حازم صاغية….. كاتب.
تعود حزيناً كعائد من زيارة إلى بيت أهله، أو كمَن قاده حظّ عاثر للرجوع إلى مكان غادره ظانّاً أنّه لن يرجع إليه، أو كمن سمع من رجل الدين صلاةً يحفظها عن ظهر قلب، أو من القائد الحزبيّ تعاليمَ يقولها هو لمن هم أدنى منه مرتبة في الحزب.
الطرق إلى الحزن كثيرة، أوّلها العودة. فلنبدأ من لامكان، سيّما وأنّ الموت عقّمنا من الماضي. لقد ذهبت أسرارنا مع موتانا، فلتسقط الذاكرة إذاً ولنترك أجنحتنا تطير إلى سموات مجهولة. هناك يحقّ لنا أن ننسى ما عرفناه. هناك يحقّ لنا أن لا نحبّ مَن يقال لنا إنّ علينا أن نحبّهم. هناك يمكننا أن نحبّ ونقول عمّن نحبّه إنّه لا يُحَبّ.
قانون الجاذبيّة مَقيت. لا نريد أن يشدّنا قانون إلى أرض وإلى جذور. هذا آخر تصفيق سوف أصفّقه. فلنغلق الباب ونرحل، فنحن وحدنا من يحتفظ بالتجربة.
نعم، نعم. ليت التاريخ لم يحصل، وليت ما حصل لم يُدَوّن، وليت ما دُوّن لم يُحفَظ. فليس مهمّاً أن تكون لديك قصّة. المهمّ أن تكون أنت القصّة.
نحن لا ننوي أن نكون أبناء ذواتنا منذ كانت ذواتُنا براعم. لقد كان الوشاح مَرميّاً فوق القبر فلبسناه، والأنفاق ملأى بالكوابيس فدخلناها. وباتت أجسادنا الفوريّة تسألنا: هل هناك فعلاً سماء أولى وسماء ثانية؟
فلنفتح إذاً النوافذ كي تخرج الأرواح التي زرعوها فينا. هذا ما كنت أقوله للموتى. هذا ما كان الموتى يقولونه لي.
دعونا نقتل ملِكات الغجر اللواتي يُقمن جلسات لتحضير الأرواح. دعونا نساهر الزوّار ونكون على شكل ثلج وهواء محمّل بالصور وربّما بالاحتمال الغامض. دعونا نشمّ رائحة المستقبل بأفكار بسيطة. دعونا نكتشف، أيّها الأبعدون، أنّنا أقارب.
يُخشى إذا بقينا هنا أن نفنى ويبقى المؤرّخ.
(2)
لم يعد هناك من يحرّك الجبل أو يمشي على الماء. هناك فقط من يتأمّل الأزرق اللازورديّ ويحتار في تفسير روعته.
ما الذي تفكّره تلك القطّة المقرفصة على حصيرة؟
ما الذي يصرخه صوت الفأرة الذي يطلع منّا؟
ها نحن نقيم في بطن الثعبان، ونربّي حاسّة سادسة وحاسّة سابعة وحواسّ كثيرة أخرى ونقول إنّ القصيدة كُتبت وتمّت. ها نحن نرهن المستقبل بمطاردتنا للحقيقة التي لم تعد، منذ يوم أمس، حقيقة. خذنا، يا سلفادور دالي، برحمتك، خذنا بيدك إلى حيث برّ الأمان. فمِن صدْع في رؤوسنا خرج هذا الكون، لكنّ القطط راحت تولد أوّلاً وتعبث بالفئران، وبين كلّ قطّتين كانتا تولدان كان يولد واحد منّا.
في هذه اللحظة كان سلفادور دالي يذيب ساعة الحائط ويمطّها ظانّاً أنّه يذيب الزمن ويمطّه. كان ارتكاب تلك الأمور من عاداته السيّئة، ونحن كنّا نهرول كي نلحق بالساعة.
فأشرقْ مع إشراق الشمس واعلم أنّ الزهرة لا تعني إلاّ أنّها زهرة. لقد بات واجباً عليها، في زمننا هذا، أن تعني شيئاً آخر كي تصبح زهرة.
وصار عليك، كي تستفتي الأرض، أن تأتمنها على عشّ لعصفور ضائع ومنتوف الريش.
آثار أقدامنا على السلالم وعلينا أن نسارع إلى لمّها وتجميعها. ذاك أنّ الرحّالة يسافرون إلى أصقاع مجهولة، وهؤلاء ربّما ارتكبوا حماقات كثيرة لكنّهم حُرموا ارتكاب الحماقة ذاتها مرّتين.
(3)
لقد أكّد لنا ألله الذي يترجم لغة إلى لغة، وطوراً إلى طور، أنّه تغيّر بعد مرحلة النقاهة التي قضاها في مشفى بعيد. قال إنّ الفضاء لا يتّسع لشمسين وطالبَنا أن لا نلبس أثواباً إمبراطوريّة ولا ندهن المطر بألوان زاهية فيما نحن ننتظر المخلّص.
فلنتقيّد بوصايا الإله الذي عاد لتوّه من المشفى. إنّه وحده مَن يفتح في رؤوسنا أبواباً على مصراعيها.