أساف أوريون…
…
إن المخاطر العسكرية والدبلوماسية لإعادة دخول جنوب لبنان كبيرة، لكن بإمكان إسرائيل التخفيف منها من خلال توضيح أهدافها الأمنية علنًا، والسعي إلى أفق سياسي ثنائي، وتركيز جهودها العسكرية، ومحاسبة المسؤولين في بيروت (أخيرًا).
بعد شهر من دخول حزب الله الحرب على إيران بفتحه جبهة لبنان، تُجري فرق برية متعددة من جيش الدفاع الإسرائيلي مناورات في الجنوب، بينما تشن غارات جوية على مناطق متفرقة من البلاد. وقد تم إجلاء معظم السكان اللبنانيين المحليين حفاظاً على سلامتهم، ودُمرت سبعة جسور على نهر الليطاني لمنع وصول تعزيزات إرهابية من الشمال. من جانبه، يشن حزب الله قصفاً مكثفاً على مساحات واسعة من مواقع جيش الدفاع الإسرائيلي وأهداف مدنية، لا سيما في شمال إسرائيل. وحتى كتابة هذه السطور، تستمر الحملة العسكرية الإسرائيلية رغم اتفاق واشنطن مع إيران على وقف إطلاق النار في 7 أبريل/نيسان، إلا أن مدة هذا الوقف لا تزال غير واضحة.
تُجسّد خطة إسرائيل الحربية المفهوم الأمني الأوسع الذي تُطبّقه حاليًا على جبهات متعددة نتيجةً للصراعات التي تخوضها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ألا وهو نشر وحدات برية تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي في أراضٍ معادية مُدمّرة ومُهجّرة لحماية المجتمعات الإسرائيلية الحدودية. هذا النهج يرسم في جوهره حدودًا أمنية إسرائيلية جديدة خارج حدودها السيادية . في الحرب الحالية ضد حزب الله، تسعى إسرائيل إلى إبعاد التهديدات عن مجتمعاتها الشمالية الضعيفة وإنشاء منطقة أمنية متقدمة في جنوب لبنان. من المؤكد أن هذا لن يُزيل هذه التهديدات تمامًا. مع ذلك، فإلى جانب تحقيق الهدف المباشر المتمثل في تقليص قدرات حزب الله الهجومية، فإن الحملة الإسرائيلية والظروف الإقليمية الجديدة – بما في ذلك إلحاق ضرر جسيم بداعم الحزب في إيران – قد تُتيح فرصًا إضافية للدفع نحو نزع سلاحه (عبر الوسائل العسكرية والسياسية)، وتعزيز ترتيبات أمنية دائمة مع بيروت، وربما التوصل يومًا ما إلى اتفاق سلام ثنائي.
التحدي الاستراتيجي لإسرائيل
تُبرز هجمات حزب الله الأخيرة التهديد المستمر الذي لا يزال يشكله حتى بعد تعرضه لأضرار جسيمة جراء العمليات الإسرائيلية الكبرى عام 2024، وهي مشكلة متجذرة في فشل بيروت في نزع سلاح الحزب، والقصور في آلية التنفيذ الدولية التي أنشأها اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، واستحالة منع حزب الله من إعادة تنظيم صفوفه عبر الجهود الإسرائيلية وحدها. ونتيجة لذلك، تمكن الحزب من دمج قدراته العسكرية بشكل منهجي في البيئة المدنية اللبنانية، بينما يُشكل تهديدًا مباشرًا للمجتمعات الشمالية الإسرائيلية.
على الصعيد السياسي، اتخذت الحكومة اللبنانية خطوات هامة، منها الحظر الرسمي لأسلحة حزب الله ونشاطه العسكري، إلا أنه لم يُحرز أي تقدم فعلي في تطبيق هذا الحظر، ويعود ذلك جزئياً إلى معارضة شركاء الحزب داخل الحكومة المتكررة لمثل هذه الإجراءات. ومع ذلك، أبقى القادة اللبنانيون الباب مفتوحاً أمام إمكانية إجراء مفاوضات سياسية مع إسرائيل. وعلى نطاق أوسع، لا يزال الوضع الدبلوماسي الدولي غامضاً، إذ لم تُسلّط الحرب مع إيران الضوء الكافي على الوضع في لبنان، وتصر طهران على أن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه هذا الأسبوع يشمل لبنان، بينما تنفي الولايات المتحدة وإسرائيل ذلك.
في غضون ذلك، يُثير الهدف الاستراتيجي لإسرائيل جدلاً حاداً في الداخل. ففي الأسبوع الماضي، أفادت التقارير أن مسؤولاً في الجيش الإسرائيلي اعترف بأن الهدف من الحملة الحالية هو إنشاء منطقة أمنية جديدة في جنوب لبنان، وليس نزع سلاح حزب الله. ورداً على ذلك، أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن الهدف النهائي يبقى نزع سلاح حزب الله بالوسائل العسكرية والسياسية. ويبدو أن الحكومة تحاول سد الفجوة بين التوقعات الشعبية العالية وما هو قابل للتحقيق واقعياً في الوقت الراهن. وفي بيانين منفصلين أواخر الشهر الماضي، وعد نتنياهو وكاتس بـ”تغيير الوضع جذرياً” “نهائياً”. إلا أن أياً منهما لم يُحدد هدفاً استراتيجياً سياسياً؛ بل ركّزا على كيفية تحقيق الهدف العسكري المحدود المتمثل في الحد من أقرب التهديدات للمستوطنات الحدودية الإسرائيلية، وخاصة الصواريخ المضادة للدبابات. ونادراً ما أشارا إلى أن استدامة هذا الإنجاز على المدى البعيد ستتطلب جهداً سياسياً لنزع سلاح حزب الله. وفي سياق متصل، رأى وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش أن العملية يجب ألا تنتهي حتى يصبح نهر الليطاني هو الحدود الجديدة لإسرائيل. إلا أن هذه الآراء لا تُمثل سياسة الحكومة.
تصميم الحملة وملامح المناطق الأمنية الجديدة
تتمثل خطة الجيش الإسرائيلي الحالية في إلحاق أضرار جسيمة بحزب الله في جميع أنحاء لبنان، مع نزع سلاح الجزء الجنوبي من البلاد وعزله حتى نهر الليطاني. وبعد إجلاء معظم السكان المحليين حفاظاً على سلامتهم، يُنشئ الجيش الإسرائيلي منطقة أمنية في شريط من الأراضي اللبنانية قرب الحدود، مقابل المستوطنات الإسرائيلية الشمالية. وفي عمق لبنان، نشر قواته على قمم التلال على طول “خط الدفاع المضاد للدبابات”، ساعياً لمنع حزب الله من استخدام صواريخ مضادة للدبابات ضد هذه المستوطنات. وفي بقية المنطقة جنوب الليطاني، يخطط الجيش الإسرائيلي لشن ضربات دقيقة، استناداً إلى معلومات استخباراتية، ضد أهداف حزب الله في قرى مهجورة في الغالب.
تشير التقارير إلى أن إنشاء المنطقة الأمنية سيستلزم دمارًا واسع النطاق في شريط القرى اللبنانية الأقرب إلى الحدود، باستثناء التجمعات المسيحية (ومن المرجح أن تُستثنى القرى الدرزية أيضًا ). وقد أوضح الجيش الإسرائيلي أن هذه القرى لن تُدمر بالكامل، بل سيتم فقط الكشف عن البنية التحتية الإرهابية الموجودة فيها، وذلك بهدف منع حزب الله أو غيره من الجهات من استخدامها لشن هجمات عبر الحدود. ومع ذلك، وبالنظر إلى التصريحات الإسرائيلية المختلفة ونموذج غزة الذي استُلهمت منه عملية لبنان، فمن المرجح أن يؤدي تحقيق هذا الهدف إلى نتائج “الأرض المحروقة” في بعض الحالات.
بحلول نهاية الحملة، تتمثل خطة إسرائيل في إنشاء المناطق الأمنية المؤقتة التالية في جنوب لبنان، بدءاً من الخط الأزرق الذي حددته الأمم المتحدة:
منطقة أمنية مؤقتة تمتد من ثلاثة إلى أربعة كيلومترات داخل لبنان ، حيث سينتشر الجيش الإسرائيلي طالما دعت الحاجة. وعلى غرار النموذج الذي تم تطبيقه بعد الحرب في قطاع غزة، قامت إسرائيل بإجلاء المدنيين من هذه المنطقة، وستقوم بهدم مبانٍ واسعة النطاق هناك لمنع حزب الله من استخدام البنية التحتية الحدودية لأغراض إرهابية مرة أخرى. ويشمل ذلك أيضاً منع الأفراد من العودة إلى هذه القرى أو إعادة بنائها ، على الأقل حتى يتم التوصل إلى ترتيبات بديلة مع الحكومة اللبنانية.
“خط مضاد للدبابات” يمتد من 8 إلى 10 كيلومترات داخل لبنان، حيث سينتشر جيش الدفاع الإسرائيلي على قمم التلال وينفذ عمليات تهدف إلى منع إطلاق الصواريخ المباشر على المجتمعات الحدودية الإسرائيلية.
سيزداد عدد مواقع الجيش الإسرائيلي في هاتين المنطقتين من خمسة إلى ثمانية عشر .
وفي بقية المنطقة حتى نهر الليطاني، سيسعى الجيش الإسرائيلي إلى الحفاظ على سيطرة عملياتية