لم يعد ممكناً التعامل مع شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر على أنها قضية أمنية تنتظر نتائج التحقيق. الموقف الأميركي، كما حمله اتصال وزير الخارجية ماركو روبيو برئيس الجمهورية جوزف عون، وضع خطاً واضحاً: لا إعادة للشحنة إلى «الحزب»، ولا إقفال للملف من دون محاسبة المسؤولين عنها. ففي واشنطن، من وزارة الخارجية إلى البيت الأبيض، لم يعد مقبولاً أن تتحول القضايا الحسّاسة إلى تفاهمات سياسية تُبقي الوقائع معلّقة وتؤجل تنفيذ قرارات الدولة.
تقول مصادر دبلوماسية لـ«أساس ميديا» إنّ الضغط الأميركي والسعودي، والاهتمام الذي أحاط بالقضية، حالا حتى الآن دون تمييع التحقيق. لكن هذا الضغط لا يعفي السلطة من مسؤوليتها، ولا يضمن أن يبقى الملف محمياً من التسويات. فالامتحان الحقيقي بحسب المجتمع الدولي المراقب لمصير الشحنة والتحقيق حولها، هو أن تكشف الدولة من يقف وراءها، وأن تثبت أنّ القانون يسري على الجميع. أما الاكتفاء بمنع إعادتها في هذه المرحلة، حين يبقى التحقيق بلا نتائج حاسمة، فيعني أنّ الدولة لا تزال تحاول ان تكسب مزيد من الوقت لعجزها عن استعادة قرارها.
الشحنة تكشف من يملك القرار
يضع كلام النائب حسن فضل الله الدولة أمام هذا الاختبار مباشرة. فمطالبة “الحزب” بإعادة الشحنة والإفراج عن الموقوفين لا تتصل فقط بإعلان وجهة المتفجرات أو الجهة التي ستستخدمها. بل هو مطالبة الدولة بالتراجع عن إجراء اتخذته مؤسساتها وهو رفض لقرار الحكومة حظر النشاط العسكري للحزب، كما أنه تحذير من تنفيذ المطالب الأميركية. وبالتالي إنّ الخلاف في هذا الملف أصبح على من هو صاحب القرار الأمني، وعلى ما إذا كان في وسع الدولة أن تطبق قراراتها حين تعترض عليها جهة مسلّحة.
هذا تحديداً، ما يجعل القضية أخطر من شحنة مصادرة أو تحقيق قضائي. فإذا تراجعت الدولة تحت الضغط وهذا مستبعد، تكون قد أقرت بأن قراراتها لا تسري على “الحزب”. وإذا مضت في التحقيق والمحاسبة، فعليها أن تكون مستعدة لمواجهة تبعات قرارها وتوفير الحماية للمؤسسات التي تنفذها. لا خيار ثالثاً يحفظ هيبة الدولة: المساومة على أصل التحقيق ستكرّس سلطة موازية، فيما إعلان القرار من دون تنفيذه سيحوّله إلى دليل إضافي على عجزها. أما التقارير عن تحركات في شوارع بيروت ومحاصرة مسلحين مرتبطين بالحزب دورية للشرطة القضائية، قبل انسحابهم مع وصول الجيش، فتزيد من خطورة المشهد.
لا تكفي هذه التقارير وحدها للجزم بوجود خطة تصعيد منظمة، لكنها تضع الأجهزة أمام واجب واضح في ضرورة التحقيق في الوقائع ومحاسبة المتورطين، كي لا يصبح حضور الدولة مرهوناً بغياب من يعترض على تطبيق القانون.
رسائل واشنطن لا تترك مجالاً للتأويل
في قراءة واشنطن، لم تعد الشحنة مسألة لبنانية داخلية يمكن احتواؤها بتبادل المواقف. فدعوتها إلى محاسبة من أمروا بها أو موّلوها أو أداروها، ورفضها إعادتها إلى “الحزب”، تربطان القضية مباشرة بملف حصرية السلاح وبقدرة مؤسسات الدولة على ضبطه. كما أن طرح التواصل العسكري المباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي يكشف أنّ واشنطن تدفع نحو آلية مختلفة لإدارة النزاع، لا تنتظر فيها من بيروت أن تكتفي بتكرار مطالبها من إسرائيل.
هنا تبدو الفجوة بين واشنطن وبيروت عميقة. فبعد اتصال روبيو بعون، جاء الموقف الرئاسي مركزاً على مطالبة الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها. وهذا بحسب مصادر سياسية داخلية، مطلب محق. لكن بحسب المصادر الدبلوماسية الغربية، إن الاكتفاء به لا يجيب عن الجزء الآخر من الرسالة الأميركية: ماذا ستفعل الدولة في ملف السلاح، وما الذي ستقدمه لإثبات أنها تمسك بقرارها؟
تصف المصادر الدبلوماسية الأميركية بعض مواقف الرئيس عون بأنها «بعيدة عن الواقع»، لأنها، في نظرها، تكرر أنّ الجيش يقوم بواجباته وأنّ الخروقات الإسرائيلية تعرقل بسط سلطة الدولة، من دون أن تقدم جواباً عملياً عن الفجوة بين قرارات الحكومة والوقائع على الأرض. فالإصرار على أنّ الجيش ينفّذ مهماته لا يكفي وحده لتبديد الانتقادات الأميركية، كما أن مطالبة إسرائيل بالانسحاب لا تعفي الدولة من تنفيذ ما تعهدت به. وعليه، فإن استمرار الرئاسة اللبنانية في مقاربة الملف من زاوية واحدة، فيما تتبدل الرسائل الدولية وترتفع سقوفها، يهدد بعزل لبنان الرسمي عن الوقائع التي عليه التعامل معها.
لبنان داخل معادلة أوسع
في المقابل، تأتي زيارة معاون وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زادة إلى بيروت لتكشف جانباً آخر من المأزق. فالمواقف الإيرانية التي تربط لبنان بأي اتفاق مع طهران، وتتعامل مع الجبهات بوصفها مترابطة، لا تترك للبنان مساحة واسعة لادعاء أنّ قراره منفصل عن التصعيد الإقليمي. إنها تعزز خطاب الحزب الذي يربط سلاحه بمواجهة إسرائيل وبمعادلة تتجاوز الحدود اللبنانية، فيما يُطلب من الدولة أن تتصرف كأنها صاحبة القرار الوحيد.
إلا أن هذا التناقض لا يمكن أن يستمر بلا كلفة. اذ تقول المصادر الدبلوماسية المعنية بالملف اللبناني، أنه إذا كان لبنان الرسمي يرفض أن يكون جزءاً من حسابات إقليمية، فعليه أن يثبت ذلك بقراراته. وإذا كانت الحكومة تتبنى حصرية السلاح، فعليها أن تقدم خطة تنفيذية، لا أن تكتفي بقرار يُطعن فيه علناً ثم تترك المؤسسات تواجه وحدها.
تقول مصادر دبلوماسية إن لبنان أُعطي وقتاً وفرصاً متكررة لوضع خطة وطنية متكاملة، تشمل جدولاً للتنفيذ، وإمكانات للجيش، وغطاءً سياسياً داخلياً، وضمانات واضحة تلزم إسرائيل بالتوازي. لكن العام الأول من العهد غلبت عليه محاولة استيعاب “الحزب”، وفي العام الثاني تصاعد السجال حول حصرية السلاح من دون ترجمة كافية على الأرض. وبذلك، لم يعد التأجيل وسيلة لشراء الوقت بل صار جزءاً من المشكلة.
لبنان اليوم أمام امتحان ما زرع: قرارات معلنة لم تُترجم، وخلاف داخلي على مرجعية السلاح، وضغط دولي يشتد، وإسرائيل تواصل اعتداءاتها، فيما تتصاعد المخاطر الإقليمية. لا تعني هذه الوقائع أن مواجهة داخلية باتت حتمية، لكنها تجعل افتراض أن الكلام وحده سيمنع حصولها هو قراءة خطرة.
اذ، يتردد في الكواليس الدبلوماسية أنّ المطلوب من الدولة أن تحسم مسار التحقيق، وتحمي استقلاله، وتعلن خطة قابلة للتنفيذ، وتطالب إسرائيل بالتزاماتها بوضوح. أما تمييع القضية أو تركها تتآكل تحت ضغط السياسة، فسيكون إعلاناً بأن الدولة تعرف ما عليها فعله، لكنها لا تملك قرار فعله.
