
حسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمره، وقرر أن تركيا هي الحليف الأول لبلاده على الساحة الإقليمية. أتى القرار من ضمن رؤية ترامب للصراع الاستراتيجي في العالم مع الصين، وهو صراع يتطور بوتائر متسارعة.
إلى ما قبل تسلم تشي جيبنيغ قيادة الحزب الشيوعي الصيني، فضلت الصين أن يظل اسمها مغفلاً، والتزمت الصمت والحذر. مع صعود تشي، برزت ملامح نزعة توكيد ذات صينية، حتى غدت بكين أكثر صرامة في الرد على السياسات الأميركية. تبنى تشي نزعة أكثر قومية على الساحة العالمية. وأتته فرصة الصراع المحتدم على إيران بعد “طوفان الأقصى”، لإبراز دور بلاده كما لم يظهر سابقاً. بعد حرب الاثني عشر يوماً صيف العام 2025، اتخذت بكين قراراً بتوفير الدعم الشامل للمرشد الإيراني علي خامنئي، الذي تعرض لهزيمة نكراء، كادت تمهد الطريق أمام سقوط الهضبة الإيرانية بيد الأميركيين ليطلوا منها على معابر آسيا الوسطى، تمهيداً لخنق الصين من جهة الغرب، بعد أن أحكمت واشنطن عليها الطوق، من جهة الشرق. كان القرار استراتيجياً ومصيرياً كما رأه المسؤولون الصينيين، لذلك، كان التعاون كاملاً مع الإيرانيين، ونتيجته كانت فشل الحرب الأميركية الإسرائيلية في حل “العقدة الفارسية” على طريق الصين.
ترامب وزاوية الاحتياجات الإسرائيلية
على الضفة الأطلسية، تعامل ترامب مع الحرب على إيران من زاوية الاحتياجات الإسرائيلية، وقرر المضي قدماً فيها، من دون أن يتشاور مع حلفائه في حلف شمال الأطلسي أو مع القوى الإقليمية المعنية كالسعودية وتركيا. مع الوقت أدرك ترامب المخاطر التي أقحمه بها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. عبرت قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” عن الواقع الجديد. اختارت واشنطن أنقرة حليفاً لها في الشؤون المتعلقة بالبحر الأسود، شرقي أوروبا والبلقان، شمال أفريقيا، الهلال الخصيب والخليج العربي، القوقاز وآسيا الوسطى، كرد على انتقال العلاقات بين بكين وطهران من التنسيق التكتيكي إلى التحالف الاستراتيجي خلال الحرب على إيران.
وليس ذلك بالأمر السعيد للمنطقة، إلا أنه نتيجة اضطراب السياسة الإيرانية. فمذ انتصر المرشد السابق الخميني على الشاه رضا بهلوي، قاتلت إيران العراق لثماني سنوات، ثم تحالفت مع تنظيم “القاعدة” في تسعينيات القرن الماضي لزعزعة استقرار دول الخليج العربي والقوات الأميركية المنتشرة على أراضيها. في مطلع الألفية، انتقلت إيران إلى النقيض، حيث دعمت الحروب الأميركية في العالم الإسلامي، من أفغانستان والعراق إلى اليمن وسوريا (بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية قسد ضد تنظيم داعش). كما قادت حرب نظام الأسد على الثائرين عليه، وعند فشلها، استعانت بالقوات الروسية لهزيمتهم، مظهرةً خواء مطالبة القادة الإيرانيين بخروج القوات الأجنبية من غرب آسيا. حصدت طهران، من الريح التي زرعتها، عاصفة اقتلعت نفوذها في سوريا، وأضعفته في فلسطين، لبنان والعراق، مهددةً نظام الثورة الإسلامية في عقر داره.
مساعي السيطرة
لطالما سعت إيران إلى السيطرة على الممرات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، سواء بحرياً عبر مضيقي هرمز وباب المندب أو برياً عبر الممرات العراقية السورية نحو شرقي البحر الأبيض المتوسط. لكنها، الآن، وبعد تراجع قوتها، تحولت، بدعم صيني، إلى زعزعة تلك الممرات ومنع واشنطن وحلفائها من السيطرة عليها. اعتقد المسؤولون الإيرانيون أن مذكرة التفاهم مع واشنطن، تخولهم فرض سيادتهم على مضيق هرمز واستعادة نفوذهم في بلاد الأرز، ليتضح أن الشرط الأميركي الأساسي لتطبيق المذكرة هو خضوع إيران لتوجهات واشنطن. ونشهد الآن، اشتداد الصراع الأميركي الإيراني على مضيق هرمز، لبنان والعراق. وبنجاح ترامب، خلال قمة، الناتو”، في اجتذاب أنقرة ودمشق إلى جانبه في هذا الصراع، فقد يتمكن من إنهاء بقايا النفوذ الإيراني في الهلال الخصيب. عندها يتركز الصراع حول السيطرة على مضيق هرمز، وهو صراع أكبر من قدرات إيران، وسيغرقها في الحضن الصيني.
إذن، لعبت إيران الورقة الصينية، مغيرةً طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، ودامجةً إياه في الصراع على النظام الدولي وترتيباته الاقتصادية، وهذا ما جعل الصراع أعقد، خصوصاً أن بكين تطرح إعادة صياغة شاملة للنظام العالمي، وهي مستعدة لدفع أثمان باهظة لتحقيق هدفها. ولن تسكت أي إدارة أميركية عن هذا المسعى الصيني.