خليل حسين محرر بموقع السفينة
أثار الاتفاق الأخير بين السلطة السورية وقوات سوريا الديمقراطية موجة ارتياحٍ واسعة في مختلف الأوساط السورية، ولا سيما في منطقة الجزيرة، حيث تراكَمَت على مدى سنوات كلفةُ التوتر وعدم اليقين. ولا يمكن التقليل من دلالات هذا الارتياح، فهو لا يعكس مجرد ردّ فعل عاطفي آني، بل يعبّر عن ميلٍ عام داخل المجتمع السوري، بمختلف مكوّناته، نحو تجنّب الحرب ورفض منطق الحسم العسكري، بعد تجربة طويلة أثبتت أن السلاح لم يكن يومًا مدخلًا لحلول مستدامة، بل بوابةً مفتوحة لمزيد من الانقسام والاستنزاف.
سياسيًا، يأتي هذا الاتفاق في لحظة إقليمية ودولية حسّاسة، تتراجع فيها شهية القوى الخارجية للاستثمار في صراعات مفتوحة، مقابل تصاعد الدعوات إلى ترتيبات تهدئة وإدارة نزاعات بأكلفة أقل. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الاتفاق بوصفه محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأطراف، وليس حسمًا نهائيًا للقضايا الخلافية. فهو، من جهة، يقرّ بواقع سياسي وعسكري تشكّل خلال سنوات الحرب، ومن جهة أخرى يفتح الباب أمام مسار تفاوضي طويل، تُعاد فيه صياغة التوازنات وحدود النفوذ وآليات الإدارة.
غير أن هذا المسار، رغم أهميته، لا يخلو من مخاطر جدية. فالانتقال من منطق الصراع إلى منطق التسوية يصطدم بعقبات متعدّدة، في مقدمتها غياب الثقة المتبادلة، وتراكم إرثٍ ثقيل من التجارب الفاشلة والاتفاقات غير المكتملة. كما أن داخل كل طرف قوى متضرّرة من أي تهدئة، ترى في الاتفاق تهديدًا لمصالحها السياسية أو الاقتصادية أو حتى الرمزية، ما يجعل احتمالات التعطيل قائمة، سواء عبر التصعيد الإعلامي، أو إثارة المخاوف الهوياتية، أو افتعال أزمات ميدانية تُفرغ التفاهم من مضمونه.
إضافة إلى ذلك، يضع الاتفاق قوى الأمر الواقع أمام اختبار صعب: الانتقال من إدارة تقوم على الغلبة الأمنية إلى إدارة سياسية تشاركية، قادرة على إنتاج شرعية حقيقية قائمة على تمثيل المكوّنات المختلفة، وتحسين الأوضاع المعيشية والخدمية. فالتجربة السورية، كما غيرها من تجارب النزاعات، تُظهر أن أي تسوية لا تُترجم سريعًا إلى تحسّن ملموس في حياة الناس تبقى هشّة وقابلة للانهيار عند أول اهتزاز.
من زاوية أخرى، لا يمكن فصل مستقبل الاتفاق عن البيئة الإقليمية الأوسع، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية في شمال وشرق سوريا على نحو معقّد. فنجاح التهدئة أو فشلها لن يكون نتاج إرادة محلية فقط، بل سيتأثر بدرجة استعداد القوى الخارجية لقبول تسويات جزئية، والكفّ عن استخدام الساحة السورية كورقة ضغط متبادلة.
في المحصّلة، لا يمثّل الاتفاق نهاية للصراع، بل بداية مرحلة جديدة تُختبر فيها جدّية الأطراف وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها. إنها فرصة حقيقية لتخفيف التوتر وفتح أفق سياسي أقل عنفًا، لكنها في الوقت ذاته لحظة هشّة، قد تنقلب إلى خيبة جديدة إذا أُفرغت من مضمونها، أو استُخدمت كاستراحة مؤقتة قبل جولة صراع أخرى. وبين فرصة التهدئة ومخاطر التعطيل، يبقى الرهان الأكبر على تحويل هذا التفاهم إلى مسارٍ سياسي طويل النفس، يضع مصلحة السوريين فوق حسابات القوة الضيقة.