خليل حسين ..محرر بموقع السفينة
لم يكن فشل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حدثاً مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة متوقعة لمسار طويل من انعدام الثقة وتضارب المصالح. ومع ذلك، فإن تداعيات هذا الفشل لا تقتصر على تعطّل مسار تفاوضي، بل تمتد لتعيد طرح أسئلة أعمق حول طبيعة الصراع نفسه، وحدود القدرة على احتوائه.
في المرحلة التي تلي هذا التعثر، لا يبدو أن أيّاً من الطرفين يتجه مباشرة نحو مواجهة مفتوحة. على العكس، يستمر منطق “إدارة الصراع” كخيار مفضل، حيث تُستخدم أدوات الضغط، والردع المحدود، والرسائل غير المباشرة، للحفاظ على التوازن دون الانزلاق إلى حرب شاملة. هذا النمط لم يعد استثناءً، بل أصبح القاعدة التي تحكم العلاقة بين الطرفين، مدعوماً بحسابات إقليمية ودولية ترى في الانفجار الشامل خياراً مكلفاً للجميع.
غير أن هذا التوازن يبقى هشّاً بطبيعته. فغياب اتفاق واضح لا يعني استقراراً، بل يفتح المجال أمام تصعيد تدريجي أو غير محسوب، خاصة في ساحات التماس غير المباشر. ومع تزايد الضغوط الاقتصادية، وتنامي التوترات الإقليمية، يصبح خطر الخطأ في الحسابات أكثر حضوراً، ما قد يدفع الأحداث نحو مسارات يصعب السيطرة عليها.
في هذا السياق، تستمر القوى الإقليمية والدولية في الرهان على الحوار، ليس بوصفه طريقاً للحل، بل كأداة لتقليل الخسائر وتأجيل المواجهة. فالحوار، حتى في حدوده الدنيا، يظل أقل كلفة من الحرب، وأقل دموية من الانفجار المفتوح. لكنه، في الوقت نفسه، لا يقدّم ضمانات حقيقية للاستقرار، ولا يعالج جذور الصراع.
وهنا تكمن المفارقة: كلما طال أمد “إدارة الصراع”، زادت احتمالات أن تفرض الوقائع الميدانية منطقاً مختلفاً. فالتراكم المستمر للتوتر، دون أفق سياسي واضح، قد يؤدي في لحظة ما إلى تجاوز الخطوط غير المعلنة، سواء عبر تصعيد مقصود أو نتيجة خطأ غير محسوب.
لذلك، فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بإمكانية استئناف المفاوضات، بل بقدرة هذا النموذج نفسه على الاستمرار: إلى متى يمكن لهذا النمط من “إدارة الصراع” أن يصمد، قبل أن تتحول التوازنات الهشة إلى نقطة انكسار؟
في المحصلة، لا يبدو أن المنطقة تقف على أعتاب تسوية، بقدر ما تقف على حافة مرحلة أكثر غموضاً، حيث تتراجع القدرة على التنبؤ، وتزداد كلفة الانتظار. وبينما يستمر الجميع في كسب الوقت، يبقى الوقت نفسه عاملاً ضاغطاً قد يغيّر قواعد اللعبة في أي لحظة.