ليست القضية أنّ شاحنة تابعة للـ”الحزب” تنقل أسلحة ومتفجرات من بعلبك إلى بيروت وغيرها من الهرمل. فهذه الشاحنات و”الحمير” لن تكون الأولى، وليست الأخيرة، ما دام “الحزب” يتصرف باعتباره سلطة عسكرية موازية للدولة. وليست القضية من هو الجهاز الأمني الذي سيتولى التحقيق، أهو مخابرات الجيش أم شعبة المعلومات أم الشرطة العسكرية. بل القضية هي الرسالة التي يوجهها “الحزب” إلى الشعبين اللبناني والسوري، بل إلى الدولة السورية الجديدة: هل يقول إن المتفجرات التي تركها خلفه في الأراضي السورية والتي استعملها لقتل الشعب السوري، يحتاج إليها اليوم في لبنان؟
ما قبل دخوله إلى الحرب مع إسرائيل عام 2023 كان “الحزب” يتعاطى مع الملفات السياسية والأمنية والعسكرية في الداخل والخارج بمنطق فائض القوة فاذا به بعد حربي الاسناد، عامي 2023 و2026 يستند الى فائضين:
ـ الاول، فائض الحمق السياسي عبر تخوينه الدول اللبنانية ورئيسي الجمهورية جوزف عون والحكومة نواف سلام.
ـ الثاني، فائض “التوحش” عبر مفاخرته ومجاهرته أنّ السلاح الذي كان يقتل به الشعب السوري طوال 13 سنة ها هو ينقله الى لبنان لقتل ما تبقى من اللبنانيين. لقد تحول “الحزب” من حزب “المقاومة” الى حزب الفوائض الوحشية المتعددة والفارغة من كل مضمون وطني وانساني وديني.
إعلان النائب عن “الحزب” حسن فضل الله، وبـ”وقاحة وحشيّة سياسية” ملكية “الحزب” للشحنة الأخيرة، مبرراً وجودها بأنها مخصصة لمواجهة القوات الإسرائيلية، قافزاً فوق الماضي الرهيب الذي صنعه حزبه في سوريا منذ العام 2012 وعلى مدى 13 عاماً… لا يُبرر ولا يُغلق الملف، بل يفتحه على أسئلة أكثر خطورة: لماذا كانت هذه المتفجرات في سوريا؟ من احتفظ بها، وتحت أي سلطة، ولأي غرض؟ ولماذا يجري نقلها عبر مسالك التهريب؟
إنّ إعلان الملكية لا يمنح صاحبه حقاً تلقائياً في الحيازة والنقل والتخزين، ولا يحوّل أمر الواقع العسكري لهذه المتفجرات التي قتل بها السوريين إلى عادية من العاديات السياسية والعسكرية طالما زعم أنها لمواجهة إسرائيل، وهو الذي لا يواجه الأخيرة على امتداد مساحة الجنوب المحتل.
متفجرات الأمس ولبنان اليوم
دخل “الحزب” الحرب السورية عام 2012، مقاتلاً إلى جانب نظام بشار الأسد في مواجهة الثورة السورية. ولم يكن ذلك مجرد انتقال لمقاتلين عبر الحدود، بل تدخلاً عسكرياً في حرب دفع السوريون أثمانها البشرية والاجتماعية الهائلة. يومها، لم يتعامل “الحزب” مع سوريا بوصفها دولة ينبغي احترام سيادتها، بل ساحة لمعركة إقليمية أراد أن يحسمها لمصلحة حليفه الفار إلى روسيا.
اليوم، بعد سقوط نظام الأسد وتبدّل السلطة في دمشق، يبرز السؤال الذي لا يستطيع “الحزب” القفز فوقه: هل تعود إلى لبنان متفجرات كانت جزءاً من ترسانة الحرب السورية؟ وإذا صحّ ذلك، فهل نحن أمام استعادة مخزونات عسكرية قديمة قتل من قتل فيها؟ أم أمام إعادة تهريب هذه المتفجرات لقتل اللبنانيين في الداخل طالما هو عاجز أو مُستنكف عن مواجهة إسرائيل؟
إنّ أخطر ما في هذه القضية أنّ “الحزب” يريد من اللبنانيين التعامل مع سلاحه باعتباره ضمانة أمنية، فيما يطلب منهم عملياً التسليم بترسانة لا يعرفون لماذا خُزنت في سوريا، وكيف تنتقل، ومن يقرر مصيرها. أي ضمانة هذه التي لا تعرف غير القتل من بيروت إلى اليمن مروراً بسوريا والعراق؟
فائضان بعد سقوط أسطورة القوة
قبل حرب 2023، كان “الحزب” يتصرف بمنطق فائض القوة، مستنداً إلى ترسانة ضخمة وقدرة على فرض الوقائع على الدولة والمجتمع. ثم جاء مقتل أمينه العام حسن نصر الله، لتضعه أمام واقع مختلف، لا يمكن التعامل معه بعقلية المراحل السابقة.
الدولة ليست مستودعاً للحزب
لا يجوز، في المقابل، أن يصبح “إعلان” فضل الله ذريعة لإسكات الأسئلة، أو أن يُطلب من اللبنانيين تصديق أن كل ما يحمله “الحزب” ويخزّنه وينقله لا بد أن يكون دفاعاً عنهم. إن مطالبة الدولة بإعادة شحنة مضبوطة لا تستند إلى إعلان الملكية وحده. فالدولة ليست دائرة خدمات لدى “الحزب”، وأجهزتها الأمنية ليست مخازن احتياطية لترسانته، ولبنان ليس ممراً خلفياً لمخلّفات الحروب الإقليمية. وحدها المؤسسات الشرعية تملك حق إدارة الأمن العام، في إطار القانون والمساءلة، لا وفق إرادة تنظيم يقرر وحده متى يتسلح، وأين يخزّن، وكيف ينقل، ثم يطالب الجميع بالتسليم بروايته.
السؤال الأخير، إذاً، ليس كم كيلوغراماً ضُبطت، ولا أي جهاز سيتولى التحقيق. السؤال هو: ماذا بقي من ترسانة الحرب السورية، ولماذا تعود إلى لبنان الآن؟ وإلى أن تُقدَّم إجابة واضحة ومدعومة بالأدلة، ستظل هذه الشحنات اختباراً للحزب، وامتحاناً لحق اللبنانيين في معرفة ما يُنقل باسم أمنهم.
“الحزب”، عليه أن يفهم أن زمن فرض الوقائع بالقوة لا يمنحه حصانة دائمة، وأنّ سلاحاً لا يخضع لقرار الدولة قد يتحول من ادعاء حماية الوطن إلى مصدر تهديد لاستقراره. فلبنان لا يحتاج إلى فائض جديد من المتفجرات، ولا إلى فائض من التخوين والتهديد، بل إلى دولة تحتكر قرار الحرب والسلم، وتحاسب كل من يتصرف فوق القانون، أياً تكن هويته أو شعاراته.