في الوقت الذي تستغرقه لقراءة هذا السطر، يكون عنوانٌ آخر قد أطلّ على شاشتك: “ارتفاع حصيلة القتلى إلى 12 ألفاً”. ثم تُحدَّث الشاشة. ثم مأساة جديدة. ثم رقم آخر. ثم إعلان. ثم قهوة. ثم يوم عادي…
لقد أقنعنا أنفسنا بأن كثرة الأرقام تعني كثرة الوعي. وأنّ التحديث المتواصل لحصيلة القتلى هو تكريم للموتى. كلا. نحن لا نُكرِّمهم. نحن نُخَدِّر الأحياء. نحن نُعلِّم أنفسنا، بكل خبر عاجل، أن الموت أصبح جزءاً من قائمة يومية.
لقد أتقنت دورة الأخبار الحديثة “قواعد الكارثة”. تسقط قنبلة. تتدافع الكاميرات. يتلو مذيعٌ كلماتٍ حزينة. ثم تظهر “تحذيراتٌ من مشاهد صادمة”.
هذه ليست صحافة. هذا فيلم موثق للقتل، وإن ارتدى رداء الاحتراف. هذا استهلاك مقنع للألم، تحولت فيه الجثث إلى “محتوى”، وتحولت فيه الدماء إلى “مشاهد حصرية”. لنصل إلى نقطة لا يعود معها للموت أي معنى.
الخطأ الأول: أن الصناعة الإعلامية حوّلت التفاصيل إلى تحديثات رقمية. طفل سوري يغرق على شاطئ البحر (آلان كردي، عام 2015)، فيحزن العالم 48 ساعة. ثم يُقصف مستشفى للولادة في أوكرانيا (ماريوبول، مارس 2022). ثم انهيار أرضي في بيرو. ثم فيضانات في ليبيا (درنة، سبتمبر 2023). كل مأساة تلغي التي سبقتها.
وسائل الإعلام تتنافس على “سبق التغطية” لأي كارثة حتى لو كان السبق يعني نشر معلومات غير دقيقة أو تضخيم الأرقام أو حتى عرض مشاهد لم يتم التحقق من مصداقيتها
الصورة المؤثرة تظل مؤثرة، لكنها تفقد قوتها إذا تحولت إلى “موضة عابرة”. الإنسان يبكي على طفل واحد. لكنه لا يستطيع أن يبكي على عشرة آلاف طفل في نفس الوقت. والأدهى من ذلك أن المشاهد بدأ يتطور لديه مناعة أخلاقية. فالمشاهد الذي صُدم بزلزال هايتي عام 2010، لم يعد يصدم بنفس الدرجة من زلزال نيبال عام 2015. والمشاهد الذي بكى لصور غزة 2014، وجد نفسه أقل تأثراً بغزة 2023. هذه ليست قسوة طبيعية في الإنسان. هذا فشل إعلامي تام.
أما الخطأ الثاني والأكثر إدانة: فأن الإعلام تعلم كيف يجني الأرباح من الرعب. فخوارزميات “فيسبوك” و”X” و”تيك توك” تكافئ الصدمة. ومعدلات النقر تتصاعد مع كل لافتة “خبر عاجل” أو “عاجل جداً” أو “فيديو حصري لا يمكن تفويته”. والنتيجة: حلقة مفرغة بشعة. الضحايا يصيرون مادة خام. وآلامهم تتحول “محتوىً” يُستثمر فيه مثل أي منتج استهلاكي آخر.
دعني أقدم مثالاً واقعياً لم تره على الشاشة. في إحدى غرف الأخبار عُرض على المحررين شريط فيديو يوثق لحظة قصف مدرسة في إحدى مناطق النزاع. الفيديو كان يظهر أطفالاً يصرخون، وغباراً يغطي كل شيء، وأحد الناجين يحاول انتشال حقيبة مدرسية من تحت الأنقاض. رئيس التحرير علق قائلًا: “جميل، لكن هل لدينا لقطة أوضح للدم؟” سألته إحدى الصحفيات: “ألا تكفي هذه اللقطة لإظهار حجم الكارثة؟” أجاب: “ليست صادمة بما يكفي. الجمهور اعتاد على الدم”.
هذه القصة ليست استثناء. إنها القاعدة في عصر أصبح فيه الألم سلعة، وأصبحت المآسي تُصنف حسب “قوتها التسويقية” وليس حسب حاجتها للعدالة. هناك مآسي تستحق “خبراً عاجلاً في الثواني العشر الأولى”، وهناك مآسي أخرى تُترك لصفحات الأخبار الداخلية. وفي كلتا الحالتين، لا أحد يسأل: هل قدمنا شيئاً حقيقياً للضحية؟
الإعلام لا يكتفي بتقديم الرعب، بل يتسابق لتقديمه أولاً. القنوات تتنافس على “سبق التغطية” لأي كارثة، حتى لو كان السبق يعني بث معلومات غير دقيقة، أو تضخيم الأرقام، أو حتى عرض مشاهد لم يتم التحقق من مصداقيتها. وكثيراً ما حدث أن أعلنت قناة عن حصيلة قتلى مرتفعة جداً، ثم بعد ساعات تراجعت قائلة: “الخبر السابق كان غير دقيق”. ولكن السؤال: هل اعتذرت لأهالي الضحايا الحقيقيين؟ بالطبع لا.
عندما تُقدَّم الأرقام فقط، يتعلم الجمهور أن “المشكلة كبيرة جداً لدرجة لا يمكنه فعل أي شيء حيالها”. فيصاب بـ”شلل الأخلاق”. أما عندما تُقدَّم قصة إنسان واحد، يشعر المشاهد أن بمقدوره المساعدة. أن بإمكانه التبرع. أن بإمكانه التضامن. أو على الأقل، أن بإمكانه التذكر والحزن الحقيقي.
بعد زلزال شباط/فبراير 2023 الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا، هرعت معظم القنوات إلى بثّ مشاهد الانهيارات نفسها: مبنى ينهار، امرأة تصرخ، جثة في الركام، كلب حزين، طفل يبكي. وبعد 48 ساعة فقط، كان المشاهدون يقولون في التعليقات: “كفى، لقد سئمنا”، “لم يعد يهم”، “كل القنوات نفس المشاهد”. الإعلام حوّل كارثة راح ضحيتها أكثر من 50 ألف إنسان إلى فوضى وضجيج. بعد ثلاثة أيام، أصبحت القنوات تتحدث عن زلزال تركيا وكأنه حدث رياضي قديم.
في عام 2015 صورة آلان كردي وهو ملقى على شاطئ بودروم هزت العالم. تلك الصورة وحدها فتحت أبواب أوروبا أمام مئات الآلاف من اللاجئين في فترة وجيزة
ولكن قلة قليلة من الصحفيين مثل الصحافية سارة كابلان في تغطيتها لإعصار هيلين الذي ضرب الولايات المتحدة عام 2024، لم تذهب إلى 50 عائلة. ذهبت إلى عائلة واحدة في ولاية فلوريدا وجدت نفسها محاصرة بالمياه بعد انهيار السدود. لم تكتف سارة بسرد الأرقام عن حجم الدمار أو عدد القتلى، بل جلست مع العائلة لأيام، تتابع تفاصيل حياتهم اليومية بعد الكارثة: كيف فقدوا بيتهم، وكيف تحولت غرفة المعيشة إلى مأوى مؤقت، وكيف كان الطفل الصغير يسأل كل ليلة إن كان السقف سينهار فوقهم. هذا السرد الإنساني جعل القارئ يرى الإعصار ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل تجربة تهز حياة الناس في العمق.
كذلك، في تقاريرها عن أزمة نهر كولورادو، لم تكتف بالحديث عن انخفاض منسوب المياه، بل روت قصة مزارع ظل يراقب أرضه وهي تتشقق يومًا بعد يوم، وكيف أصبح يبيع نصف محصوله ليشتري مياهًا تكفي للنصف الآخر. بهذا الأسلوب، تحوّل النص العلمي إلى شهادة إنسانية عن معنى الجفاف في حياة البشر.
الأرقام لا تزعج المعلنين. الأرقام لا تجعل المشاهد يبكي فعلاً، بل تجعله يتنهد للحظة ثم يعود إلى قهوته. الأرقام “موضوعية” – أو هكذا يُقال.
أما الوجه، والاسم، والصوت، والحلم الذي لم يتحقق، وآخر رسالة صوتية أرسلها القتيل لأمه قبل القصف – فهذه مزعجة. لأنها تجعل من المستحيل أن تظل محايداً. لأنها لا تنتهي عند حدود “نعم، مأساة كبيرة”، بل تجبرك على السؤال: “هل أنا جزء من هذا؟ هل كان بإمكاني فعل شيء؟”
وهذا هو السر الذي لا يقوله المدراء التنفيذيون لوسائل الإعلام: هم لا يريدونك أن تتوقف عن مشاهدة الأخبار، لكنهم أيضاً لا يريدونك أن تتأثر بها فعلاً. يريدونك أن تشاهد، ولكن بمسافة. يريدونك أن تنزعج قليلاً، ثم تشتري منتجات المعلنين. يريدونك أن تشعر بالحزن المناسب، ولكن ليس حزناً يجعلك تغير حياتك أو تتصرف.
الحل ليس تغطية أقل. الحل هو تغطية أفضل. أبطأ. أعمق. أكثر شجاعة. صحافة ترفض اختزال الموتى في “شريط جانبي متحرك” على حافة الشاشة. صحفي يقضي ثلاثة أشهر ليكسب ثقة عائلة واحدة في منطقة نزاع، بدلاً من مطاردة “حصيلة الـ24 ساعة” التي تتغير كل ساعة. عنوان رئيسي يقول: “كانت تريد أن تصبح معلمة. ثم جاء الصاروخ”. وليس: “مقتل 21 في قصف”.
قصة واحدة تُروى بكرامة تساوي ألف إحصائية.
في أيلول/سبتمبر 2015، لم تكن صورة الطفل السوري آلان كردي على شاطئ بودروم مجرد مشهد مأساوي لطفل غريق، بل كانت الشرارة التي هزّت الضمير العالمي. جسد صغير ملقى على الرمال كشف مأساة ملايين اللاجئين الذين لم تستطع الأرقام والإحصاءات أن تنقلها. تلك الصورة وحدها قلبت المزاج السياسي في أوروبا، ففتحت الحدود أمام مئات الآلاف من الفارين من الحرب، وأجبرت القادة على مواجهة الحقيقة التي حاولوا تجاهلها. لقد أثبتت أن الإنسانية أقوى من الحسابات الباردة، وأن صورة واحدة قد تغيّر التاريخ أكثر مما تفعل تقارير مطولة أو خطابات رسمية. آلان كردي لم يكن مجرد طفل فقد حياته في البحر، بل أصبح رمزًا لمعاناة شعب بأكمله، ودليلًا على أن الشرر الصغير – صورة واحدة – يمكن أن يشعل نارًا تغيّر السياسات وتعيد تشكيل الوعي الجمعي.