
قبل إقلاع المروحيات في اتجاه سجن تدمر ألقى معين ناصيف خطاباً أمام العناصر الذاهبين لتنفيذ المجزرة، الخطاب الذي كان من ضمن العدّة الإعلامية لسلطة الأسد، فتضمن الحديث عن أعداء الوطن، وعن المهمة الجليلة التي سينفذّها العناصر ضد هؤلاء الأعداء. بعد عودة العناصر من التنفيذ، وقتلهم ما يُقدَّر بين 800 و1500 سجين متهم بالانتماء إلى تنظيم الإخوان المسلمين، يُقال أنه قد مُنح كل واحد منهم مبلغ 200 ليرة سورية على سبيل المكافأة.
قائد العملية معين ناصيف هو صهر رفعت الأسد، زعيم سرايا الدفاع وشقيق الرئيس آنذاك، وقد رُوِّج في التبرير للمجزرة أنها أتت انتقاماً بسبب محاولة اغتيال فاشلة نفّذها الإخوان ضد حافظ الأسد قبل يوم من المجزرة. وفي التفاصيل دخل العناصر إلى السجن في الصباح الباكر بتسهيل من إدارته، وألقوا القنابل على مهاجع للسجناء الإخوان، كما أطلقوا وابل الرصاص من رشاشاتهم. ثم انسحبوا لتتولى إدارة السجن سحب الجثث إلى مقابر جماعية في البادية، وثمة اتهامات تنص على تصفية الجرحى الناجين من المقتلة بدل معالجتهم.
ارتُكبت المجزرة في 26 حزيران 1980، وفضلاً عن التبرير المباشر لها بحادثة الاغتيال الفاشلة كان ماثلاً في الخلفية انتقام آخر، ففي 16 حزيران 1979 كانت الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين قد ارتكبت مجزرة مدرسة المدفعية. في تفاصيل الأخيرة أن النقيب إبراهيم اليوسف، ضابط التوجيه السياسي المناوب يومها، جمع طلاب الضباط في ندوة الكلية، ثم أخرج البعض منهم وأبقى على العلويين، وحينئذ قام عناصر الطليعة الذين أدخلهم إلى الكلية بإلقاء قنابل على الطلاب العزّل في القاعة المغلقة مع إطلاق الرصاص عليهم.
ربما يكون عدد ضحايا مجزرة سجن تدمر عشرة أضعاف ضحايا مجزرة مدرسة المدفعية، إذا أخذنا متوسط الأرقام المتداولة عن الأخيرة، وبصرف النظر عن الآثار البعيدة لكل منهما يمكن التنويه بالشبه الإجرائي إلى حد التطابق في بعض التفاصيل. ففي المجزرتين كان الضحايا عُزّل، وكانوا محرومين لا من وسائل حماية النفس فحسب، بل كانوا في مكان مغلق بهف تسهيل إبادتهم، ومنعهم من الهرب والنجاة.
والإشارة إلى التشابه في وضعية الضحايا لا تعني بأية حال أن تبرر مجزرةٌ مجزرةً أخرى مماثلة، ولا أن تبرر فكرة الانتقام؛ طائفياً كان أو غير طائفي. فثمة فرق شديد الأهمية بينهما، إذ ارتكب المجزرة الأولى تنظيم الطليعة المقاتلة الذي لا يخفي في أدبياته استخدام العنف والإرهاب للوصول إلى أهدافه، بينما في الطرف الآخر هناك سلطة تحتكر الدولة، مهما قلنا في هذه السلطة. وبموجب موقعها فإن هذه السلطة مطالبة بالاحتكام إلى المؤسسات، وفي مقدمها القضاء. لا يحق للقاضي، مهما كان متيقناً من ذنب المجرم الذي في القفص، أن يتناول مسدساً ويطلق النار عليه متذرّعاً بتطبيق العدالة.
ربما يكون بين ضحايا مجزرة سجن تدمر متورطون في أعمال قتل طائفية، سواء ما يتعلق منها بمجزرة مدرسة المدفعية أو غيرها مما نفّذته الطليعة المقاتلة آنذاك. ربما يُدان هؤلاء في أي بلد يحكمه قانون عصري، إلا أن قتلهم في السجن شأن آخر، والأنكى منه هو قتل هذا العدد الضخم على سبيل العقاب الجماعي. وبهذا المعنى كانت مجزرة سجن تدمر مؤسِّسة، لأنها استهلت عهداً من العقاب الجماعي المكشوف، وعلى نطاق واسع. من فظائع هذا العقاب الجماعي ألا يُعرف الضحايا على نحو رسمي مؤكّد، وألا يعرف كثر من الأهالي ما إذا كان أقاربهم ضحايا المجزرة أم ضحايا مقتلة أخرى، أو أنهم قضوا نحبهم في السجن لأسباب مختلفة.
مرور المجزرة بيسر وسهولة شجّع على ارتكاب المزيد، وصولاً إلى المجزرة الكبرى في حماة. أيضاً الاستثمار الرابح في المجزرة شجّع على ارتكاب المزيد، إذ كسب الأسد بسبب ارتكابه المجزرة ولاء الذين صاروا يخشون سقوطه، وما سيجرّه عليهم السقوط من ويلات، لا لأنهم متورّطون بأي شكل في مجازره بل لأنهم في معظم الأحيان الأضعف الذين يدفعون الأثمان. تلك لم تكن المرة الأخيرة: أن تنال سلطة موالاةً أقوى وأوسع بعد ارتكابها المجازر، أكثر بكثير مما كان عليه الحال قبل ارتكابها، وكأنّ السلطة المرتكبة تكسب شعبية من اجتماع الجريمة مع وهم وخشية كونها مهدَّدة بالسقوط.
بعد المجزرة صار الأسد أشدّ جرأة في استباحة الدولة وما يتصل بها، وفي استباحة الخصوم، حيث لم يعد يكتفي باعتقالهم، أو حتى بإعدامهم. لقد بدأ عهد من الاستباحة الاجتماعية باستهداف أقارب الخصوم من الدرجة الأولى أو الثانية، سواء بالاعتقال أو بالتهديد المستمر به، أو بحالات اغتصاب نساء من عوائل المعتقلين أو التهديد به في أفرع المخابرات تحديداً. بالتوازي كانت الاستباحة الاقتصادية تحدث بصمت، فهناك مثلاً أعداد لا يُستهان بها من العقارات المملوكة لأعضاء في تنظيم الإخوان المسلمين تمت مصادرتها بلا حكم قضائي، فاستولى عليها ضباط من المخابرات أو الجيش.
استباحة الخصوم، ومنها الاستباحة الوقائية أو الاستباقية، صارت ركناً أساسياً من أركان الحكم الأسدي، ولا مبالغة في أنها صارت مألوفة على نطاق واسع، وغير مستنكرة كما يجب. صارت “الدولة المتوحّشة” كأنما هي من طبيعتها الدائمة، وهذا ما يجب التوقف عنده مع استذكار المجزرة، وقد سقط الأسد، وقد يكون الأقرب إلى الصواب أن بشار الأسد قد سقط، أما ما أسّس له حافظ الأسد فليس أكيداً أنه سقط كما يجب وكما يُفترض أن يحدث بسقوط الوريث.
الدرس الأعمق والأبعد الذي تقدّمه المجزرة هو في خطورة توحّش الدولة عندما تصبح طرفاً خارج القانون، لا طرفاً ممثِّلاً القانون الذي ينصف جميع المواطنات والمواطنين ويساوي بينهم. في الديموقراطيات تكون السلطة طرفاً في الصراع الاجتماعي والحزبي الواسع، ما يتجلّى في السياسات الاقتصادية والخارجية والداخلية، بحيث لا تمسّ الأخيرة بالحقوق الأساسية للجميع.
نظرياً قد تُعدّ مجزرة سجن تدمر “أهون” من غيرها، لأن ضحاياها منخرطون أصلاً في صراع مع السلطة وعليها. هنا تحديداً درس يُستحسن الانتباه إليه جيداً، فالسلطة الإبادية تجاه خصومها في حالة الصراع سرعان ما تكون إبادية بالمطلق فتستبيح المجتمع ككل. لا توجد سلطة منزَّهة بطبيعتها عن الجشع إلى السيطرة، والرادع الوحيد أن لا تستفرد سلطة بالساحة، ومن الضروري أن تعي ذلك كتل كبيرة اجتماعياً، أن تعي أن المعارضة ليست ترفاً في أي وقت، وإنما هي ضرورة مستدامة، وضرورة وقائية كي لا يتناول القاضي مسدساً ويطلق النار على الأبرياء قبل المُدانين.