عصام حوج.. كاتب
أثار الاتفاق الأخير بين السلطة السورية وقوات سوريا الديمقراطية حالة ارتياح عام في مختلف الأوساط السورية، ولا سيما في منطقة الجزيرة. هذا الارتياح لا يمكن التقليل من دلالته، إذ يعكس مجددًا رغبة السوريين العارمة في تجنب الحرب، ورفض منطق الحسم العسكري، والبحث عن حلول لقضايا الخلاف عبر الحوار والتفاوض.
ورغم أن هذا الميل الشعبي ليس جديدًا، إلا أن أهميته اليوم تكمن في خروجه إلى العلن بشكل صريح، بما يساهم في كسر دوائر الاستقطاب القومي والسياسي التي غذّت الصراع خلال السنوات الماضية.
غير أن التجربة السورية مع الاتفاقات الجزئية تدفع إلى قدر من الحذر. فقد أظهرت تجارب سابقة أن كثيرًا من الاتفاقات لم تصمد طويلًا، إذ سرعان ما كانت تُخرق، ليعود التراشق الإعلامي وتبادل الاتهامات بين الأطراف. وهذا الواقع يشير إلى وجود قوى داخلية لا مصلحة لها في تطبيق هذه الاتفاقات على أرض الواقع. ومنطق الأمور يقول إن تعطيل أي اتفاق لا يمكن أن يكون فعل طرف واحد فقط، بل هو نتيجة تلاقي مصالح معرقِلة موزعة بين الجانبين، أو بين أطراف دولية وإقليمية مستفيدة من استمرار حالة اللاسلم واللاحرب.
من الطبيعي، بل والمتوقع، أن تواجه عملية تنفيذ أي اتفاق تعقيدات وصعوبات، وأن تحدث خروقات هنا وهناك. لكن ما لا ينبغي تجاوزه، وما يجب ترسيخه بوضوح في أي اتفاق بين الطرفين، هو مبدآن أساسيان لا غنى عنهما:
أولهما، التأكيد على وحدة سوريا وسيادتها واستقلالها.
وثانيهما: الاعتراف الصريح بالتعدد القومي في سوريا بوصفه حقيقة تاريخية واجتماعية، وقضية وطنية، وجزء من المسألة الديمقراطية في البلاد.
ومع أهمية الاتفاق بين طرفين سوريين، إلا أنه يبقى بطبيعته اتفاقًا جزئيًا ومؤقتًا، ومعرضًا للفشل إذا لم يُدرج ضمن سياق أشمل لحل الأزمة السورية ككل، وفق روح قرار مجلس الأمن 2254. فلا السلطة السورية، ولا قوات سوريا الديمقراطية، سواء بشكل منفرد أو مجتمعين، تملك حق احتكار القرار النهائي المتعلق بمصير الجزيرة السورية، التي تُعد جزءًا لا يتجزأ من القضية السورية العامة.
وفي هذا السياق، لا بد أيضاً من التنبه إلى دور الراعي الأمريكي. فالتجربة مع السياسة الأمريكية في المنطقة تشير إلى أنها تسعى إلى إدارة الأزمات أكثر من السعي إلى حلها جذريًا، من دستور بريمر في العراق وما رافقه من تأويلات متناقضة، مرورًا باتفاقات القوى الكردية في إقليم كردستان العراق التي لم تُفضِ حتى اليوم إلى إدارة موحدة، إلى الموقف الأمريكي من ملف كركوك، الى الاتفاقات السابقة بين السلطة المؤقتة وقسد، الى الموقف من ملف السويداء تتكرر النتيجة ذاتها: تصريحات حمّالة أوجه، ونصوص ملتبسة، قابلة لتفسيرات متناقضة، تُبقي جذور الخلاف قائمة. ومن هذا المنظور، يمكن فهم بعض البنود “الملغومة” في الاتفاق الأخير، التي قد تفتح الباب أمام قراءات متباينة، وتُستخدم لاحقًا لتعميق الانقسام بدل رأبه.
في الخلاصة، تقع على عاتق القوى السياسية والمجتمعية السورية، وعلى عاتق العقلاء تحديدًا، مسؤولية دعم هذا الاتفاق والدفع باتجاه تنفيذه عمليًا، والعمل على تهدئة الأجواء، ورفض خطاب الاستقطاب القومي المقيت. كما يتطلب الأمر الاستعداد لتجاوز العثرات التي ستظهر حتمًا خلال مرحلة التطبيق، ولجم الأصوات الموتورة من هنا وهناك، تلك التي لا تزال أسيرة منطق الحسم والسحق والمحق، وكأن السوريين لم يدفعوا بعد ما يكفي من أثمان هذا المنطق الاعرج.
فالفرصة قائمة، وتتطلب وعيًا سياسيًا ومسؤولية وطنية تضع مصلحة سوريا والسوريين – كل السوريين – فوق كل اعتبار.