عصام حوج… كاتب
يكاد لا يخلو يوم، وربما ساعة، من أن يطرح السوريون على أنفسهم السؤال ذاته: ما العمل؟
هل ستبقى سوريا، وسيبقى السوريون، يدورون في الحلقة المفرغة ذاتها، تحت رحى الأزمة وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ هل ما زال هناك طريق للخروج من هذا المأزق، أم أن البحث عن الحلول أصبح نوعًا من العبث، ولم يبق سوى انتظار ما ستؤول إليه الأحداث؟
قد يبدو هذا السؤال مشروعا في ظل ما يعيشه السوريون من إنهاك ويأس، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى استسلام. فالعلم يعلمنا أنه لا توجد مشكلة بلا حل، بل إن كل مشكلة تحمل في داخلها بذور حلها. كما يعلمنا التاريخ أن الواقع ليس ساكنًا، وإنما هو في حركة دائمة، وأن الأزمات، مهما طالت، لا تدوم إلى الأبد.
لكن الحل لا يسقط من السماء، ولا يأتي من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى من يكتشفه، وإلى من يمتلك الإرادة والأدوات لتحويله إلى واقع.
السؤال الحقيقي، إذن، ليس: هل يوجد حل؟ بل: من هي القوة القادرة على فرضه؟
في تقديري، يكمن مفتاح الحل في تجميع القوى الاجتماعية التي أصبحت مصلحتها الموضوعية تقتضي إنهاء الأزمة، وتحويلها إلى قوة حقيقية على الأرض، تمتلك وزناً سياسياً واجتماعياً يجعل من المستحيل تجاهلها.
وهذه القوى ليست قليلة، بل تمثل الأغلبية الساحقة من السوريين والسوريات.
فهي تضم من تعرضوا للاعتقال والملاحقة والاقصاء في ظل السلطة السابقة، و مئات الالاف ممن فقدوا أبناءهم وأقاربهم وبيوتهم خلال سنوات الحرب، وملايين النازحين والمهجرين، كما تضم ملايين الفقراء والعاطلين عن العمل، والمحرومين من أبسط مقومات الحياة، من خبز وماء وكهرباء وطبابة وتعليم، إضافة إلى أصحاب المصالح الصغيرة والمنتجين والموظفين والمتقاعدين الذين تآكلت قدرتهم على العيش الكريم.
ورغم اختلاف تجارب هؤلاء وانتماءاتهم السياسية والقومية والدينية، فإنهم يجتمعون اليوم على مصلحة واحدة: الخروج من حالة الانهيار، واستعادة الدولة بوصفها دولة للمواطنين، لا ساحة للصراع المفتوح.
إن تحويل هذه الكتلة الاجتماعية الواسعة إلى قوة منظمة هو المهمة المركزية في المرحلة الراهنة. ومن ينجح في القيام بذلك، يستطيع أن يصبح القاطرة التي تجر وراءها ما تبقى من القوى الحية في المجتمع السوري.
لقد كانت كلمة السر في الاستعصاء السوري، منذ عام 2011 وحتى اليوم، هي توازن القوى.
فلم يتمكن أي طرف من فرض مشروعه بصورة حاسمة، ولم يستطع أي طرف أن يهزم الآخرين نهائياً. وكانت النتيجة استمرار الأزمة، وتفاقم أثمانها على المجتمع والدولة معاً، حتى بات موضوع الخلاف نفسه (الدولة) مهدداً في وجوده.
وحين يصل الصراع إلى هذا المستوى من الاستنزاف، تصبح العقلانية السياسية ضرورة، لا ترفاً
وهذا يفرض البحث عن توافق وطني ينطلق من المصالح المشتركة للسوريين، لا من موازين القوة العسكرية أو الولاءات الضيقة.
ولا يعني التوافق إلغاء الصراع أو إخفاء التناقضات، فالصراع سيبقى جزءاً من الحياة السياسية. لكنه ينبغي أن ينتقل من ساحات السلاح والدمار والطائفية والعشائرية والعيال القومي إلى ساحات السياسة والقانون والمؤسسات، حيث تُدار الخلافات بالحوار والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، لا بالغلبة والقوة.
إن سوريا اليوم لا تحتاج إلى منتصر جديد، بقدر ما تحتاج إلى مشروع وطني جديد، يجمع السوريين حول حقوقهم المشتركة، ويعيد الاعتبار لمطالبهم في الحرية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية.
فلا مستقبل لأي سلطة من دون مجتمع، ولا مستقبل لأي مجتمع من دون دولة، ولا مستقبل لسوريا إلا إذا استطاع السوريون تحويل أغلبيتهم المتضررة إلى قوة سياسية واجتماعية منظمة، قادرة على فرض أجندة وطنية تعبر عن مصالحها.
ذلك، هو الجواب العملي عن سؤال: ما العمل؟