تواجه العدّاء: “لأنسَ البيرة، ولأنسَ الشمس، ولأنسَ الريح، ولأنسَ المقال الذي عليَّ كتابته، ولأركز فقط على تحريك قدميّ إلى الأمام، واحدة بعد الأخرى، هذا هو الأمر الوحيد المهم”. يصبح الخصم في هذا الماراثون هو الذات، ويتحول المشي إلى طريقة وجود وتعبير عن الحضارة التي تشكّلنا ونتشكل منها، فالفارق بين المشي السقراطيّ والجري الماراثوني عند هاروكي موراكامي هو اللحظة التي ينتمي إليها كل منهما، فالأول ينتمي “لأثينا العقلانية المخلصة للتأمل والبطء، والأخير يستدعي الحضارة اليابانية التي يهرول الناس فيها كل صباح نحو أعمالهم، إذ يصبح الجري عادة”.

كما أن الجري في مضمار، حيث المنافسة والالتزام بالخطوط والسرعة، يختلف عن الانخراط في ماراثون، فالفوز والخسارة ليسا في صميم الأخير وحساباته، بل إن التعرف إلى الجسد يحدث عبر اختبار العقبات وتدريب الإرادة؛ لينتهي موراكامي إلى التوحيد بين الجري والكتابة: “إن كتابة الرواية وجري سباق الماراثون كاملًا أمران متماثلان، إذ يملك الروائي دافعًا داخليًا هادئًا ولا يبحث عن قبول لما يظهر على السطح”.

تختار الكاتبة المصرية مريم العجمي المشي، لكن في فضاء شديد الخصوصية؛ هو النادي الرياضي

وفي المضمار ذاته تتحرّك المجموعة القصصية “تقنيات جديدة لتطوير فنّ المشي” (3)، للكاتبة المصرية مريم العجمي، إذ تختار المشي، لكن في فضاء شديد الخصوصية؛ هو النادي الرياضي، حيث ينكشف الجسد في ندوبه وتشوهاته، وفي صراعه بين ما نتوق إليه وما نحن عليه، وفي علاقته بالآخر وفق قيم الرضى والقبول والرفض والنفور.

ومن خلال ثماني عشرة قصة منها: “دراجة”، “إسكوات”، “فوائد الشعور بالألم”، “سندريلا تفقد وزنها الزائد”، “إجراءات احترازية لمنع الشعور بالألم”، يتحول الكلام من حدث نظري إلى فعل جسدي، فالجسد هو المتكلم الحقيقي؛ أما الكتابة فإنها ثقل يعادل الأوزان.

وتعلن العتبة التمهيدية للمجموعة “ركن مخصّص للبكاء” عن تمييز الجسد الأنثوي بهذه المساحة من الحرية في نزاعها المفتوح مع الصورة المثالية التي رسخت عنه في المتخيّل الجمعي.

يحضر المشي كسؤال يرصد علاقة الذات بالآخر، والتي تقوم على الرضى والشك والحيرة والانفصال، إذ يرتبط المثال المأمول بالألم والجوع، والفشل في تحقيق المعايير اللازمة للجسد المثالي المقبول اجتماعيًا. وتكبر الساردة العدسة على تفاصيله وتشوهاته وعقبات وجوده، كالسمنة والنحول وأهميتهما في تشكيل صورتنا التي تأتي معنا، ودور الأخيرة في رؤيتنا للوجود ولأنفسنا.

في قصة “سيّدة الفصول الأربعة” نتعرّف إلى امرأة نحيلة في نصفها العلوي، بدينة ممتلئة في نصفها السفلي، تفكر في إذابة شحوم الردفين، تتمايل على الجهاز كطير يريد التحليق لكن يشدّه عدم التناظر للجاذبية.

يدخل الجسد في هذا الفضاء “الجيم” في صراع مستمر مع الانضباط مقابل التوق للتحرر من الجدية المثالية، وتكشف عن هشاشة كبيرة تعانيها الذات التي تتوق لرضى الآخر عن هذه الصورة، وتشكل فيها نظرة الآخر – حبيب أو زوج أو صديق – موقفنا تجاه أنفسنا.

وهذا ما تنحو إليه قصة “رقية”، الطفلة التي تصرخ فيها أمها: “هتتمرني يعني هتتمرني”، لكن الفتاة ترد على النساء اللاتي تجمعن حولها: “لا أحب التمارين، لماذا؟ لا فائدة، لا أفقد وزني”؛ فهذا الهاجس أتى من تماهيها مع حالة الأم.

“أمي تكرهني”،
“غير حقيقي، لما تقولين ذلك؟”،
“أبي تركها لأنها بدينة، وأنا مثلها، تريد أن تتركني”.

لكن الأم التي تأكل صحنًا من السلطة في حضور الأب – الذي يعايرها بثنيات جسدها وقد هددها بالزواج من أخرى إن لم تتخلص من وزنها الزائد – ستكمل طعامها من المعكرونة في المطبخ، ثم تأتي “على حلّة المحشي وهي تنهنه”. وتستعيد رقية، وهي تتمرن – ومع كل حركة أو قاعدة رياضية ترددها – تفاصيل خيبات أمها والجسد الذي أورثتها إياه، والرفض الذي ينتظرها من والدها إن أخفقت في امتلاك جسد مغاير لجسد الأم.

تنوّع المؤلفة في تقنيات الكتابة، كاللازمة اللغوية الجمالية، واعتماد ثيمة معينة تتحرك بين قصص المجموعة، ولغة رياضية تنسجم مع الفضاء الذي تملؤه الآلات والأجساد والفعل، إضافة لاستحضار الغناء أو الفن أو المأثور من القول، والمرتبط بالمشي وعلاقته بالذاكرة والشعور. وفي هذه الكتابة ينهار الجدار – بالمعنى البريختي – بين المشي والذاكرة والجسد، إذ تتجه لقارئها مباشرة وتدخله في التفاصيل الحميمة لتعطي لصمت اللاعب صوتًا ولقهر الجسد معنى.

وتصبح الكتابة قلقًا تغادره الطمأنينة وبحثًا عن الأسلوب المثالي: “هل يحتاج الأمر إلى شقٍّ في الجمجمة؟ كتابة قيصرية لنضمن نجاة القصة والعقل معًا!”…

وفي كل مرة تخفق فيها الإرادة، في كل مرة نعجز عن مقاومة الطبيعة عبر عصيان المثال والنموذج، يأتي التحرر والغبطة بهذا الخرق للنظام الغذائي والرياضي: “كل مرة أبدأ فيها نظامًا غذائيًا لاختبار قوة صبري، فأفشل بعد كل نوبة، أصبّ المزيد من الصوص الغني على الكعك، آكل بألف هنا”.

تشتق الكاتبة لغتها من الفضاء الذي تتحرك به الشخصيات، وبينما تمشي اللغة فالذاكرة تهرول وتدور وتستعيد، في انسجام مع الأقدام الراكضة والأيدي المقاومة للأوزان والجسد المتعرق اللاهث.

في قصة “إسكوات”، وهو تمرين يستخدم لشدّ عضلة الفخذ الداخلية والأرداف، تعرض معاناة هذا الجزء من الجسد، وحكايته مع التحرّش الذي تتعرض له الفتاة في طفولتها من مدرّسها؛ ثم التحرش الذي تتعرض له في الفضاء العام، في الباص تارة وفي الشارع في أخرى.

يتلازم فعل التذكر مع صوت المدرّبة التي ترشد الفتيات لبناء عضلة جميلة وقوية، ويتزامن مع الألم؛ ألم الإنكار والاتهام من العائلة والمحيطين لها، إذ يعتبرونها مسؤولة عن الظلم الذي وقع على جسدها. ليأتي الألم كمرحلة من مراحل النمو والفهم؛ فلا انفصال بين الألم الروحي وألم التمرين: “وبمقدار الألم يأتي التطور”.

تمتزج الصورة البصرية بفعل التذكر مع الموسيقى الداخلية للعبارة المصقولة بانتباه شديد وحرفية تخفي الصنعة، لتسلم الحكي بعفوية وتلقائية للجسد دون غيره.

وفي القصة التي حملت اسم المجموعة “تقنيات جديدة لتطوير فنّ المشي” يصبح السير رفقة الأب، الذي يعمل بائعًا جوالًا، سعادة مفرطة، وهو يتعثر عقب حادث يتعرض له، فتنكسر خطواته وتثقل إلى أن يباغته الموت؛ وتبدأ رحلة معاناة جديدة للابنة، ليس أولها المشي الجانبي في الحب، إلى السير نحو الزواج كمن يرتقي جبلًا بمركب: “ارفعي وضع المشايّة لأعلى كأنك تصعدين جبلًا، مقاومة جسدك للجاذبية تضاعف الجهد، وبالتالي يتزايد حرق الدهون”.

فكلما رفعنا الجهد شعرنا بالألم، وكلما تألمنا ارتفعت مقاومة الجسد، يعرف هذا من يمشون، فبعد كل ألم توجد صدمة للعضلة، يليها خدر ثم تكيّف، وهذا يعني تحسين قوة التحمّل؛ كما يتعذر الاستمرار بدون الصبر والتحمل والتنفس الجيد. وبما أن الكتابة أيضًا تستلزم لياقة عالية، ستتحول الورقة البيضاء في هذه المجموعة إلى مضمارٍ رياضي، والأسطر إلى درجٍ طويل، والكلمات إلى جسد، والكتابة إلى مشقة عبر المشي الذي يغدو – بتعبير موراكامي – ورغم بساطته فعلًا تأمليًا: “فالكتابة بصدق عن الجري والكتابة بصدقٍ عن النفس هما الأمر ذاته تقريبًا”.


إحالات
:

(1) فريدريك غرو، “المشي فلسفة”، ترجمة سعيد بوكرامي، دار معنى.
(2) هاروكي موراكامي، “ما أتحدث عنه حين أتحدث عن الجري”، ترجمة بثينة الإبراهيم.
(3) مريم العجمي، “تقنيات جديدة لتطوير فنّ المشي”، دار المحرِّر.

 * كاتبة سورية.

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: هل هو تنظيم وضبط أم تطويب للمجال العام بسورية؟(2-2)
التالي: الجسد الأنثوي والبحث عن الكمال

قصص ذات صلة

6259-7-3
  • أدب وفن

فائق حسن: الرسم والتعليم وذاكرة العراق

المحرر Editor 30 أكتوبر، 2026
  • أدب وفن

“عن الروح التي سُرقت تدريجيًا”: حالة حلم

المحرر Editor 30 أكتوبر، 2026
  • أدب وفن

أخيولة السوري الإيزيدي وزيرًا للخارجية في ألمانيا

المحرر Editor 30 أكتوبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تعلمه عن تربية الأطفال
  • إستراتيجية بوتين تؤتي ثمارها ترمب قد ينقذ أهداف الكرملين في أوكرانيا
  • سباق نتنياهو وآيزنكوت في إسرائيل “الأميركية” تقارب الخيارات العسكرية والسياسية تجاه الملف الإيراني
  • الأجدى لإيران أن تكون دولة طبيعية مسالمة لجيرانها
  • إسرائيل تبحث عن ائتلاف يحكمها انتخابات الكنيست الـ26 تبقي نتنياهو أولاً… والمفاجأة عربية

لربما فاتك

  • مقالات رأي

ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تعلمه عن تربية الأطفال

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
  • مقالات رأي

إستراتيجية بوتين تؤتي ثمارها ترمب قد ينقذ أهداف الكرملين في أوكرانيا

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
  • مقالات رأي

سباق نتنياهو وآيزنكوت في إسرائيل “الأميركية” تقارب الخيارات العسكرية والسياسية تجاه الملف الإيراني

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
  • مقالات رأي

الأجدى لإيران أن تكون دولة طبيعية مسالمة لجيرانها

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.